أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

رئيس مصر الجديد يتحرك ضد الديمقراطية

اريك تراجر

متاح أيضاً في English

وول ستريت جورنال

16 آب/أغسطس 2012


منَح محمد مرسي نفسه سلطة تشريعية وتنفيذية كاملة بالإضافة إلى سلطة اختيار كُتَّاب الدستور الجديد.

لقد تحقق أخيراً "انتقال مصر الكامل إلى حكم مدني" والذي طالما سعت إليه إدارة أوباما. لكنه ليس ليبرالياً ولا ديمقراطياً.

في يوم الأحد وبعد أن أقال كبار المسؤولين العسكريين أصدر الرمز المخضرم في «الإخوان» والرئيس الجديد لمصر محمد مرسي إعلاناً دستورياً كاسحاً يمنحه سلطة تشريعية وتنفيذية كاملة بالإضافة إلى سلطة اختيار كُتّاب دستور مصر الجديد. وبعد الإطاحة بمبارك بثمانية عشر شهراً أصبح لمصر دكتاتور جديد - بل إن الطريقة التي اقتنص بها مرسي السلطة تخبرنا أكثر بما ينتوي أن يفعله بها لاحقاً.

وتأتي هذه الخطوات عقب هجوم وقع الأسبوع الماضي في شبه جزيرة سيناء المبتلاة بعدم الاستقرار حيث قتل مسلحون ستة عشر جندياً مصرياً وسرقوا سيارة عسكرية وحاولوا اختراق الحدود الإسرائيلية. وقد أعطت الحادثة مرسي ذريعة لإقالة مسؤولي الأمن الذين شكلوا أكبر تهديد على سلطته الداخلية - وخاصة قادة المجلس العسكري المصري الذي أصبح الآن محلحلاً وكان قد أصدر في حزيران/يونيو إعلانه الدستوري الذي يحدُّ من سلطات الرئيس المنتخب حديثاً.

والأهم من ذلك أن مرسي استغل أزمة سيناء لتولي الصلاحيات التي كان المجلس العسكري قد رسخها لنفسه بشكل غير ديمقراطي في إعلان آذار/مارس 2011 الدستوري. وبالتالي فقد اقتنص سلطة تنفيذية لم يسبق لها مثيل تشمل السلطة الكاملة على التشريع والموازنات العامة والشؤون الخارجية والعفو والتعيينات السياسية والعسكرية.

كما أن إعلان مرسي يمنحه أيضاً سلطة اختيار جمعية جديدة لكتابة الدستور المصري. وحيث يجب الموافقة على الدستور الجديد في استفتاء شعبي قبل إجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة فإنه باستطاعة مرسي التدخل في عملية كتابة الدستور من أجل تأجيل الانتخابات التشريعية وبالتالي يبقى هو المُشرع الوحيد لمصر إلى أجل غير مسمى.

وبناءاً على الأدلة المتوفرة حتى الآن فسوف يستخدم الرئيس المصري سلطته الموسعة لتعزيز الأجندة المحلية لـ  جماعة «الإخوان المسلمين» غير المتسامحة في جوهرها.

ولننظر مثلاً إلى رؤساء التحرير الذين عينهم الرئيس المصري ليقودوا أكبر صحيفتين مملوكتين للدولة. فرئيس تحرير "الأهرام" الجديد هو من محاسيب نظام مبارك حيث وصف انتفاضة العام الماضي بأنها "ممولة من الخارج" وخسر عموده في 2010 بسبب كتابته مقالات ضد المسيحيين. ورئيس التحرير الجديد لـ "الجمهورية" قد أغلق مؤتمراً عن الحريات الدينية في عام 2008 ودعا إلى قتل ناشط بهائي معروف في 2009. وأما رئيس التحرير الجديد لـ "الأخبار" فقد منع مؤخراً مقالة تنتقد «الإخوان».

وفي الوقت نفسه اعترف وزير الدفاع الجديد الذي عينه مرسي وهو عبد الفتاح السيسي  بأنه خلال قيام الجيش بقمعه الوحشي ضد احتجاجات «ميدان التحرير» في آذار/مارس 2011، أخضع الناشطات لـ "اختبارات العذرية". وفي خطوته الكبرى الأولى ضد غير الممتثلين [للقوانين الجديدة] بدأ نظام مرسي هذا الشهر محاكمة رئيس تحرير "الدستور" وهي صحيفة يومية خاصة بتهمة "إيذاء الرئيس بعبارات وكلمات يعاقب عليها القانون."

