أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1737

اقتصاد غزة: كيف تبقى «حماس» في السلطة

إيهود يعاري و

متاح أيضاً في English

6 يناير 2011


 

منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في آب/أغسطس 2005، تطورت «حماس» من حركة صغيرة نسبياً إلى تكتل يحظى بتمويل جيد. وبدلاً من أن تؤدي العقوبات والحصار إلى شلِّها، وجدت المنظمة طرقاً للتغلب على الصعوبات المبكرة -- مثل تأخير متكرر في دفع الرواتب -- وإقامة نظام حوكمة فعال، وتشديد قبضتها على إقطاعيتها. ونتيجة لذلك، تمكنت «حماس» من تمكين المخلصين لها وفي الوقت نفسه ترك عبء المسؤولية الرئيسي عن سكان غزة البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة إلى آخرين. ولسوء الحظ، فإن كلاً من السلطة الفلسطينية في رام الله والجهات المانحة الدولية قد تسامحوا مع هذا الوضع مما ساهم على نحو فعال -- وإن كان بصورة غير مباشرة -- في خزائن «حماس».

اقتصاد «حماس»

من الصعب الحصول على بيانات موثوقة حول التمويلات التي يحصل عليها قطاع غزة. فـ «حماس» تتكتم الأمر، بينما يصدر "جيش الدفاع الإسرائيلي" القليل من المعلومات، كما تقوم الوكالات الدولية مثل "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" بجمع غزة والصفة الغربية سوية عند تقديم الإحصائيات. إن الكثير من المعلومات الواردة في هذه المقالة مستقاة من تقارير إخبارية فلسطينية، ومقابلات مع مصادر مطلعة في غزة، ووفقاً لذلك ينبغي التعامل مع معظم الأرقام أدناه على أنها تقديرات تقريبية.

لقد قدر "صندوق النقد الدولي" بأن نمو "الناتج المحلي الإجمالي" لقطاع غزة في عام 2009 كان 12 بالمائة، وهو رقم مثير للإعجاب. وطبقاً لتقرير "الصندوق" من أيلول/سبتمبر 2010 كان "الناتج المحلي الإجمالي" لغزة والضفة الغربية مجتمعة 7 مليارات دولار بينما كانت الفجوة في الدخل الفردي بين المنطقتين 48 بالمائة؛ وتعني هذه البيانات بالإضافة إلى إحصائيات أخرى ذات صلة بأن "الناتج المحلي الإجمالي" لكل فرد في غزة كان حوالي 1400 دولار، يأتي الكثير منها من مدفوعات السلطة الفلسطينية. وقد أضافت التحويلات والحوالات 50 بالمائة كدخل إضافي مما يعني أن متوسط إجمالي الدخل الفردي كان في الحقيقة 2100 دولار. بيد، أن الكثير من هذا الدخل لا يمثل أنشطة اقتصادية إنتاجية، حيث ما تزال البطالة مرتفعة -- ربما تصل إلى ثلث القوة العاملة تقريباً.

غير أنه يجب على المرء أن يأخذ في الإعتبار أيضاً التجارة الكبيرة التي تتم عبر أكثر من 800 نفق إلى داخل مصر. وبناءاً على أدلة متفرقة من المرجح أن تكون هذه التجارة قد بلغت ذروتها بمبالغ تقرب من 600 إلى 850 مليون دولار سنوياً. وقد توجه بالفعل الكثير من الاهتمام إلى البضائع المهربة إلى غزة مثل الوقود والأسمنت. وثمة حقيقة لم تنل ما تستحقه من الفهم وهي أنه مقابل هذه البضائع تم تصدير الأموال النقدية بصورة ثابتة عبر الأنفاق إلى خارج غزة، بمعدل حوالي 750 مليون دولار سنوياً. ويتدفق النقد أيضاً إلى خارج غزة -- من خلال الأنفاق وتحويلات البنوك -- إلى ملاذات آمنة في دول الخليج العربي وأوروبا. ويقلق أعضاء الطبقة الثرية الجديدة -- الكثير منهم مرتبطون بـ «حماس» -- وكذلك أصحاب رؤوس الأموال البارزون، من إبقاء أموالهم داخل غزة مفضلين نقلها إلى الخارج. وحتى مع وجود مبالغ ضخمة تتدفق إلى خارج أراضي غزة، ما تزال هناك أموال نقدية أكثر من الفرص القائمة لاستثمارها. ففي شباط/فبراير 2009 على سبيل المثال، توجهت بنوك غزة بالفعل إلى "البنك المركزي لإسرائيل" بطلب غريب وهو: إيداع احتياطيات نقدية فائضة في إسرائيل.

