أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

«حزب الله» في جنوب شرق آسيا: تهديد متصاعد

ماثيو ليفيت

متاح أيضاً في English

ستراتاجيم

كانون الثاني/يناير 2013


في 12 كانون الثاني/يناير 2012، اعتقلت الشرطة التايلاندية في مطار سوفارنابومي في تايلاند، عتريس حسين المشتبه بكونه أحد عملاء «حزب الله» بينما لاذ مشتبه به آخر بالفرار. وفي مكان آخر في بانكوك، صادرت السلطات كميات كبيرة من المتفجرات الكيماوية مكونة من نترات الأمونيوم وسماد اليوريا، مما حدا بالسلطات الأمريكية والإسرائيلية إلى إصدار تنبيهات الطوارئ محذرة مواطنيهما من وقوع هجوم إرهابي محتمل. غير أنه استناداً إلى المواد المضبوطة في مخبأ الأسلحة، اعتقدت السلطات فيما بعد أن «حزب الله» كان يدير مركزاً للشحن البيني "المسافنة" يحتوي على المتفجرات خارج العاصمة بانكوك، على الأقل لمدة عام قبل اعتقال حسين. وكان يُعتزم على ما يبدو أن يتم شحن معظم المتفجرات التي عُثر عليها إلى خارج البلاد، ولكن عندما قررت إيران و«حزب الله» البدء في تنفيذ هجمات إرهابية تستهدف السياح الإسرائيليين فإنهما شرعا في الاستعانة بهذه الشبكة اللوجستية القائمة. ورغم أن تلك الرواية تبدو وكأنها مُعدَّة على الأرجح لتكون حبكة روائية على غرار أفلام هوليوود، إلا أن واقع نشاط «حزب الله» في جنوب شرق آسيا لا ينبغي أن يفاجئ أحد.

وتتزامن هذه القضية الأخيرة بقوة مع العديد من المؤامرات السابقة التي حاول «حزب الله» حياكتها في جميع أنحاء منطقة جنوب شرق آسيا. فالسيد حسين ليس أول عميل لـ «حزب الله» يتم القبض عليه في مطار بجنوب شرق آسيا ولا هو أول من يُتهم بارتباطه بمخابئ السلاح والعمليات الإرهابية في تايلاند. إذ ترجع عمليات «حزب الله» في تايلاند إلى عملية اختطاف طائرة ركاب كويتية إثر مغادرتها بانكوك في نيسان/أبريل 1988. وعلاوة على ذلك، أن عملية الاكتشاف الأخيرة للمواد الكيميائية المتفجرة المنسوبة لـ «حزب الله» في تايلاند تعيد إلى الأذهان استخدام الجماعة لجهاز متفجر تم تصميمه من نفس المواد الكيمائية في مؤامرة لتفجير السفارة الإسرائيلية في بانكوك عام 1994. وفي النهاية ربطت السلطات بين محاولة التفجير في عام 1994 و«حزب الله» عندما ألقت القبض على عميل لـ «حزب الله» في أحد مطارات مانيلا في أواخر عام 1999.

نيسان/أبريل 1988: اختطاف رحلة طائرة الخطوط الجوية الكويتية رقم 422

في 5 نيسان/أبريل 1988، اختطف أعضاء «حزب الله» طائرة تابعة لـ "الخطوط الجوية الكويتية" - رحلة رقم 422، كانت تقل 112 راكباً من بانكوك إلى الكويت وأجبروا الطائرة على الهبوط في مدينة مشهد في إيران. وسعى الخاطفون إلى الافراج عن 17 إرهابياً شيعياً مسجونين وكان من بينهم عملاء تابعون لحزب "الدعوة "العراقي و «حزب الله» اللبناني، كانوا قد سجنوا لدورهم في التفجيريين المتزامنين تقريباً اللذين استهدفا السفارتين الأمريكية والفرنسية، بالإضافة إلى عدة مواقع أخرى في الكويت في 12 كانون الأول/ديسمبر 1983. وقد قتل مسلحو «حزب الله» اثنين من الركاب على مدار مدة الاختطاف التي بلغت 15 يوماً قبل أن يقوموا في النهاية بإطلاق سراح بقية من احتجزوهم من الرهائن.