وبينما يشعر الناس داخلياً بعواقب استيلاء مرسي على السلطة فمن غير المحتمل أن يستمر هذا الشعور. فأفعاله الأخيرة تؤكد أنه سرعان ما سيركز انتباهه على السياسة الخارجية المصرية موجهاً إياها بالتأكيد في اتجاه معاد للمصالح الأمريكية.

إن إعلانه الدستوري يخوله فعل ذلك. كما أن تعديلاته على الدستور المؤقت من العام الماضي تمنحه السلطة لتوقيع - وربما إلغاء - المعاهدات. ورغم توقع الكثيرين بأن سلطة السياسة الخارجية الفعلية سوف تبقى بيد الجنرالات إلا أن تغيير مرسي السريع لقيادات الجيش قد جعل القوات المسلحة تحت إمرته.

ثم هناك مفاتحاته تجاه المعادين للغرب. فخلال الستة أسابيع الأولى من رئاسته استضاف مرسي مرتين وفداً رفيع المستوى من «حماس» رغم تدفق المسلحين من غزة إلى داخل سيناء، ووعد «حماس» بإبقاء معبر رفح الحدودي مفتوحاً. وفي الأسبوع الماضي رحب مرسي بنائب الرئيس الايراني ودُعي لحضور قمة "حركة عدم الانحياز" المقرر عقدها في طهران.

ولو شارك في هذه القمة فسيكون أول رئيس مصري يزور إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وربما يصحبه حينئذ رئيس ديوانه الجديد السفير السابق لدى ليبيا وإيران محمد رفاعة الطهطاوي الذي اعتبر إسرائيل "التهديد الرئيسي" لمصر وامتدح سوريا باعتبارها "ركيزة أساسية لمعسكر المقاومة (ضد) إسرائيل" ودعا إلى توثيق العلاقات مع «حماس» وإيران.

ويرى الكثير من المحللين في واشنطن أن مرسي لن يتخذ أية خطوات كبيرة تتعلق بالسياسة الخارجية مثل إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل. فهم يأخذون هذه التطمينات اللفظية على عواهنها ويثقون أنه لن يضر نفسه في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الإستثمار الدولي لدعم الاقتصاد المصري العليل.

لكن هذا المنطق نفسه هو الذي تم تبنيه سابقاً، ويتمثل بأن مرسي لن يسارع إلى تحدي جنرالات مصر. ورغم ذلك فقد جلس مبتسماً بجوار أعلى ضابط عسكري (الذي تمت إقالته الآن) في احتفالات عسكرية وافترض مراقبو واشنطن على نطاق واسع أن «الإخوان» سيكتفون بالتركيز على أسلمة السياسة المحلية بينما سيتركون مسائل الأمن القومي إلى الجيش.

غير أنه تبيّن بأن طريقة عمل مرسي ليست هي التسوية أو التدرج. والآن بعد أن أعلن عن منح صلاحيات واسعة لنفسه، فإن الحل الوحيد لمنعه من التحرك بسرعة ضد المصالح الأمريكية هو الضغط عليه فوراً.

وبدلاً من وصفه بأنه رئيس منتخب ديمقراطياً - مثلما فعلت إدارة أوباما مراراً - ينبغي على واشنطن أن تستنكر طريقة اقتناصه هذه السلطات وتصر على أن يثبت التزامه بالحكم الديمقراطي من خلال الأفعال وإلا سيخاطر بفقدان حسن النية الدولي الذي حصل عليه عقب الانتخابات. إن الفشل في ذلك سيمكنه من مواصلة تعزيز قدرته داخلياً دون أن يدفع ثمناً لذلك في الخارج مما سيزيد من احتمالية ظهور مفاجأة غير متوقعة أخرى - في إحدى أيام الأحد - قد تكون أكثر إيذاءاً.

 

إريك تراغر هو زميل الجيل التالي في معهد واشنطن.