أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2263

«حماس» على خطى «حزب الله»

إهود يعاري

متاح أيضاً في English

3 حزيران/يونيو 2014


في الثاني من حزيران/يونيو توصلت حركتا «فتح» و «حماس» إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في السلطة الفلسطينية بعد أشهرٍ من بدء محادثات المصالحة بينهما، أسفرت عن حلّ «حماس» شكلياً لحكومتها في قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة ثمرة نقاشٍ داخلي طويل بين القيادات العليا للحركة حول مسارها المستقبلي. وعوضاً عن الالتزام باستراتيجية تعود إلى سبع سنوات وتقضي بإعطاء الأولوية لعملية الحكم الحصري "لحصن غزة" دون بذل أي جهد جدي لرأب الصدع مع «فتح» في الضفة الغربية، غيّرت قيادات «حماس» منهجها اليوم متجّهة نحو برنامج مختلف وهو: اقتباس نهج «حزب الله» من لبنان وزرعه في فلسطين.

وهذا يعني بالنسبة لـ «حماس» الاندماج في النظام السياسي العام مع الحفاظ في الوقت نفسه على قواتها المسلحة المستقلة والمتقنة التجهيز والعمل على إبقاء سيطرتها على غزة من خلال القبضة التي تحكمها أصلاً على البيروقراطية المحلية، وكذلك من خلال شبكتها الواسعة من المؤسسات الاجتماعية، وبالطبع كوادرها العسكرية وأفرادها في المجال الأمني الذي يبلغ عدد أفراده 20 ألف شخص مدربين تدريباً جيداً. كما أن الحركة قد وظّفت ما لا يقل عن 50 ألف شخص في القطاع العام منذ استحواذها عسكريّاً على الأراضي في حزيران/يونيو 2007. لكن في الوقت نفسه تبدو «حماس» مصممة على استغلال اتفاق المصالحة كوسيلة لإحياء تنظيمها السياسي ونشاطاتها الإرهابية السرية في الضفة الغربية. وقد صرح رئيس الوزراء المستقيل اسماعيل هنية هذا الأسبوع واصفاً الصيغة الجديدة على أفضل وجه، "إننا نترك الحكومة ولكننا ما زلنا في الحكم… نتخلى عن الكرسي إنما ليس عن الدور الذي نلعبه."

النقاش الداخلي

إنّ هذا التغيير في استراتيجية «حماس» - أي الانتقال من احتكار السلطة في غزة إلى إبرام اتفاقٍ يسمح للسلطة الفلسطينية ببسط بعض النفوذ هناك، ومن توجيه النقد اللاذع للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى التعاون الحذر معه - جاء نتيجة محاسبة ذاتية مؤلمة في صفوف قياديي الحركة. وقد نشأت هذه المساءلة الداخلية في أعقاب وقوع عدة انتكاسات في الآونة الأخيرة: وهي خسارة نظام «الإخوان المسلمين» الحليف في مصر المجاورة، ووقف عمليات تهريب الأسلحة عبر شبه جزيرة سيناء، وتراجع المساعدات المادية من إيران وقطر، واستياء سكان غزة المتزايد بسبب ارتفاع معدلات البطالة والمصاعب الاقتصادية والقمع المستمر.

وفي خضم هذه الظروف الحالكة، عقد قادة «حماس» عدة لقاءات في الأسابيع الأخيرة مع مسؤولين إيرانيين في طهران وقيادات من «حزب الله» في بيروت. وهناك، أُوعز إلى الممثلين عن الحركة باعتماد خطة أكثر طموحاً من مجرد الدفاع عن غزة، وتحديداً تحدي «فتح» ومنافستها في أراضيها في الضفة الغربية. وتم في هذا الإطار طرح النهج الذي يتبعه «حزب الله» في لبنان - والذي يمكن تلخيصه بعبارة واحدة هي "أضف الأصوات الانتخابية إلى سلاحك" - كنموذج يُحتذى به. وفي أعقاب ذلك، أشادت طهران باتفاق المصالحة المبدئي بين حركتي «حماس» و «فتح»؛ وفي 26 نيسان/أبريل، صرّحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن "جمهورية إيران الاسلامية ترحّب بتضامن الحركات الفلسطينية ضد النظام الصهيوني [في إسرائيل]، وكذلك بأي شكل من أشكال المصالحة الوطنية التي تؤدي إلى تحقيق الوحدة الفلسطينية." وما هذا التصريح سوى واحد من عدة دلائل على موافقة إيران المسبقة على الاتفاق.

