أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1484

تهريب «حماس» للأسلحة، تحدٍ يواجه مصر

و ماثيو ليفيت

متاح أيضاً في English

2 مارس 2009


سوف تتوجه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون هذا الأسبوع إلى مصر لحضور مؤتمر دولي حول إعادة إعمار قطاع غزة. وفي حين يأتي إعادة تأهيل غزة على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي، فإن تنفيذ أي برنامج لإعادة بنائها قد يكون سابقاً لأوانه. وفي الواقع، فإن وقف إطلاق النار الأحادي من جانب إسرائيل في منتصف شهر كانون الثاني/يناير الماضي قد يكون قصير الأجل، نظراً لاستمرار «حماس» في تهريب الأسلحة إلى غزة. وبالرغم من الإتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإسرائيل في 16 كانون الثاني/يناير لمكافحة التهريب، إلا أن مصر وإسرائيل لم تتوصلا بعد إلى تفاهم مماثل. إن استمرار عمليات تهريب الأسلحة من قبل «حماس» يضمن تقريباً استئناف الأعمال العدائية في غزة في نهاية الأمر.

الخلفية

كان قطاع غزة موطناً لمهربي الأسلحة منذ زمن بعيد، لكن فك الارتباط الأحادي من قبل إسرائيل وانسحابها من جانب واحد في عام 2005 خلق وضعاً ديناميكياً جديداً. ففي أعقاب استبدال الجنود الإسرائيليين على طول الحدود المصرية بقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، ازداد التهريب بشكل طفيف. [ولكن] بعد انهيار حكومة الوحدة الفلسطينية واستيلاء «حماس» على قطاع غزة في عام 2007، ازداد تهريب الأسلحة بشكل كبير - وفي حين كان يتم تهريب طن واحد تقريباً من الأسلحة سنوياً قبل فك الارتباط من جانب إسرائيل، يقارب هذا الرقم مائة طن سنوياً في ظل حكم حركة «حماس».

وقد أدت سيطرة «حماس» على الحدود بين قطاع غزة ومصر، إلى جانب عدم فعالية قوات حرس الحدود المصرية، إلى فتح الحدود أمام نشاط تهريبي على نطاق واسع. ونتيجة لذلك، عجّلت «حماس» من بناء قوتها العسكرية، مما أتاح للمنظمة الإرهابية أن تجهز قواتها بالأسلحة والعتاد على نحو أفضل. وبغض النظر عن الأسلحة الصغيرة، تقدر الاستخبارات الإسرائيلية بأنه تم نقل حوالي 250 طناً من المتفجرات و80 طناً من الأسمدة و4000 قذيفة صاروخية و1800 صاروخاً من مصر إلى غزة وذلك خلال الفترة بين أيلول/سبتمبر 2005 وكانون الأول/ديسمبر 2008. ووفقاً للأرقام الإسرائيلية، فإنه في الفترة بين حزيران/يونيو 2007 وكانون الأول/ديسمبر 2008، لم تقم «حماس» فقط بزيادة كمية ترسانتها في غزة، لكنها نجحت أيضاً في تطوير جودتها، حيث حسّنت من أداء العبوات الناسفة المرتجلة ووسعت مسافات [الإصابة] وقدرات حمولة رؤوس صواريخ "القسام" الحربية التابعة لها.

وقد تم صنع معظم الصواريخ قصيرة المدى التي أُطلقت من غزة قبل الصراع الأخير وأثناءه محلياً. ومع ذلك، [نجحت] «حماس» خلال العام الماضي في الحصول على مجموعة هائلة من الصواريخ المستوردة التي يبلغ قطرها 122 مم -- وهي صواريخ ذات مدى أطول تُعرف باسم "جراد" – تم جلب أجزائها المتفرقة عبر الأنفاق وأُعيد تجميعها في غزة. وتعمل صواريخ "جراد" هذه، التي هي عبارة عن نسخة إيرانية الصنع من صاروخ صيني التصميم، على زيادة قدرة «حماس» العسكرية في الوصول إلى العمق الإسرائيلي، مما يجعلها سلعة مطلوبة وتستحق الجهود والنفقات لتهريبها كل تلك المسافة من إيران.

مسارات التهريب

تشير التقييمات الإسرائيلية بأن مكاتب «حماس» في دمشق يقوم بإدارة شبكة تهريب الأسلحة، بمساعدة "فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني"، الذي يقوم بتزويد معظم الأسلحة. ويتم نقل الأسلحة براً إلى مصر، من خلال مجموعة متنوعة من المسارات عبر اليمن وإريتريا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، حيث تلتقي في النهاية في السودان، ومن هناك يتم نقلها إلى صحراء سيناء المصرية. وبعد دخول العتاد إلى سيناء، يتم نقله إلى قطاع غزة عبر أنفاق تحت "ممر فيلادلفيا"، [وهو شريط] حدودي يفصل بين قطاع غزة ومصر ويمر عبر مدينة رفح. أما نقل الأسلحة إلى غزة عبر البحر الأبيض المتوسط فهو أقل تواتراً، حيث يتم وضع الأسلحة في براميل مقاومة للمياه، مغمورة تحت سطح الماء ومربوطة بعوامات، ثم يستعيدها الصيادون في النهاية.

