أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وسجلها في ازدواجية الخطاب

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

واشنطن بوست

26 كانون الثاني/يناير 2012


 

في ظل التوترات الجديدة التي تشوب العلاقات الأمريكية المصرية، ينظر البعض في واشنطن إلى التوترات ونتائج التصويت الأخير على الانتخابات البرلمانية كدلالة على إمكانية ترسخ جذور الديمقراطية. فمن يقولون إن جماعة «الإخوان المسلمين» تظهر مؤشرات جديدة على الاعتدال ينبغي عليهم مقارنة رسالتها إلى الجهات الخارجية، التي تنشرها بالإنجليزية، مع رسالتها إلى المصريين والعرب الآخرين، التي تنشرها باللغة العربية.

لنأخذ على سبيل المثال الموقعين الرسميين لـ جماعة «الإخوان» باللغتين العربية والإنجليزية، "إخوان ويب" و"إخوان أون لاين"، من أحد أيام هذا الشهر. ففي النسخة الإنجليزية، ظهر في الصفحة الرئيسية ما لا يقل عن ثمانية مقالات عن اهتمام جماعة «الإخوان» بالأقلية المسيحية القبطية في مصر. في حين لم تتضمن الصفحة الرئيسية الصادرة باللغة العربية سوى مقالين صغيرين عن هذا الموضوع. ويصبح هذا التباين أكثر حدة في المسائل الرئيسية الأخرى. ففيما يتعلق بالديمقراطية، تضمنت الصفحة الرئيسية الصادرة بالإنجليزية في أحد أيام كانون الثاني/يناير مقالات عدة شملت عناوين رئيسية مثل "لماذا الإسلاميين هم ديمقراطيون أفضل" و"الديمقراطية: أحد أهداف الشريعة؟" ولا يوجد شيء مماثل في النسخة العربية. وبدلاً من ذلك، شاهد قراء النسخة العربية ثلاثة مقالات ضد حرية الصحافة، تهاجم اثنين من كبار الصحف اليومية المصرية المستقلة جراء طباعة مقالات تنتقد «الإخوان».

وهذا النوع من الخطاب المزدوج هو جزء من نمط «الجماعة». ففي شباط/فبراير الماضي، بعد الإطاحة بحسني مبارك مباشرة، نشرت جماعة «الإخوان المسلمين» ما أطلقت عليه النسخة الإنجليزية لرسالة المرشد الأعلى محمد بديع إلى الشعب المصري، احتفالاً بالثورة. وفي تلك النسخة، يُفترض أنه تحدث بصفة أساسية عن الديمقراطية والتسامح والتعددية والتعايش بين المسلمين والأقباط في مصر. لكن نص تصريحه الذي نُشر بشكل متزامن باللغة العربية كان يحمل نغمة مختلفة تماماً. ففي رسالته الأصلية، كتب بديع بإسهاب كيف أن انتفاضة مصر كانت بركة من الله - ومدى حاجة المصريين إلى الثبات على عقيدتهم الإسلامية لجني ثمارها الحقيقية. كما وردت العناوين الرئيسية التالية عن «حزب الحرية والعدالة» على الموقع الإنجليزي في الشهور الأخيرة: "«حزب الحرية والعدالة» والمسيحيين يئدون الفتنة" و"«حزب الحرية والعدالة» يدين الهجوم على السفارة الإسرائيلية" و"لجنة المرأة في «حزب الحرية والعدالة» تقدم خدمات طبية مجانية في مدينة الشرقية". لكن لم يظهر أي من تلك الأخبار على الصفحة الرئيسية الصادرة باللغة العربية. وخلال السنة الماضية، غالباً ما تم الإشارة إلى المرأة من قبل «الإخوان» باللغة الإنجليزية فقط - لكن لم ترد الإشارة إليها مطلقاً باللغة العربية. والشيء ذاته ينطبق على الموقِعين الإنجليزي والعربي لـ «حزب الحرية والعدالة»، والذي يسيطر الآن على البرلمان المصري.

