أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3042

تأجّج الغضب في غزّة (الجزء الأول): التداعيات السياسية الإسرائيلية

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English فارسی

١٦ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٨


"هذا المرصد السياسي هو الأول في سلسلة من جزئين حول آخر الأعمال العدائية بين إسرائيل و «حماس». وسوف يناقش الجزء الثاني وضع محادثات وقف إطلاق النار بوساطة مصرية".

 

في وقت سابق من الأسبوع المنصرم، تسببت غارة شنّتها [وحدة] إسرائيلية من القوات الخاصة ضد أهداف تابعة لـ «حماس» في غزة في إثارة أعنف قتال بين الطرفَين منذ حرب 2014. وفي أعقاب تلك المداهمة، فضّل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و"جيش الدفاع الإسرائيلي" إعادة الالتزام بوقف إطلاق النار في القطاع - وهو موقف أثار وابلاً من التطورات السياسية المحلّية. وحيث اعتبر وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان أن هذه السياسة متساهلة للغاية، استقال من منصبه احتجاجاً عليها، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى الإحتماع مع وزير التربية نفتالي بينيت في محاولة للحفاظ على الأغلبية البسيطة لائتلافهما في الكنيست (61 مقعداً مقابل 59). غير أنهما لم ينجحا في التوصل إلى اتفاق، مما يجعل من المحتمل أن يضطر نتنياهو إلى حل حكومته والتحرّك لإجراء إنتخابات مبكرة. ورغم أنه لم يتم الإعلان بعد عن موعد الانتخابات الجديد، إلا أنه من المفترض أن يكون في الأشهر القادمة، مما يمهّد الطريق أمام قيام مناقشات مثيرة للجدل حول الحسابات الأمنيّة الراهنة للبلاد.

لماذا يدافع نتنياهو و"الجيش الإسرائيلي" عن وقف إطلاق النار

تشير استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد اندلاع الغضب في غزّة إلى أن 74 في المائة من الإسرائيليين غير راضين عن طريقة تعاطي نتنياهو مع الأزمة. ومع ذلك، لا يزال رئيس الوزراء و"جيش الدفاع الاسرائيلي" يفضّلان الحفاظ على تسويات وقف إطلاق النار التي تتوسّطها مصر منذ أشهر. ويعود سبب موقفهما إلى أمريْن.

أوّلاً، يرى العديد من كبار مسؤولي الأمن الإسرائيليين أن غزّة مدعاة لصرف الانتباه عن التحدي العسكري الأساسي الذي تواجهه إسرائيل: أي ردع إيران عن ترسيخ بنية تحتية عسكرية على غرار «حزب الله» في سوريا. واتّضحت جدّية هذه الأولوية في وقتٍ سابق من هذا العام عندما كسرت إسرائيل حاجز الهجوم على الأصول العسكرية الإيرانية بشكل مباشر، وشمل ذلك عملية قامت بها في 10 أيار/مايو، والتي تمّ فيها ضرب سبعين هدفاً من هذه الموارد داخل سوريا.

ثانياً، يتساءل بعض المسؤولين عما إذا كانت العمليات العسكرية الإضافية في غزة ستحقق أي مكاسب تستحق العناء. فقبل وقت قصير من اندلاع القتال الأسبوع الماضي، صرح نتنياهو أن إسرائيل لا تسعى إلى شنّ "حرب غير ضرورية" في غزة، وهي لهجة لا يستخدمها عادة بصورة علنية. وفي غضون ذلك، دعمت حكومته جهود كل من مبعوث الأمم المتحدة ومصر وقطر لزيادة عمليات إمداد الوقود إلى غزة، والتي يمكن أن تساعد في مضاعفة إمدادات الكهرباء اليومية في القطاع وتحسين قدرته في مجال الصرف الصحي والنفايات.

وفي المقابل، كان يُتوقَّع أن تعمل «حماس» على كبح جماح المظاهرات قرب الحاجز الأمني في غزة، والتي طالما تصاعدت إلى هجمات جماعية مسببة وقوع حرائق في الحقول الزراعية الإسرائيلية بالقرب من الحدود. وأوضح قادة الحركة أن حرباً أخرى لن تساعدهم نظراً إلى الميزة العسكرية الشاملة التي تتمتّع بها إسرائيل؛ فبنظرهم، تشكّل الضربات الانتقامية وسيلة أفضل لتسيير الأمور لصالحهم، على الأقل في المدى القريب.