فمن أين تأتي كل هذه الأموال النقدية؟ يفترض الكثيرون أن المبالغ الكبيرة كانت تدخل غزة عبر الأنفاق منذ عام 2008 لكن هذا يمكن فقط تأكيده بشكل جزئي. وبدلاً من ذلك، يبدو أن تدفق النقد يأتي عن طريق البنوك بصورة رئيسية. وووفقاً لمسؤولي بنوك فلسطينيين كان يتم تحويل ما معدله 2 مليار دولار سنوياً إلى قطاع غزة عن طريق النظام المصرفي الفلسطيني منذ استيلاء «حماس» عسكرياً على السلطة في حزيران/يونيو 2007. وترسل السلطة الفلسطينية وحدها ألكترونياً ما يقدر بــ 1.2 مليار دولار سنوياً إلى بنوك غزة، الكثير منها في شكل معاشات ورواتب لــ 77000 موظف باقين على قائمة الرواتب رغم أنهم لا يعملون. وفي الحقيقة، قد يكون هذا التقدير متحفظاً، فوفقاً لرئيس وزراء السلطة لفلسطينية سلام فياض ذهبت 54 بالمائة من ميزانية السلطة الفلسطينية لعام 2010 وقدرها 3.17 مليار دولار إلى غزة. ويبدو أن الكثير من هذا الرقم هو رواتب على الرغم من أنه يغطي أيضاً ما تدفعه السلطة الفلسطينية مباشرة ثمن الحصول على الكهرباء والوقود والمياه التي تزودها الشركات الإسرائيلية إلى قطاع غزة.

وبالإضافة إلى ذلك تحوّل "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونرا) التابعة للأمم المتحدة ما يقرب من 200 مليون دولار نقداً إلى قطاع غزة إلى جانب 250 مليون دولار من البضائع والحبوب والوقود كل عام. ويتم تحويل النقد أيضاً إلى غزة من قبل 160 منظمة غير حكومية تعمل هناك، ومن خلال منظمات دولية مثل "البنك الدولي"، ومن قبل منظمات إعانة تابعة لحكومات أجنبية، رغم أن الكثير مما تنفقه هذه المؤسسات يصل بشكل بضائع يتم شحنها عن طريق إسرائيل.

موارد «حماس»

يرفض مسؤولو «حماس» باستمرار كشف تفاصيل الميزانية أو أية معلومات أخرى حول مصادر دخلهم. وقد زعم أحد المسؤولين في الحركة وهو جمال ناصر أن الجماعة تستخلص فقط 60 مليون دولار سنوياً من الضرائب والرسوم بينما يأتي الباقي من الهبات والمساعدات الخارجية. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا هو ما عليه الحال في الواقع. فوفقاً للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يصل مجموع الإعانات الإيرانية لـ «حماس» إلى ما يقرب من 100 مليون دولار سنوياً أو أقل من 20 بالمائة من الميزانية التي تعلن عنها الجماعة، والتي ذُكر أنها كانت 540 مليون دولار في عام 2010. ويتم توجيه معظم الأموال الإيرانية إلى "المكتب السياسي لحركة «حماس»" في دمشق بصورة أساسية عن ثمن مشتريات الأسلحة والشحنات، عوضاً عن إرسالها إلى غزة. وقد أعطى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تقديراً أعلى من ذلك بكثير مدعياً أن المعونة الإيرانية هي ما يقرب من 250 إلى 500 مليون دولار، لكن هناك أدلة قليلة تدعم رقمه هذا.

