أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1476

جماعة الإخوان المسلمين في مصر وإيران

مهدي خلجي

متاح أيضاً في English

12 فبراير 2009


خلال زيارته إلى إيران في شباط/فبراير، أشاد زعيم «حماس»، خالد مشعل، بالقادة الإيرانيين على دعمهم خلال الصراع [الأخير] في قطاع غزة، وهذا دليل آخر على تعزيز العلاقات بين الجماعة الإسلامية السنية، التي كانت الولايات المتحدة قد صنفتها على أنها منظمة إرهابية، والنظام الشيعي في طهران. وقد جاءت تصريحات مشعل في أعقاب تصنيفات وزارة الخزانة الأمريكية لقادة تنظيم «القاعدة» وناشطيها الذين حصلوا على ملاذ في إيران على أنهم إرهابيون. وتثير الأمثلة الأخيرة عن التعاون السني-الشيعي أسئلة جديدة حول ما إذا كان بوسع إيران تحسين علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

وفي حين يبدو من غير المحتمل حدوث مثل هذا التقارب، يشير التاريخ أن ذلك ليس مستحيلاً. فلسنوات عديدة حافظت إيران على علاقات غير رسمية مع جماعة الإخوان المسلمين، وربما يتمتع الإسلام الشيعي بقبول أكبر لدى أهل السنة المصريين مما يتمتع به بين أهل السنة في بلدان عربية أخرى. ومن المرجح أيضاً أن تلقى الانتقادات الحادة التي وجهتها إيران للرئيس المصري حسني مبارك، صداها لدى المتطرفين المصريين الخاضعين لسيطرة النظام في القاهرة. وإذا [نجحت] إيران في بناء علاقات وثيقة مع جماعة "الإخوان"، فسينمو النفوذ الإيراني بشكل كبير في العالم العربي، مما يجعل لطهران رأي هام بين المتطرفين العرب، وسيؤدي هذا بدون شك إلى تطورات خطيرة على المصالح الأمريكية في المنطقة.

الروابط بين إيران والمتطرفين السنة

تشك مصر منذ فترة طويلة بالعلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين المصرية وإيران، وهذا يرجع بشكل كبير إلى علاقات إيران القوية مع «حماس» – المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين. ومن المرجح أن يثير الصراع الأخير في غزة المزيد من الشكوك لدى القاهرة. فخلال [فترة] القتال، تبنت إيران أسلوباً كلامياً قوياً في دعمها لحركة «حماس»، منتقدة الحكومة المصرية على تقاعسها. وقد شكر زعيم «حماس»، خالد مشعل، إيران على دعمها لمنظمته، مؤكداً أن "شعب غزة لطالما قدر الدعم السياسي والروحي الذي تقدمه له إيران زعماء وشعباً". ووفقاً للتلفزيون الرسمي الإيراني، ذكرت التقارير أن مشعل قال "إن إيران لعبت بالقطع دوراً كبيراً في انتصار أهالي غزة وهي شريك في ذلك الانتصار".

كما أقامت إيران علاقات عمل قوية مع متطرفين سنة آخرين. فوفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، تزعم السلطات السعودية أن زعيم "تنظيم «القاعدة» في الخليج الفارسي"، "عبد الله القاروي"، يعيش ويتحرك بحرية في إيران، إلى جانب أكثر من مائة سعودي يعملون لصالحه. وفي إجرائها التطبيقي الأخير، أعلنت وزارة الخزانة [الأمريكية]، أن السلطات الإيرانية كانت قد اعتقلت سعد بن لادن، نجل أسامة بن لادن، في مطلع عام 2003، ولكن "اعتباراً من أيلول/سبتمبر 2008، من المحتمل أن لم يعد سعد بن لادن محتجزاً في إيران". ووفقاً لمدير الاستخبارات الوطنية [الأمريكية] مايكل ماكونيل، فإنه على الارجح أن يكون سعد بن لادن [مقيماً] حالياً في باكستان.