ومع ذلك، فإن الإجماع على تجنب الحرب وتحسين البنية التحتية يمكن أن يُخفي اختلافاً تحليلياً أساسيّاً بين نتنياهو و"جيش الدفاع الإسرائيلي": أي ما إذا كان ينبغي المضي قدماً في إحداث تحوّل اقتصادي كبير في غزة. ويُبدي نتنياهو تحفّظاً أكبر من قادة الجيش حول هذه النقطة، حيث يقول المنتقدون إنه يفضّل الوضع الراهن من أجل إبقاء الكيان السياسي الفلسطيني ضعيفاً ومنقسماً بين غزة والضفة الغربية. ويعتقد آخرون أنه يرزح تحت وطأة الضغط المحلي النابع من عائلات الجنود الإسرائيليين القتلى، الذين ما زالت «حماس» تحتفظ ببقايا جثثهم كورقة مساومة لإطلاق سراح سجناء فلسطينيين في المستقبل. وتطالب هذه العائلات والفصائل السياسية المرتبطة بها بأن تعارض إسرائيل إدخال تحسينات كبيرة في غزة إلى أن يتم إعادة رفات أعزائها [الذين سقطوا في مواجهات سابقة مع «حماس»]، وسط أمل لا أساس له بأن ذلك يمكن تحقيقه نوعاً ما دون إطلاق سراح عددٍ كبير من عملاء «حماس».

غير أن الجدل الدائر في إسرائيل حول ما إذا كان ينبغي تسهيل المساعدة الاقتصادية إلى غزة قد يشكل نقطة اختلاف إذا استمرّ رئيس "السلطة الوطنية الفلسطينية" محمود عبّاس في معارضة مثل هذه الإجراءات. فالرأي السائد هو أن الاستثمار الواسع في هذه الأراضي يتطلّب من "السلطة الفلسطينية" المدعومة دوليّاً المطالبة باستعادة السلطة المحلية من «حماس» التي تعتبرها العديد من الحكومات جماعة إرهابية. وبدلاً من ذلك، رفض عبّاس أي عودة من هذا القبيل وحاول إعاقة عدة منافع إقتصادية، بما فيها عمليات إمداد الوقود المذكورة أعلاه. وستتم مناقشة الأسباب التي تدفعه إلى القيام بذلك باستفاضة في الجزء الثاني من هذا "المرصد السياسي" - وأياً كان هدفه، فإن النتيجة العملية هي أن الاشتباك الإسرائيلي مع غزة سيبقى تدرّجياً في الوقت الراهن.

ويجادل البعض بأن على إسرائيل أن تتجاهل "السلطة الفلسطينية" وعليها أن تتوصّل إلى وقف إطلاق نار طويل المدى مع «حماس»، إلّا أن هذه المقاربة قد تثير مصاعب خاصة بها. فالعديد من المراقبين قد يتهموا إسرائيل على الأرجح بالتسبب عمداً بتقسيم الشعب الفلسطيني. فضلاً عن ذلك، قد تؤدي مثل هذه الخطوة إلى تقويض "السلطة الفلسطينية" (كيان يدعم الاعتراف بدولة إسرائيل) وتقوية «حماس» (حركة قد تَستخدم وقف إطلاق النار كفرصة لإعادة تسلحها).

مناورات سياسية

على الرغم من الجدل المحتدم في إسرائيل حول إعادة تطبيق وقف إطلاق النار، نجح نتنياهو في تجنب قيام تصويت فعلي في مجلس الوزراء حول هذه المسألة. وسمع الوزراء الكثير من مسؤولي الأمن الإسرائيليين يتحدثون عن أهمية وقف إطلاق النار، ومن غير الواضح ما إذا كان النقاد قد طرحوا أي اقتراحات بديلة تعالج تكاليف القتال الذي يطال الجميع في غزة، ناهيك عن تداعيات استعادة السيطرة الأمنية على الأراضي التي انسحبت منها إسرائيل عام 2005. ومع ذلك، فإن اثنين من أبرز المنتقدين، ليبرمان وبينيت، يخوضان معركة لخلافة نتنياهو، لذا يسعيان إلى تعزيز جناحٍ يميني يقوم على معارضة متصوّرة لنهج وقف إطلاق النار.