ويرجح أن «حماس» تجمع ما يصل إلى 250 مليون دولار سنوياً عن طريق الضرائب. فقد فرضت الجماعة مختلف أنواع الرسوم والضرائب الجديدة مثل دفع ثلاثة شيكلات إسرائيلية جديدة على كل علبة سجائر (مما قد تجمع ما يقرب من 80 مليون دولار سنوياً) و 1400 شيكل إسرائيلي جديد على تسجيل كل سيارة (مما قد يجمع حوالي 25 مليون دولار إضافية بناءاً على تقديرات وجود 60,000 سيارة مسجلة في غزة). وتنظم «حماس» أيضاً العديد من أنواع الأعمال التجارية -- بدءاً من الباعة المتجولين وانتهاءاً بعشرين شركة صرافة في غزة -- حيث تتطلب منهم هذه الأعمال دفع رسوم ترخيص. وبالإضافة إلى ذلك، يتم جمع الضرائب على السلع "الفاخرة" التي تأتي من إسرائيل، بل وحتى على الدراجات النارية والعربات الصغيرة.

كما تقتطع «حماس» حصة ضخمة من تجارة الأنفاق المصرية بفرضها ضرائب ورسوم يومية "جمركية" عالية على مقاولي الأنفاق المحليين. وقد انخفضت تلك التجارة بشكل مفاجئ منذ حزيران/يونيو 2010 عندما ضاعفت إسرائيل أربع مرات عدد الشاحنات المسموح لها بجلب البضائع إلى غزة من خلال المعابر القانونية. ولاستبدال دخل الأنفاق المفقود يقال إن «حماس» تستغل الهبوط النسبي في أسعار البضائع التي تأتي عبر القنوات الإسرائيلية الرسمية بفرضها ضرائب جديدة على مواد متنوعة. فعلى سبيل المثال من أوائل تموز/يوليو إلى 20 أيلول/ سبتمبر 2010، منعت الجماعة استيراد سيارات جديدة من إسرائيل حتى يتم حل المشاكل المتعلقة بالضرائب.

كما تستغل «حماس» أيضاً سيطرتها على مختلف الموارد في غزة مثل تأجير المعدات الثقيلة المملوكة للحكومة لمقاولين في القطاع الخاص مقابل رسوم يومية. وهذه إحدى طرق عديدة كانت الجماعة فيها قادرة على الاستفادة بصورة غير مباشرة من أموال إعادة الإعمار الدولية المتدفقة إلى غزة.

نفقات «حماس»

في عام 2005 كانت «حماس» عبارة عن منظمة متوسطة الحجم مكونة من من أفراد عسكريين قوامهم 4000 إلى 7000 فرد مع شبكة صغيرة من الأعمال الخيرية والتعليم، وبيروقراطية حزبية هيكلية. ومع ذلك، ففي الفترة من عام 2006 حتى عام 2010 يُقال أن الأموال التي كانت تحت تصرف الجماعة قد نمت من 40 مليون دولار إلى 540 مليون دولار. وفي الوقت نفسه اكتسبت «حماس» سيطرة كاملة على جميع وزارات الحكومة والمجالس البلدية في غزة، فضلاً عن العديد من الوكالات المدنية. كما تحتكر الحركة أيضاً السلطة على جميع هيئات الأمن والاستخبارات في القطاع مثل الشرطة الفلسطينية "الزرقاء" التي قوامها 10000 فرد. وإجمالاً تدفع «حماس» رواتب إلى ما لا يقل عن 35000 موظف من بينهم العديد من الأفراد المسلحين الذين يزيد عددهم عن 20000 فرد. وبالنظر إلى قائمة الأجور الواضحة هذه، ومتوسط راتب شهري يقدر بنحو 1500 شيكل إسرائيلي جديد (425 دولار)، ربما تنفق الجماعة -- وفقاً لرئيس الوزراء إسماعيل هنية -- ما يصل إلى نحو 300 مليون دولار سنوياً على الرواتب، وهو مبلغ أكبر من جميع رواتب السلطة الفلسطينية. وتزعم «حماس» أيضاً أنها تخصص 30 مليون دولار سنوياً لأنشطتها في الضفة الغربية بدون الإفصاح عن الطرق التي تصل بها الأموال إلى هناك.