وأشارت "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية أن اختطاف الطائرة الكويتية في رحلة رقم 422 أكّد قدرة «حزب الله»على العمل في بانكوك. وعند تقييم وكلاء "وكالة الاستخبارات المركزية"  حول ما إذا كان «حزب الله» يقف وراء اغتيال الدبلوماسيين السعوديين الثلاثة في بانكوك عام 1990، ادعى أولئك الوكلاء أنه "من المحتمل اضطلاع "منظمة الجهاد الإسلامي" - إحدى عناصر «حزب الله» برئاسة عماد مغنية - بتلك الاغتيالات. فلمغنية روابط وثيقة مع طهران وقد أظهرت "منظمة الجهاد الإسلامي" قدرتها العملياتية في تايلاند من خلال تخطيطها لعملية اختطاف الرحلة رقم 422 من بانكوك عام 1988".

آذار/مارس 1994: استهداف السفارة الإسرائيلية في بانكوك

في حوالي الساعة التاسعة من صباح 11 آذار/مارس 1994، اقترب مفجر انتحاري تابع لـ «حزب الله» يقود شاحنة محملة بالمتفجرات من السفارة الإسرائيلية في بانكوك ليصبح على مسافة نحو 240 متراً منها. بيد عند خروجه من مرآب للسيارات تحت الأرض اصطدم بدراجة أجرة نارية فأصابه الذعر وفر من مكان الحادث. وعندما قامت الشرطة بتفتيش الشاحنة وجدت صهريج مياه مملوء بحوالي 1000 كغم من الأسمدة وحاويتين من النفط وبطارية ومتفجرات C4 ومفتاحين يدويين وضعا تحت مقعد السائق موصلين لتفجير القنبلة الهائلة. ولم تكتشف الشرطة وجود جثة تحت السماد والمواد المتفجرة إلا بعد أن أزالت المتفجرات من صهريج المياه. وتعرفت صاحبة الشاحنة المستأجرة على الرجل المقتول وقالت إنه أحد سائقيها، وأقرت للشرطة بأنها وافقت على تأجير الشاحنة لشخص لم يتمكن من تقديم الوثائق المعيارية المطلوبة لاستئجار شاحنة طالما كان أحد موظفيها هو من يقود المركبة. وقد تم خنق السائق ودفنه في ذلك البرميل المملوء بالمتفجرات. ولو قُدِّر لخطة التفجير تلك أن تسير وفق المخطط، فما كان سيتبقى أي دليل على وفاة السائق إثر عملية الانفجار. وبعد أربعة أشهر، قاد مفجر انتحاري تابع لـ «حزب الله» شاحنة مفخخة مماثلة نحو "الرابطة الأرجنتينية الإسرائيلية المشتركة" ("آميا") في بوينس آيرس.