ومن جهته، يدرك نتنياهو على الأرجح أن معظم الناخبين لا يرغبون في خوض حرب أخرى في غزة. صحيح أن العديد من فئات جمهور حزبه "الليكود" يعيشون في جنوب إسرائيل، حيث سقط الوابل الأخير من صواريخ «حماس»، لكن يبدو أنه يعتقد أنهم سيعارضون أي تصعيد إضافي إذا ما تم تذكيرهم بالتكاليف المرتفعة التي سيتكبدونها في الأرواح والممتلكات. كما أنه يعي جيّداً أنه تمت إطاحة سلفَيه إيهود باراك وإيهود أولمرت من منصبيْهما في أعقاب اندلاع أعمال عنف كبرى (أي الانتفاضة الثانية في الفترة 2000-2001 وحرب لبنان في عام 2006).

ولم تُعرَف بعد التداعيات السياسية الكاملة لتطورات الأسبوع المنصرم، رغم أن الانتخابات تبدو وشيكة بالنظر إلى عدم رغبة نتنياهو في تلبية مطلب بينيت بحقيبة الدفاع. بالإضافة إلى ذلك، يضغط وزير المالية موشيه كحلون من أجل إجراء انتخابات مبكّرة لأنه يعتقد أن رئيس الوزراء مدين جدّاً بالفضل إلى فصائل المتدينين المتشددين واليمين المتطرف، لذا قد يسعى حزب كحلون اليميني الوسطي "كولانو" وأعضاؤه العشرة في الكنيست إلى بذل جهدٍ أقوى إذا انضموا إلى تحالف آخر لنتنياهو. وأياً كان الحال، فإن تقريب الجدول الزمني سيأتي بمنافع واضحة لنتنياهو. فعلى الرغم من التقييمات غير المؤاتية [لأدائه] بسبب أزمة غزة، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة وضعته متقدماً على المرشحين الآخرين، وقد يُحرِز انتصاراً قبل مواجهة لوائح الاتهام المحتملة الناشئة عن عمليات التحقيق المتعددة التي تقوم بها الشرطة الإسرائيلية. وفي الواقع، قد يعتبر الفوز كتفويض عام لمعارضة ناشطة لهذه التحقيقات أثناء توليه المنصب لفترة ولاية أخرى.

البُعد الأمريكي

إن الانتخابات المبكرة في إسرائيل تخدم أيضاً مصالح إدارة ترامب. فالتأخير الجاري في تقديم خطة سلام أمريكية جديدة دفع البعض إلى التكهن بأن واشنطن تُجنّب نتنياهو التعاطي مع هذه المسألة خلال الحملة الانتخابية - حيث سيكون متحيّراً بين الحفاظ على علاقته الوثيقة بالبيت الأبيض ومعالجة اعتراضات الجناح اليميني [بين الأحزاب الإسرائيلية] على بعض أحكام الخطة. فمن خلال الانتظار إلى ما بعد إجراء انتخابات مبكّرة، قد يأمل المسؤولون الأمريكيون أن تضمّ حكومة نتنياهو القادمة أحزاباً وسطية أكثر تقبّلاً لأفكار الرئيس ترامب. (يتمثل الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية بعرض خطتها [للسلام] خلال الشهرين القادمين، لكن الكثير من المتتبعين للموضوع يشككون في هذا الادعاء بسبب التأخيرات الماضية).

ويقيناً، إن الهوة التي تفصل بين آراء نتنياهو وعباس تجعل من غير المرجح أن تنجح خطة السلام الأمريكية على أي حال. إلا أن الانتخابات المبكرة قد تؤثّر على الأقل في الخريطة السياسية الإسرائيلية على الهامش. كما توفّر توقيتاً أفضل لإدارة ترامب من الجدول الزمني الأصلي في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، عندما [يبدأ] موسم الحملة الرئاسية في الولايات المتحدة والذي من شأنه أن يجعل دفع عجلة السلام أكثر صعوبة من الناحية السياسية. وبالطبع، وكما أثبتت التطورات في الأسبوع الماضي، فإن العمليات على أرض الواقع قد تزعزع أفضل الخطط الموضوعة. إن استمرارية وقف إطلاق النار ستكشف للمسؤولين الأمريكيين كل ما يريدون معرفته حول احتمالات إحراز تقدّم في مبادرات السلام الجوهرية في الأشهر المقبلة.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز في معهد واشنطن، وساعد في إنشاء أداة رسم الخرائط التفاعلية "المستوطنات والحلول: هل فات الأوان لحل الدولتين؟"