لماذا لم تنجح الجهود الأخيرة

بالرغم من التحسينات الأخيرة التي طرأت على جهود مكافحة التهريب في سيناء، تنفر مصر من الإعتراف بخطورة هذه القضية. فقد كان النهج الذي اتبعته مصر في مكافحة شبكة أنفاق التهريب الواسعة التابعة لحركة «حماس»، نهجاً مؤقتاً ومقصوراً بشكل عام على كشف فتحات الأنفاق والاستيلاء على ترسانات الأسلحة داخل شبه جزيرة سيناء. وفي معظم الحالات، وبعد كشف أحد الأنفاق، كانت القوات المصرية تقوم بوضع حارس عند فتحة النفق أو سد مدخله، بدلاً من اتخاذ خطوات لتدمير النفق بصورة تامة. وعلى هذا النحو، كان بوسع المهربين استخدام هذه الأنفاق مرة أخرى بعد مرور فترة زمنية قصيرة. وعندما كان يتم سد مدخل أحد الأنفاق، كان الحفّارون يقومون عادة بفتح نفق وصول جديد على مقربة من [النفق الذي تم غلقه]، وتوصيله بنفق قائم آخر أقرب إلى الحدود. وبالإضافة إلى ذلك، لا يوجد دليل على اتخاذ القوات المصرية خطوات للقبض على المهربين ومعاقبتهم. ونادراً ما يتم تفكيك هذه الحلقات؛ وفي ظل غياب عقوبات سجن مطولة، هناك القليل من الردع.

وعلاوة على ذلك، كان التعاون بين مصر وإسرائيل معدوماً تقريباً. ففي أواسط شباط/فبراير، على سبيل المثال، أعلنت مصر أنها لن ترسل وفداً إلى إسرائيل حسبما كان مقرراً في الأصل لمناقشة جهود مكافحة التهريب والتفاوض على وقف إطلاق النار. وعلى الرغم من أن إسرائيل تدرك بأنه يجري بذل جهود [في هذا السبيل] – –كان رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي يوفال ديسكين قد أخبر مجلس الوزراء الإسرائيلي في 15 شباط/فبراير، أن الإجراءات المصرية تكافح في الواقع عمليات تهريب الأسلحة – – يشير المسؤولون الإسرائيليون أن هذه الجهود "بطيئة" في أفضل الأحوال.

وأخيراً، قامت الولايات المتحدة بتزويد مصر بالعديد من الأجهزة التكنولوجية -- مثل أجهزة استشعار الزلازل-- لكشف الأنفاق، لكن القوات المصرية لا تزال بحاجة إلى التدريب لتحقيق الاستفادة الكاملة من هذه الأدوات.

الأشياء التي قد تحقق النجاح

يتحتم على مصر أن تُدرك أن تهريب الأسلحة هو ليس مجرد قضية إسرائيلية، بل أولوية أمنية مصرية أيضاً. وفي 3 كانون الأول/ديسمبر 2008، ذكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان المصري أن مصر لن تسمح بقيام دولة إسلامية على حدودها الشمالية. ومع ذلك، إذا استمر تهريب الأسلحة، قد تصبح تلك النتيجة أكثر احتمالاً. وعلى هذا النحو، تحتاج مصر إلى اعتماد نهجاً مستداماً وفعالاً فيما يتعلق بجهودها لمكافحة حركة [نقل] الأسلحة من السودان إلى شبه جزيرة سيناء، فضلاً عن الأنفاق ذاتها. وفي هذا الإطار، ينبغي على مصر أولاً أن تغلق الأنفاق نهائياً بدلاً من تأمينها بشكل مؤقت. وفي الوقت نفسه، يتعين على قوات الأمن المصرية اعتقال المهربين واستهداف شبكاتهم وفرض عقوبات أكثر صرامة على هذه الأنشطة غير القانونية. وأخيراً، ينبغي على مصر أن تعلن عن هذه الجهود بصورة أفضل من أجل خلق تأثير رادع.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي بدء تعاون ثنائي أكثر فعالية بين إسرائيل ومصر، تحت إشراف ومشاركة أمريكية نشطة. كما أن المناقشات بين الأطراف الثلاثة من شأنها أن تقطع شوطاً كبيراً نحو زيادة التنسيق وجهود مكافحة التهديد [الذي يمثله قيام دولة إسلامية في غزة]. وفي هذا الصدد، تستطيع الولايات المتحدة أن تلعب دوراً هاماً بصفتها مراقباً، حيث يمكنها إصدار تقارير دورية عن مدى فعالية الإجراءات المصرية والإسرائيلية. ولعل الأهم من ذلك، ينبغي على الأجهزة الاستخباراتية في البلدان الثلاثة أن توحد جهودها وتتبادل المعلومات من أجل النجاح في مكافحة شبكة تهريب الأسلحة التي تملكها «حماس».

خاتمة

إن وقف تدفق الأسلحة إلى قطاع غزة من شأنه أن يعزز الاستقرار الإقليمي. ويتم توفير معظم هذه الأسلحة من قبل إيران، وخصوصاً "فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني"، مما يزيد من نفوذ إيران الإقليمي ويهدد في الوقت نفسه وضع «فتح» في السياسة الفلسطينية. إن التعامل بفعالية مع هذه النظم المتعلقة بالأنفاق يمكن أن يقلص النفوذ الإيراني. وعلى العكس من ذلك، إذا بقيت غزة قاعدة للإرهاب – وملاذاً آمناً للمتطرفين والجهاديين العالميين – من المؤكد [أن يؤدي ذلك] إلى زيادة عدم الاستقرار في المنطقة واشتداد معاناة الفلسطينيين.

يورام كوهين و ماثيو ليفيت

يورام كوهين هو زميل زائر حالياً في معهد واشنطن. وقد تولى في السابق العديد من المناصب في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، وعمل حتى وقت قريب كنائب مدير تلك المؤسسة. ماثيو ليفيت هو مدير "برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات" بمعهد واشنطن.