تشرين الثاني/نوفمبر 1999: اعتقال ناشط «حزب الله» في المطار

في تشرين الثاني/نوفمبر 1999 نزل پاندو يودهاويناتا من طائرة "الخطوط الجوية الفلبينية" - رحلة رقم 126، كانت قد أقلعت من مدينة زامبوانغا، مينداناو، متجهة إلى مانيلا. وفي غضون دقائق تحقق ضباط الجمارك بمساعدة كلاب مدربة على شم المخدرات من أمتعة يودهاويناتا وألقوا القبض عليه لحيازته مخدرات. وفي غضون أسابيع من اعتقاله أعلمت "إدارة الاستخبارات الفلبينية" رئيس "الشرطة الوطنية الفلبينية" بأن پاندو - الذي لم يكن غريباً على مسؤولي مكافحة الإرهاب - "كان هدفاً لعملية سرية من قبل «الإدارة الفلبينية» ونظيرتها الإسرائيلية". وقد أكد مسؤولون إسرائيليون لمكافحة الإرهاب أن عملية مشتركة أرشدت المسؤولين إلى عدد من أعضاء خلية محلية في جميع أنحاء تايلاند قدموا معلومات جوهرية - عندما تم استجوابهم في تشرين الأول/أكتوبر 1999 - كشفت تفاصيل أساسية لم تكن معروفة من قبل عن پاندو وشبكته الإرهابية ودور «حزب الله» في المحاولة الفاشلة لتفجير السفارة الإسرائيلية في بانكوك عام 1994. وقد اكتشف المحققون مع پاندو بأنه استأجر الشاحنة التي كانت ستقوم بالتفجير المخطط عام 1994 باستخدام هوية مزورة، وأنه كان يتواصل مع كبار قادة «حزب الله» من لبنان، وكان يشرف على جوازات سفر الشبكة إلى غير ذلك من جهود المشتريات التي كان يقوم بها في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك ووفقاً لتقرير صادر عن الاستخبارات الإسرائيلية فإن استجواب عملاء «حزب الله» كشف عن أن الجماعة كانت تخطط للقيام بهجمات أخرى تستهدف المصالح الإسرائيلية والأمريكية، ليس في جنوب شرق آسيا فحسب، بل في أوروبا أيضاً.

وكشف التفتيش الكامل لأمتعة پاندو مجموعة متنوعة من وثائق تحتوي على أسماء وأرقام هواتف أشخاص ومنظمات. وتضمنت تلك الوثائق معلومات للإتصال مع عملاء استخبارات تابعين لكل من «حزب الله» وإيران، فضلاً عن خمسة جوازات سفر فلبينية بأسماء مختلفة وصورة من جواز سفر فلبيني سادس وبيانات شخصية عن خمسة أشخاص آخرين. وبمرور الوقت كشف المحققون بأن أحد تخصصات پاندو كان استصدار جوازات سفر مزورة لعملاء «حزب الله».

وقد توصلت السلطات إلى أنه سافر إلى الفلبين مرتين على الأقل في الأسابيع التي سبقت اعتقاله في شهر تشرين الثاني/نوفمبر لهذا الغرض الواضح. وقد اكتشفت الشرطة بأن العجلة في ذلك الأمر كانت مرتبطة بمسائل عملياتية. ووفقاً لما جاء عن المحققين الفلبينيين، كان پاندو يستصدر جوازات السفر التي "كان يعتزم استخدامها من قبل المجموعة الإرهابية الدولية التي مقرها لبنان والمعروفة باسم «حزب الله» في هجوم إرهابي وشيك الحدوث في دولة لم تحدد بعد في الشرق الأوسط". وسرعان ما اكتشفت السلطات الفلبينية أن پاندو كان يدير أيضاً مخابئ سلاح تابعة لـ «حزب الله» في كل من بانكوك ومنطقة مانيلا الحضرية "مترو مانيلا".

الخاتمة: عمليات «حزب الله» في جنوب شرق آسيا

خلال رحلاته بين إيران ولبنان لتلقي المزيد من التدريب، قضى پاندو معظم أوقاته بعد تفجير عام 1994 الفاشل حتى اعتقاله عام 1999 يتولى تنفيذ مهام أصغر لصالح «حزب الله». ووفقاً للمحققين الفلبينيين شملت مهام پاندو "شراء الأسلحة في إندونيسيا وجوازات السفر في أجزاء أخرى من جنوب شرق آسيا وأعمال تحديد الأهداف الإرهابية بالإضافة إلى تجنيد الأفراد". ورغم أنه كان يعيش في ماليزيا في ذلك الوقت، إلا أنه كان ضالعاً أيضاً في أعمال تخزين الأسلحة في تايلاند والفلبين والتي خلصت السلطات الفلبينية إلى أن الغرض منها كان "على الأرجح الإعداد لمهام مستقبلية".