قد يلاحظ البعض إن كافة الأحزاب السياسية، إلى حد ما على الأقل، تبعث برسائل مختلطة. لكن عندما تظهر هذه الدرجة من الازدواجية، فإن مصداقية الحزب تضعف وفقاً لذلك أو ينبغي لها أن تضعف. وسيقول البعض إن جماعة «الإخوان المسلمين» تشمل بعض الأصوات المعتدلة نسبياً. وهذا صحيح، لكنها حركة منضبطة جداً وذات ترتيب هرمي: فقد ترك «الجماعة» العديد من المعتدلين في العام الماضي أو تم طردهم، كما أن معظم كبار قادتها هم الأكثر تشدداً. وسوف يستمر البعض في القول بأن «الإخوان» يُظهرون أن باستطاعتهم تعديل مواقفهم. لكن مع اكتساب «الجماعة» للقوة في الشارع وفي الانتخابات خلال الأشهر الأخيرة، فإن ذلك التعديل أصبح بصفة أساسية أقل - وليس أكثر - اعتدالاً.

على سبيل المثال، انضمت «الجماعة» في وقت متأخر إلى الاحتجاجات في "ميدان التحرير"، لكن بعد سقوط مبارك عارض قادتها أي ضمانات "فوق دستورية" للحريات الشخصية، ثم حظرت على أعضائها الانضمام إلى مظاهرات أخرى. وقالت «الجماعة» في البداية إنها لا تريد أكثر من 30 بالمائة من المقاعد في البرلمان، ثم غيرت موقفها إلى نحو النصف [أي 50 بالمائة]؛ ثم قالت ربما الأغلبية، لكن بشكل تحالفات مع الآخرين؛ وهي الآن تتحول باتجاه ممارسة سيطرة كاملة من خلال الاستيلاء على المناصب القيادية وقيادات اللجان الأكثر أهمية بدون إقامة أي تحالفات رسمية مع الأحزاب الأخرى. وفيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة، قالت جماعة «الإخوان المسلمين» ذات مرة إنها لن تشارك فيها، ثم [غيرت موقفها] وقالت إنها قد تدعم أحد المرشحين الحاليين؛ والآن يبدو أنها قد تبحث عن مرشح آخر من اختيارها لم يرد ذكره من قبل.

وفي غضون ذلك، هناك شيء واحد لم يتغير وهو عداء «الجماعة» لسياسات الولايات المتحدة ومصالحها. ففي برنامجه الانتخابي، يبدأ «حزب الحرية والعدالة» القسم الخاص بـ "القيادة الإقليمية" بالرفض الصريح لمنهج النظام القديم "الداعم للمحتلين والمستعمرين، من خلال وجوده فيما يطلق عليه محور الاعتدال، الذي ترعاه الولايات المتحدة". وفي آب/أغسطس، وصفت «الجماعة» التمويل الأمريكي للمنظمات غير الحكومية في مصر بأنه "وصمة عار". ورغم إنكارها المفترض لقمع الشرطة للمنظمات غير الحكومية في كانون الأول/ديسمبر، إلا أنها أعادت التأكيد على معارضتها المستمرة لهذا التمويل.

وبطبيعة الحال ستكون مفاجأة سارة لو غيرت «الجماعة» مواقفها وأصبحت محاوراً أكثر صدقاً وجديراً بالثقة. غير أنه في غضون ذلك، يجب ألا نبدي أي اهتمام بما يقوله «الإخوان» باللغة الإنجليزية وأن نبدي اهتماماً قليلاً بأي "تطمينات" خاصة تقدمها «الجماعة». وبالنظر إلى تاريخ «الإخوان المسلمين» في ازدواجية الخطاب، ينبغي على المراقبين التعامل مع أي شيء تقوله «الجماعة» باللغة العربية بالقدر المطلوب من الشك. يتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل مع «الجماعة»، لكن لا يتعين أن نثق بأي شيء تقوله - حتى تُثبت العكس على الأقل.

 

ديفيد بولوك زميل كوفمان في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي لدول الشرق الأوسط.