استقلال عسكري

على غرار موقف «حزب الله» الراسخ في لبنان، تُوضِح التصريحات الصادرة عن العديد من قادة «حماس» أن الجناح العسكري للجماعة  - «كتائب عز الدين القسام» - لن يتخلى عن سلاحه ولن يخضع لإشراف السلطة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال وسوف يستمر في نموه كحركة "مقاومة" قوية. وينطبق الأمر نفسه على المخابرات والأجهزة الأمنية. وتماماً كما يملك «حزب الله» قوات مسلحة تتخطى بأشواط قوة الجيش اللبناني ومختلف المخابرات السرية، كذلك تنوي «حماس» توسيع وحداتها العسكرية المستقلة، التي هي بالفعل أكبر بكثير وأفضل تجهيزاً من "قوات الأمن الوطني" التابعة للسلطة الفلسطينية.

على سبيل المثال، ستواصل ورش التصنيع في غزة إنتاج صواريخ "إم-75" - القادرة على الوصول إلى تل أبيب والقدس -بالرغم من موافقة عباس سابقاً على مبدأ الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح. وليس لدى «حماس» أيضاً أي نية لتفكيك أجهزتها الاستخباراتية، التي ستسمح لها بالحفاظ على السيطرة الفعلية على قطاع غزة بنفس الطريقة التي تسيطر بموجبها قوات «حزب الله» على جنوب بيروت وجنوب لبنان ووادي البقاع. ومع أنه سيتم إدخال بعض الوحدات التابعة للسلطة الفلسطينية إلى غزة، سيقتصر دورها الرئيسي على تزويد المعابر الحدودية مع مصر وإسرائيل بالرجال؛ ومن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى تغيير الموقف بشكل عام على الأرض.

تغلغل سياسي

إذا اختارت «حماس» اتباع نهج «حزب الله»، فستسعى أيضاً إلى الاندماج في مؤسسات السلطة الفلسطينية في أسرع وقت ممكن على أمل السيطرة على البعض منها. وفي حين وافق حالياً قادة «حماس» على عدم تعيين أي وزراء لهم في الحكومة شبه التكنوقراطية التي أعيد تنظيمها برئاسة رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله، يبقى تركيز الحركة الحقيقي منصبّاً على الانتخابات التي وعد عباس بإجرائها بعد ستة أشهر، وعلى تشكيل "هيئة قيادية" في منظمة التحرير الفلسطينية التي تم الاتفاق عليها حديثاً وتضم شخصيات بارزة من «حماس» و «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» للمرة الأولى على الإطلاق.

وعلى غرار «حزب الله»، تطمح «حماس» إلى العمل كحزب سياسي. فهي تتوق إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية آملةً أن تضمن الحصول على أغلبية الأصوات، أو على الأقل أغلبيتها النسبية، وتشكل بالتالي الحكومة أو أن تصبح شريك في الائتلاف. لكن قادة «حماس» يشككون حالياً في قدرتهم على الفوز بالأغلبية في انتخابات الرئاسة أو "المجلس التشريعي"، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى انفراد عباس بتغيير قانون الانتخابات من جانب واحد بما يلائم مرشحي «فتح» وذلك بصورة أفضل من القانون السابق، الذي كان ساري المفعول عندما فازت «حماس» في الانتخابات التشريعية عام 2006. وفي الوقت نفسه أشار قادة الحركة إلى طموحهم باستلام الحقائب الوزارية الهامة - كما فعل «حزب الله» في لبنان - والتأثير على القرارات البرلمانية.