في عام 1996 أرسل «حزب الله» أحد عملائه الضالعين في مؤامرة تفجير عام 1994 في بانكوك، مرة ثانية إلى المنطقة بما في ذلك تايلاند "لغرض الإعداد لـ 'الهجمات الطارئة الخمس' ". إن الإشارة الغامضة إلى خطة تضم خمس هجمات - والتي ربما يتم تنفيذها فقط تحت ظروف طارئة محددة - تناسب الأسلوب الراسخ الذي يتبعه «حزب الله» في تحديد الأهداف وإعداد عمليات احتياطية جاهزة للتنفيذ حال صدور الأوامر بذلك - وإذا ما تم صدروها بالفعل.

كانت التقارير الاستخباراتية على مدى التسعينات تشير إلى أن عملاء «حزب الله» كانوا ناشطين في تايلاند والفلبين وسنغافورة وماليزيا وأستراليا، وحتى ميانمار (بورما). ووفقاً لتقارير الاستخبارات الفلبينية تضمنت أهداف «حزب الله» السفارات الأمريكية والإسرائيلية وشركات إسرائيلية ومعابد يهودية وجاليات يهودية ومواقع سياحية يرتادها الأمريكيون والإسرائيليون ومكاتب شركة إل عال الإسرائيلية وسفن عسكرية أو تجارية - أمريكية أو إسرائيلية - تمر عن طريق مضيق سنغافورة ومضيق ملقا. واستمر نشاط «حزب الله» في هذه المنطقة حتى حلول الألفية الجديدة ولكنه يعكس الاتجاه العالمي لـ «حزب الله» فيما بعد 11/9 بالتركيز بصورة أكثر على الجوانب اللوجستية من التركيز على العمليات في محاولة للبقاء بعيداً عن مرمى الحرب الدولية على الإرهاب. غير أنه حتى خلال هذه الفترة، اشترك «حزب الله» في بعض الأنشطة العملياتية التي تركزت بشكل خاص على تسلل العملاء إلى إسرائيل من أوروبا - وفي حالة واحدة - من جنوب شرق آسيا. وقد انتهت هذه الثغرة العملياتية باغتيال قائد العمليات الخارجية في «حزب الله» عماد مغنية في شباط/فبراير 2008.

نتحول سريعاً نحو 2012. لا ينبغي لأحد أن يندهش من امتلاك «حزب الله» للقدرات والإمكانيات لشن هجمات والانخراط في أنشطة الدعم اللوجستي في تايلاند وجميع أنحاء جنوب شرق آسيا. وعلاوة على ذلك، يتم باستمرار تحديث الخطط العملياتية الطارئة لـ «حزب الله» وهي جاهزة للتنفيذ خلال فترة زمنية قصيرة. وقد أظهر «حزب الله» كذلك أن قدراته اللوجستية، مثل شراء المواد المتفجرة ونقلها أو غيرها من المواد الضرورية، قد سبق التخطيط لها بشكل جيد. أما بالنسبة لقدرات «حزب الله» على القيام بعمليات في جنوب شرق آسيا فقد أظهرتها الجماعة للمرة الأولى قبل 33 عاماً وحافظت عليها منذ ذلك الحين. والأمر الذي ننتظر نتائجه هو ما إذا كان اعتقال حسين سيساعد السلطات - مثلما حدث في قضية پاندو في التسعينات - على كشف الخلية المحلية التي تضم مجندين لـ «حزب الله» والتي كان هو وشريكه، الذي فر هارباً، يشرفان عليها بكل تأكيد تقريباً. وأما ما تبين بالفعل فهو أن اعتقال حسين لم يُثني إيران ووكلائها عن القيام بعمليات أخرى، فبُعيد أسابيع قليلة من اعتقال حسين، تم الكشف عن مجموعة من عملاء "قوة القدس" التابعة لـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الايراني والقبض على العديد منهم عندما انفجرت المتفجرات التي كانوا يعدونها في بانكوك قبل الوقت المحدد لها.

 

ماثيو ليفيت هو مدير برنامج ستاين للإستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن. هذه المقالة تعتمد على بحوث المؤلف لكتابه: "«حزب الله»: التأثير العالمي لـ «حزب الله» اللبناني".  (سيصدر من قبل مطبعة جامعة جورج تاون في 2013).