وللمساعدة على كبح التمويل غير القانوني، صنفت الولايات المتحدة "البنك الوطني الإسلامي" و"بنك البريد في غزة" التابعين لحركة «حماس» كـ "كيانين إرهابيين" لكن ليس من الواضح إلى أي مدى قد أثر هذا الإجراء على عملياتهما. فكلا المصرفين يواصلان القيام بأعمالهما التجارية بالشيكل الإسرائيلي الجديد، ويبدو أنهما قد طورا طرقاً للعمل مع شركات صرافة يستخدمها أفراد يتلقون رواتبهم بالدولارات الأمريكية. بل لدى "البنك الوطني الإسلامي" سيولة كافية في الوقت الراهن لتقديم قروض عقارية. وتُظهر هذه الحيلة نجاح «حماس» الكبير في التغلب على نظام الحصار والمقاطعة والحرمان من الاعتراف والمساعدة المفروض من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومعظم البلدان العربية (خاصة مصر) والغرب. وبالإضافة إلى إنفاقها المباشر كانت «حماس» قادرة على الاستفادة من الموارد المالية المحولة من قبل السلطة الفلسطينية ووكالات الإعانة ضامنة بذلك الدفع للمناصرين الذين حلوا محل الموالين لحركة «فتح» في الوظائف الحكومية. هذا وإن القوائم التي تستخدمها الجهات المانحة لكشف الإرهابيين تشمل عدد قليل جداً من نشطاء «حماس»؛ وحتى لو تمت معالجة هذه المشكلة إلا أن فحص موظفي السلطة الفلسطينية يتم إجراؤه في الغالب من قبل متعاطفين مع حركة «حماس». وإجمالاً فإن الآلاف من أعضاء «حماس» من بينهم الكثير من الأفراد العسكريين ذوي الوظائف المدنية الوهمية يتم الدفع لهم عن طريق جهات مانحة خارجية.

وقد تحولت الحركة مؤخراً أيضاً إلى شراء جميع أنواع الشركات التجارية والشروع في مشاريع جديدة مثل "البنك الإسلامي" وشركة "الملتزم" للتأمين ومشاريع سكنية وفنادق ومركز تسوق ومنتجعات ومساحات زراعية ومزارع سمكية. وفي الحقيقة فإن إمبراطورية «حماس» الاقتصادية المصغرة تتحول بسرعة إلى لاعب رئيسي في القطاع الخاص في غزة. وغالباً ما تقوم الجماعة بإجبار الشركات على إغلاق أعمالها للقضاء على المنافسة. كما أنها تجبر أيضاً الملَّاك على بيع مواد بأسعار رخيصة أو "التبرع" لـ «حماس» إما نقداً أو عيناً (على سبيل المثال مواد البناء). وفي كثير من الأحيان يتم تسجيل شركات «حماس» التجارية تحت أسماء ملاك أو أفراد وهميين من كوادر «حماس». كما استولت الجماعة أيضاً على كل الأراضي التابعة للمستوطنة الإسرائيلية السابقة "غوش قطيف" إلى جانب أجزاء من واجهة الشاطئ في غزة.

الخاتمة

بعد وقت قصير من فوز «حماس» في انتخابات عام 2006 في غزة، واجهت الحركة مصاعب مالية هائلة مما قاد بها إلى تهريب ملايين الدولارات نقداً عن طريق مصر. ومع ذلك، تمكنت اليوم «حماس» من تطوير مصادر محلية تُدر دخلاً متنامياً بصورة ثابتة، باستغلالها أساساً مبالغ الإعانات الضخمة المحولة من قبل السلطة الفلسطينية والجهات المانحة الدولية لإعالة عامة السكان. وليست هناك آلية فعالة قيد العمل لمنع الجماعة من استغلال تدفق النقد المستمر إلى غزة، ونتيجة لذلك فإن جزءاً كبيراً من الأموال المخصصة للمساعدة في التخفيف من معاناة سكان المنطقة قد ذهبت سدى. هناك حاجة إلى اتخاذ المزيد من التدابير الصارمة للحد من قدرة «حماس» على انتزاع مثل هذا التمويل لأغراضها الخاصة.

 

إهود يعاري هو باحث في معهد واشنطن وزميل ليفر الدولي ومقره إسرائيل. إيال عوفر هو باحث متخصص في الاقتصاد الفلسطيني.