أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

غزة: تداعيات الإعتراض على 'أسطول الحرية'

متاح أيضاً في English

إينفوسفير أي. بي.

31 أيار/مايو 2010


في صباح يوم الإثنين، 31 أيار/مايو، وصلت القافلة الأخيرة التي نظمتها حركة "غزة الحرة" إلى نهاية عنيفة. ومع سقوط عشرات القتلى والجرحى في أعقاب قيام وحدة كوماندو تابعة للبحرية الإسرائيلية بالإستيلاء على أكبر سفينة في القافلة، سيستمر الشعور بتداعيات هذا الحدث القاتل على عدة مستويات في الأشهر القليلة المقبلة.

وبالنسبة لإسرائيل، من الصعب المبالغة بالأضرار التي سببتها العملية الفاشلة لتلك البلاد، كما لا يمكن إغفالها. وعلى كل حال -- وبغض النظر عما إذا كان قد تم التحريض لأعمال العنف من قبل بعض أفراد الطاقم أو الناشطين (والذي تبين بشكل واضح بأنه هكذا كانت الأمور)، يَعتبر العالم بأن ما حدث هو استخدام مفرط للقوة. أما تركيا -- التي كانت حكومتها الإسلامية قد دعمت قافلة السفن ويسرت أمورها -- فإنها استدعت سفيرها في إسرائيل، كما تنهمر الإدانة العالمية لإسرائيل من كل جانب.

ويبدو من الواضح أنه لم يتم التفكير بالعملية بشكل صحيح، على الرغم من أن لدى جيش الدفاع الإسرائيلي دلائل تشير إلى أن المنظمين كانوا يهدفون بوضوح إلى السير هذه المرة في خط المواجهة. وكان الإفتراض الأساسي لجيش الدفاع الإسرائيلي بأن الناشطين كانوا يريدون الدخول في اشتباك، وربما حتى سفك القليل من الدماء، لأنه سيتم نقل وبث مجرى الحوادث في وسائل الإعلام. ومع ذلك، فمن الواضح بأن أفراد من كوماندو البحرية الإسرائيلية (قوات النخبة من وحدة "كوماندو 13" التابعة للبحرية) الذين تم تكليفهم بالإستيلاء على السفن ومرافقتها إلى ميناء أشدود، لم يكونوا مستعدين لأعمال العنف التي واجهوها عند صعودهم على متن السفن. فقد قيل لأفراد تلك القوات بأنهم سيواجهون [بعض] المقاومة، لكنها ستكون على الأرجح من النوع اللاعنفي السلبي بدلاً من النوع القاتل الذي واجهوه بالفعل. وتم تزويد القوات ببنادق تطلق كرات طلاء غير فتاكة (تستخدم لمكافحة الشغب) ومسدسات كان عليهم استخدامها فقط في حالات غير متوقعة تهدد حياتهم. ولكن قيام الناشطين باستخدام الهراوات، والسكاكين، والمقاليع، وفي النهاية البنادق (وفقاً لمصادر البحرية الإسرائيلية)، من الواضح أنهم كانوا يتوقعون الدخول في اشتباك مع أفراد البحرية.

ولكن اضطرار ["كوماندو 13"] إلى استخدام العنف الذي أدى إلى مقتل [عدد من أفراد "أسطول الحرية"] في عملية كان هدفها أن تُنفذ بأقل عنف ممكن، وضد قافلة كان قد تم تهليلها من قبل بعض الناشطين في أوروبا بأنها ليست إلا مظاهرة سلمية وغير عدائية تماماً وذات أهداف إنسانية، هي علامة مؤكدة بأنه لم يكن هناك ما يكفي من الإعدادات في عمليات التخطيط التي سبقت القيام بالمهمة. وقد جاء ذلك أيضاً من خلال الحقيقة الواقعة بأن إسرائيل أبرزت الإعدادات المتعلقة بمركز الإحتجاز في أشدود في نطاق التحضيرات التي جرت لوصول النشطاء، ثم غيرت سياستها لتعلن أن بإمكان أي سلع إنسانية دخول قطاع غزة عبر المعابر المنظمة بعد أن يتم تفتيشها. وعلاوة على ذلك، إن واقع الأمور بأن العملية قد حدثت في المياه الدولية، سيؤدي إلى إثارة المزيد من التساؤلات حول التفسير الليبرالي لقانون البحار الذي اتبعته إسرائيل عندما قررت مواجهة القافلة.

ولم يكن من المتوقع أن تغير قافلة السفن بأي شكل من الأشكال وبصورة كبيرة الوضع الإنساني في قطاع غزة. لقد كانت محاولتها على الأغلب بمثابة معركة لكسب آراء الرأي العام، وكانت تهدف إلى توجيه لطمة [موجعة] إلى إسرائيل. ومن الصعب رؤية ما إذا كان هناك أي شيء بإمكانه أن يساعد على تجنب إراقة الدماء، أقل من السماح لقافلة المعونة بالتوجه إلى غزة. ولكن توجَّب على ذلك الواقع وحده أن يلعب دوراً أكبر في التخطيط للعملية مما قد تم بالفعل. إن تجنب وقوع خسائر بين المدنيين، ولا سيما القاتلة منها، كان جزءاً من السياسة الإسرائيلية المعلنة رسمياً، ولكن واقع الأمور هو أن العملية قد أسفرت عن وقوع مثل هذه الكارثة، مما يعكس الكثير من الفشل الذي حدث في عملية التخطيط. إن العواقب المحلية الإسرائيلية ستؤدي قطعاً إلى قيام تحقيقات داخلية صعبة حول كيفية وقوع حادثة كهذه. ونتيجة لذلك، من المؤكد أنه سيتم تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية مستقلة في المستقبل غير البعيد.

وبالنسبة للنشطاء، يمكن أن تستخدم القضية كلها بصورة مختلفة وسوف تستخدم كذلك، ولكن ذلك يعتمد على الذي سيقوم بتحليل ما حدث. ويبدو من الواضح أن بعض الأوروبيين لم يعرفوا في الواقع الشئ الكثير عن المنظم الرئيسي –– "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" التركية –– ولم يقصدوا أبداً مقاومة الإسرائيليين بقوة، إذا ما وصل الأمر إلى حد الصدام. ولا يوجد أي سبب للشك في جدية العديد من الناشطين الذين شاركوا بإخلاص في البعثة لمساعدة [الفلسطينيين في قطاع غزة] على التخفيف من وضعهم الذي يعتبر -- من وجهة نظر إنسانية بحتة -- وضعاً رهيباً.

ومع ذلك، ترتبط "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" ارتباطاً وثيقاً بحركة «حماس»، ولها تاريخ طويل من الدعوة للكفاح المسلح، بما في ذلك الإرهاب، ضد إسرائيل. وعلاوة على ذلك، تتمتع المنظمة بعلاقات وثيقة مع منظمات إسلامية متشددة أخرى، بما في ذلك تنظيم «القاعدة». هذا، وكان الرئيس الحالي لـ "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" بولنت يلدريم، قد تورط بالفعل وفي التسعينات من القرن الماضي، في تجنيد أعضاء [من المؤسسة] وإرسالهم إلى مناطق الحروب مثل البوسنة لاكتساب الخبرة القتالية. ولدى "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" أيضاً تاريخ [طويل قامت خلاله] بمقاتلة الحكومة التركية، وتم القبض على عدد من قادتها وأعضائها لحصولهم على أسلحة بصورة غير مشروعة وشرائهم مواد لصنع القنابل من جماعات إرهابية تركية. ومع ذلك، فقد قامت حكومة اردوغان بإلغاء ذلك التحقيق الجنائي. وربما كانت التطورات الأكثر إدانة لـ "مؤسسة الإغاثة الإنسانية"، هي الشهادة التي تم الإدلاء بها من قبل القاضي الفرنسي جان لوي بروغيير أمام محكمة أمريكية عام 2003 ومفادها بأن "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" كانت قد لعبت "دوراً محورياً" في مؤامرة القنبلة الألفية التي استهدفت مطار لوس انجلوس الدولي والتي حاول القيام بها تنظيم «القاعدة». وأضاف بروغيير بأن "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" كانت بمثابة منظمة "تغطية" غير حكومية عملت على تجنيد ناشطين، وتزوير وثائق، ونقل أسلحة للإرهابيين الضالعين في تلك المحاولة الإرهابية. وبطبيعة الحال، ينبغي أن لا يؤخذ أي شيء من كل هذا، كذريعة للمسؤولية الإسرائيلية في تسبب وفاة بعض المشاركين في قافلة المعونة.

وبغض النظر عما إذا كان المشاركون في القافلة على علم [بخلفية] "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" أم لا، من المؤكد أن يكون شعورهم العام بأن وجهات نظرهم المسبقة حول إسرائيل كدولة معتدية قد تم إثباتها [من خلال قيام إسرائيل بهذه العملية]. إن حقيقة الأمر هو أن تنفيذ العملية العسكرية كان خطأً كارثياً، وأن ذلك هو سبب كاف من أجل تركيز "الحرارة السياسية" على إسرائيل لفترة طويلة. وهناك أثر فوري آخر وهو الضغط على إسرائيل (وربما على مصر) لرفع الحصار أو على الأقل تخفيفه. ويعتزم الإتحاد الأوروبي عقد اجتماع على مستوى عال في المستقبل القريب، ومن المؤكد أن يثار هذا الموضوع في ذلك الإجتماع بعد أن كان الإتحاد الأوروبي قد طالب منذ بعض الوقت برفع الحصار. كما أنه ليس بالإمكان حتى استبعاد فرض عقوبات ضد إسرائيل. ولا يتمكن الإتحاد الأوروبي من التغاضي عن قيام دولة بعمل عسكري ضد قافلة مدنية -- بغض النظر عن المبررات.

إن تركيا هي البلد الذي سيستفيد أكثر من غيره وبصورة مباشرة من هذه القضية برمتها. فقد أعادت تأكيد قدرتها على الوقوف بحزم وراء الفلسطينيين (بعكس الدول العربية الأخرى التي لا تطابق ما تقوله في خطاباتها بما تفعله من الناحية العملية)، وجعلت بالإمكان تعزيز مكانتها كحصناً ضد العدوان الإسرائيلي والإستخدام المفرط للقوة. وفي أعقاب الإتفاق النووي الذي وقعته مع إيران، من الواضح أن تركيا تستعد للقيام بدور أكبر في المنطقة.

ومن المستبعد جداً أن تقف الوقائع العملية حول النوايا الحقيقية لـ "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" وأعمالها في طريق قيام تركيا بهذا الدور. بل على العكس من ذلك: يسير التطرف المستمر في السياسة التي تتبعها إدارة اردوغان بخطوات [راسخة] نحو شرح تساهل تركيا مع "مؤسسة الإغاثة الإنسانية" وتغيير وجهات نظر الحكومة التركية الحالية تجاه منظمة كانت قد استخدمت أعمال العنف القاتلة ضد حكومات تركية سابقة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، لا يمكن ان تأتي الحوادث الأخيرة في وقت أسوأ من هذا. فبما أن تركيا هي عضوة في "مجلس الأمن الدولي" وأن التصويت على فرض عقوبات جديدة ضد إيران آخذ في الإقتراب، فإن الخصام مع تركيا حول الإتفاق النووي بدأ يسبب صداع لإدارة أوباما. ومن المتوقع أن يأتي رد رسمي أمريكي أكثر دقة في الوقت المناسب، ولكن إعطاء رد كهذا في الوقت الحاضر سيؤدي فقط إلى جلب الإنتباه بعيداً عن الموضوع الذي تعتبره واشنطن القضية الرئيسية في الشرق الأوسط ألا وهو: الأزمة النووية الإيرانية.

ويقودنا ذلك إلى "رابح" آخر من هذه الأحداث المحزنة وهم الإسلاميون في حركة «حماس» (ومنظمات متشددة أخرى بين الفلسطينيين) و«حزب الله» وأنصارهم في إيران. وبالنسبة لـ «حماس»، تعتبر هذه عملية إلهية، حيث أنها تحول الأنظار عن مشاكلها في غزة وعن إيران و«حزب الله» وتساعد «حماس» على تصوير إسرائيل كمتنمرة عدوانية في المنطقة. وبطبيعة الحال فإن السلطة الفلسطينية هي ضحية أخرى من ضحايا هذه الأحداث. وليس من المرجح جداً أن يكونا الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه، سلام فياض، قادران على الصمود أمام الضغوط الداخلية. كما من المرجح أيضاً أن يشعرا بأن عليهما إلغاء محادثات السلام غير المباشرة الجارية حالياً مع إسرائيل. وهكذا، ففي النهاية سيكون المجتمع الفلسطيني هو الخاسر الحقيقي لكل ذلك، فقد سببت حالته إلى إثارة سلسلة الأحداث التي أدت إلى مقتل وإصابة أناس جدد في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ماغنوس نوريل هو باحث مساعد في معهد واشنطن.