وفي الواقع أن اتفاق المصالحة سبق وأن عاد بمكاسب جمة على الحركة. إذ عملت السلطة الفلسطينية من وراء الكواليس على رفع الحظر عن أنشطة «حماس» السياسية في الضفة الغربية، الأمر الذي أتاح للحركة استئناف تجمعاتها العامة ولقاءات حملتها وتوزيع الكتب والمنشورات التابعة لها. بيد أن إحياء أنشطة «حماس» العلنية يؤثر على الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية: فبالرغم من الأوامر القاضية بإحباط الأنشطة الإرهابية، لم يعد الضباط المتوسطو المستوى ومرؤوسوهم يعلمون إذا ومتى يتدخلون في اجتماعات «حماس». على سبيل المثال، إن جلسات تلاوة القرآن الكريم برعاية «حماس» غالباً ما  كانت غطاءً لتجنيد الأفراد في خلايا إرهابية سرية.

هذا ويُلاحظ الظهور المتجدد للحركة في الضفة الغربية، في مخيمات اللاجئين الواقعة خارج المدن الرئيسية بشكل خاص. إذ نادراً ما تخاطر القوات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بدخول تلك المخيمات، مما يفسح المجال أمام الشبان المحليين بالانتظام ضمن ميليشيات مسلحة بأسلحة خفيفة وقادرة على تحدي السلطة الفلسطينية. ومن المؤكد أن «حماس» ستميل بصورة أكثر إلى الارتباط بتلك الحركات فتحثها على اعتناق عقيدتها وتمدّها بالتمويل اللازم وبأسلحة أفضل إذا أمكن.

منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل

يشكل تحقيق الهدف الطموح بالسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، "الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني" والكيان المسؤول عن التفاوض مع إسرائيل أهمية لـ «حماس» لا تقل عن تلك التي ذكرت أنفاً. وإذا أصبح زعيم «حماس» خالد مشعل يوماً ما خلفاً لعباس في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، سيتوجب عليه أن يقرر من بين أمور أخرى، ما إذا كان سيتراجع عن "اتفاقات أوسلو" أم لا.

وحتى الآن، لم يُشر كبار المسؤولين في «حماس» بصورة علنية إلى هذه المعضلة المحتملة، ويعود ذلك أساساً إلى أنه ما تزال هناك عقبات عديدة تقف أمام الجماعة للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ناهيك عن السيطرة عليها. وفي الوقت الراهن، يجدر بالذكر أن «حماس» لم تحتج بصوت عال جداً عندما أكّد عباس أن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة ستعترف بإسرائيل وتدعم حل الدولتين، على الرغم من إصرار الجماعة على أنه لم يتم الاتفاق على أي برنامج سياسي كجزء من اتفاق الوحدة.

الخاتمة

إن ظهور نهج «حزب الله» في السلطة الفلسطينية يشكل خطراً كبيراً على أي احتمال لاستئناف المفاوضات الجدية مع إسرائيل. فإذا بقي الجدول الزمني الحالي للانتخابات والعملية الانتقالية على ما هو عليه، لن يقتصر الوضع في هذا الوقت من العام القادم على امتلاك «حماس» لقوة عسكرية كاملة وأجندة إرهابية في غزة، بل سيكون لها كذلك نفوذٌ قوي في الضفة الغربية، كما سيكون لها على الأقل رأي في قرارات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية - إن لم يكن لها حق الفيتو على تلك القرارات. وفي تلك الحالة قد ينشأ نظامٌ جديد في الأراضي الفلسطينية حيث سيأخذ الحزب السياسي المدجج بالسلاح بالتفوق شيئاً فشيئاً على الحكومة المركزية ويبدأ في السيطرة على العديد من المؤسسات. من هنا يتعين على الدول الغربية التي تسارع إلى تأييد المصالحة بين «فتح» و «حماس» أن تدرك ما يحدث فعلياً على الأرض وهو: إعادة دخول «حماس» في الواقع إلى "المحافظات الشمالية" في الضفة الغربية عوضاً عن استعادة السلطة الفلسطينية "للمحافظات الجنوبية" التابعة لها في غزة.

 

إهود يعاري  هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن ومعلق لشؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي.