أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2949

تطوّر "قوات أمن السلطة الفلسطينية"

نيري زيلبر و غيث العمري

متاح أيضاً في English

3 نيسان/أبريل، 2018


"عقد "معهد واشنطن" في 28 آذار/مارس منتدى سياسيًا مع نيري زيلبر وغيث العمري، اللذين اشتركا في إعداد الدراسة الجديدة بعنوان دولة بلا جيش، جيش بلا دولة: تطور قوات أمن السلطة الفلسطينية، 1994-2018. يُذكر أن زيلبر، زميل مساعد في معهد واشنطن، هو صحافي ومحلل في قضايا عملية السلام. أما العمري فهو زميل أقدم في المعهد وكان مستشارًا سابقًا للفريق الفلسطيني المفاوض خلال المحادثات بشأن الوضع النهائي بين عامي 1999 و2001. وفي ما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما."

 

يُعتبر الأمن شرطًا ضروريًا لأي تقدم اقتصادي أو دبلوماسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن المعلومات المتوافرة حتى الآن حول "قوات أمن السلطة الفلسطينية" وتنسيقها مع "جيش الدفاع الإسرائيلي" غير كافية. وكانت الدراسة الجديدة دولة بلا جيش التي أعدها "معهد واشنطن" ترمي إلى سدّ هذه الفجوة المعرفية.

تتألف "قوات أمن السلطة الفلسطينية" من ثماني خدمات وحوالي 30 ألف عنصر مسلح، وتتولى مسؤولية الحفاظ على سيادة القانون والنظام في مناطق الضفة الغربية الخاضعة لسيطرة "السلطة الفلسطينية". وعلى صعيد العمليات، تتألف وظائفها الرئيسية الثلاث من منع المسلحين من النزول إلى الشارع وإدارة حملة شرسة ضد "حركة حماس" والتنسيق الأمني مع إسرائيل.

ويتألف هذا التنسيق من خمسة مكونات رئيسية وهي:

  • الحوار ومشاركة المعلومات الاستخبارية. تبدأ هذه النقطة عند المستوى الاستراتيجي وصولًا إلى مستوى العمليات، ويهدف تعاون مماثل إلى تجنب المخاطر الأمنية والحدّ من التغييرات التي تؤثر على الاستقرار.
  • جهود مكافحة الإرهاب. تستهدف هذه الأنشطة في المقام الأول حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي في فلسطين"، حيث يتمّ تشارك المعلومات الاستخبارية بين الطرفين. وفي خريف 2015، جرى توسيع هذه الفئة لتشمل المهاجمين الفلسطينيين الذين ينفذون هجمات فردية وهم عمومًا من المشتبه بهم الأصغر سنًا.
  • تجنب الصراع خلال غارات "جيش الدفاع الإسرائيلي" في المنطقة أ. تحتفظ إسرائيل بحرية العمليات لدخول الأجزاء الخاضعة للفلسطينيين من الضفة الغربية (أي المنطقة أ) واعتقال الإرهابيين المشتبه بهم. ويجري ذلك في معظم الأحيان من خلال آلية تنسيق رسمية بين "جيش الدفاع الإسرائيلي" و"قوات أمن السلطة الفلسطينية".
  • عودة الإسرائيليين الآمنة. يضل المدنيون الإسرائيليون في المناطق الخاضعة لسيطرة "السلطة الفلسطينية" طريقهم أحيانًا، وغالبًا عن طريق الخطأ. في عام 2017، تمّ إيجاد أكثر من 500 فرد تائه وجرت إعادتهم سالمين. كما جرى إنقاذ أفراد من "جيش الدفاع الإسرائيلي" من ظروف مماثلة - أحدثها عندما ضلّ جنديين بلباسهما العسكري الطريق في منطقة جنين في وقت سابق من هذا العام، وقد تمّت إعادتهما سالمين بفضل تدخل مباشر من قبل "قوات أمن السلطة الفلسطينية" التي منعت مجموعة من الفلسطينيين من إيذائهما.
  • ضبط أعمال الشغب. عملت "قوات أمن السلطة الفلسطينية" على احتواء التظاهرات الضخمة منعًا للتضافر والتصعيد والوصول إلى نقاط التَماس الحساسة بين الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والفلسطينية (والتي تشمل الطرق السريعة والمستوطنات ونقاط التفتيش). وتضم القوات الفلسطينية وحدات مكافحة الشغب يتمّ نشرها عند الضرورة؛ والأهم أن "السلطة الفلسطينية" كفّت عن تعبئة عناصرها للنزول إلى الشوارع.

وقد أصبحت "قوات أمن السلطة الفلسطينية" كيانًا متماسكًا وفعالًا ومحترفًا أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك، تواجه الكثير من التحديات داخل الهيكلية السياسية الفلسطينية، وقد تلاشت الإصلاحات التي بدأت في عهد رئيس الوزراء السابق سلام فياض. ويطرح هنا السؤال التالي نفسه: هل سيكون نجاح "قوات أمن السلطة الفلسطينية" مستدامًا؟ خلال تموز/يوليو الفائت، ووسط التوترات التي تلت تركيب أجهزة كشف المعادن الإسرائيلية عند مدخل جبل الهيكل/الحرم القدسي الشريف، انقطع التنسيق الأمني بشكل مؤقت.

علاوةً على ذلك، أوضح المسؤولون الفلسطينيون أن التنسيق لا يصبّ في مصلحة إسرائيل والأمم المتحدة وأوروبا، لكنه سبيل يهدف إلى إلغاء الاحتلال وإقامة الدولة. ومن الصعب جدًا الدفاع عن هذا الهدف المعمم في المجتمع الفلسطيني، لاسيما في ظل غياب أفق سياسي موثوق. كما أن "السلطة الفلسطينية" لا تدعم هذه القضية عندما تهدد بشكل متكرر بوقف التنسيق بغية ممارسة الضغوطات على إسرائيل. ففي الواقع، تقوّض أعمال إضافية مماثلة شرعية "قوات أمن السلطة الفلسطينية" عبر جعلها تبدو وكأنها وكيلة للاحتلال.

ويدرك المتخصصون في مجال الأمن الإسرائيلي هذا التوتر خير الإدراك، وبالتالي لا يناقشون هذه المسألة في العلن. وإذ يقر "جيش الدفاع الإسرائيلي" و"جهاز الأمن العام الإسرائيلي" أو "الشين بيت" بأهمية "قوات أمن السلطة الفلسطينية" كمؤسسة ووسيلة للتنسيق في الوقت ذاته، يلتزمان بدعم موقف القوات الفلسطينية - ليس من أجل تلميع سمعتها كضامن لأمن الشعب، إنما لمنحها صلاحيات وقدرات أكبر. وقد أُجريت عدة محادثات خلال السنوات القليلة الماضية بشأن هذه المسائل، شملت تسهيل نفاذ وحدات "قوات أمن السلطة الفلسطينية" وزيادة قدراتها وتجهيزها بشكل أفضل.

ولسوء الحظ، تتعارض هذه المبادرات عادةً مع رفض اليمين الإسرائيلي اعتباره وكأنه يتنازل عن أرض إضافية من الضفة الغربية. وتميل كافة اقتراحات "جيش الدفاع الإسرائيلي" أو "الشين بيت" التي تجمع بين التنسيق والتنازلات إلى الزوال داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي. وفي حال كان التنسيق ليبقى فعالًا، فلا بدّ من عزله عن تسييس مماثل.

وغالبًا ما يطرح المشهد السياسي الأمريكي عقبات مماثلة. ففكرة أنه بإمكان واشنطن قطع التمويل عن "السلطة الفلسطينية" من دون المساس بالقوات الأمنية هي من نسج الخيال. وقد يكون "قانون تايلور فورس"، الذي تمّ تمريره مؤخرًا ويعاقب "السلطة الفلسطينية" على تسديد مدفوعات إلى عائلات الأسرى وما يسمى "الشهداء"، منطقيًا من وجهة نظر معينة، لكنه سيقوض على الأرجح مصداقية "السلطة الفلسطينية". فعندما توقف أمريكا مساعداتها إلى كافة العناصر باستثناء القوات الأمنية، كيف يمكن لمسؤولي "قوات أمن السلطة الفلسطينية" الادعاء بصدق أنهم يقاتلون من أجل الشعب الفلسطيني وليس واشنطن؟

كما يحدّ وقف المساعدات من قدرة واشنطن على التعاون مع الفلسطينيين وقد يعني نهاية النفوذ الأمريكي على "قوات أمن السلطة الفلسطينية". وتستحق الولايات المتحدة التقدير لرعايتها تطوير القوات الفلسطينية وإرسال جنرال بثلاث نجوم للمساعدة على تدريبها وتسهيل التنسيق. لكن من دون أي دعم سياسي أوسع من قبل واشنطن، قد يكون ما يمكن للمنسّق وطاقمه المحترف المتفاني تحقيقه محدودًا للغاية.

ويطرح توقيت وقف المساعدات صعوبات أيضًا. ففي أيار/مايو، ستضطر القوات الفلسطينية إلى الحفاظ على السلام وسط عدة أحداث تزخر بالتحديات، بما فيها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والذكرى السبعين لاستقلال إسرائيل ويوم النكبة المرافق وبدء شهر رمضان المبارك. ومن غير الواضح ما إذا كانت "قوات أمن السلطة الفلسطينية" ستتمكن من الحفاظ على اللحمة والفعالية في ظل ضغوطات مماثلة. فقد نجحت في التصدي لعدد كبير من الصدمات في الماضي، وقد فضّل الرئيس محمود عباس مرارًا الاستقرار واللاعنف على التصعيد خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية. غير أن ازدياد ضعفه السياسي وتراجع شعبيته وندرة الخيارات المتاحة أمامه، كلها عوامل أحدثت مزيجًا خطرًا قد يؤثر على حساباته في أوقات الأزمات، لا سيما نظرًا إلى ازدياد الضغوطات الأمريكية.

وفي هذا السياق، من المهم النظر في دور "قوات أمن السلطة الفلسطينية" في خلافة عباس اللاحقة. فالنظام السياسي الفلسطيني يصبح أكثر استبدادًا، كما أن قوات الأمن تحولت إلى أداة بتصرف الرئيس. وعندما يحين وقت استبداله، سيكون أمام "قوات أمن السلطة الفلسطينية" عدة خيارات، على غرار البقاء في مراكزها ودعم العملية السياسية أو التحول إلى منافسين بحدّ ذاتهم من خلال تحقيق طموحاتهم الخاصة. لكنها على الأرجح ستصبح صانعة القرار من خلال دعم مرشحين محددين.

وفي الوقت الراهن، لا تزال "قوات أمن السلطة الفلسطينية" قصة نجاح نادرة وغير معلنة عمومًا للعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية والدبلوماسية الأمريكية. وقد أثبتت أنها قوة مستدامة وفعالة، لذا سيكون انهيارها في ظل التوترات المتنامية خسارةً كبيرة. وبالتالي سيكون تركيز واشنطن على طرق لتقويتها فورًا تصرفًا حكيمًا.

أعدّت هذا الموجز ليا وينر.