إيران ما قبل الثورة وجماعة الإخوان المسلمين

بالرغم من أنه ليست هناك علاقات تنظيمية قوية بين جماعة الإخوان المسلمين المصرية وإيران، إلا أن جماعة "الإخوان" كان لها تأثير كبير على إعادة بعث الروح الإسلامية في إيران؛ فقد سعت هذه الحركة إلى الترويج للإسلام ليس باعتباره ديناً فقط، وإنما كفكر يحكم جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن "موجتبي ميرلوحي"، المعروف باسم "نواب صفوي" (1924-1955)، كان عالماً دينياً إيرانياً شاباً أسس "جمعية أنصار الإسلام (SID)" في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي ولعب دوراً كبيراً في ربط الأصولية الشيعية بالحركات الأصولية الإسلامية في دول أخرى. وعلى غرار الآباء المؤسسين لحركة إعادة بعث الروح الإسلامية في مصر، كانت "جمعية أنصار الإسلام (SID)" تؤمن أنه من أجل مقاومة هيمنة الغرب، يتعين على المسلمين محاربة الطائفية، وتنحية الصراع الشيعي–السني جانباً، وإنشاء جبهة إسلامية موحدة.

وفي عام 1954، وبناءً على دعوة من "سيد قطب"، الذين كان يشغل حينها منصب سكرتير القمة الإسلامية والمفكر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، سافر "نواب صفوي" إلى الأردن ومصر للقاء قادتها. وبتأثير منهم، أصبح أكثر اهتماماً بالقضية الفلسطينية. وقبل ذلك الحين، لم تكن هناك سوى إشارات قليلة للمشكلة الفلسطينية بين رجال الدين أو المثقفين والنشطاء العلمانيين (اليساريين) في المجتمع الإيراني. وبعد عودته إلى إيران، بدأ "حملة فلسطينية" وجمع وعود من خمسة آلاف متطوع للانتشار في الأراضي الفلسطينية لمحاربة اليهود.

وربما الأهم من ذلك، يصف المرشد الأعلى الحالي لإيران، آية الله علي خامنئي، في سيرته الذاتية القصيرة أنه أصبح مهتماً بالأنشطة السياسية بعد لقائه بـ"نواب صفوي" في مدينة مشهد بإيران. وقبل قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979، ترجم خامنئي كتابين لـ"سيد قطب"، وهما "المستقبل لهذا الدين" و"الإسلام ومشكلات الحضارة".

الثورة الإسلامية في عيون جماعة "الإخوان"

في البداية، رحبت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بحذر بالثورة الإسلامية بقيادة آية الله خميني؛ وربما منحت تلك الثورة الثقة للإخوان المسلمين بأنهم أيضاً قادرون على قلب نظام الحكم العلماني في بلدهم. ولكن بعد قيام متطرف إسلامي باغتيال الرئيس المصري أنور السادات في عام 1981، اضطرت جماعة "الإخوان" إلى اتخاذ موقف حذر من الجمهورية الإسلامية، على الأقل في العلن. وفي كانون الثاني/يناير من عام 1982، أخبر "عمر التلمساني"، المرشد العام لجماعة "الإخوان" في ذلك الوقت، صحيفة "المصور" المصرية الأسبوعية قائلاً "إننا دعمناه [الخميني] سياسياً، لأن شعباً مظلوماًً قد تمكن من التخلص من حاكم ظالم واستعاد حريته، لكن من وجهة النظر الفقهية، فإن السنة شيء والشيعة شيء آخر".

ومع ذلك استمرت جماعة الإخوان المسلمين في انتقاد الخلافات الطائفية بين المسلمين، بحجة أن الوحدة ضرورية من أجل الجهاد ضد الحكام الفاسدين والغرب. وفي عام 1985، كتب "التلمساني" في صحيفة "الدعوة" المصرية قائلاً "إن التقارب بين الشيعة والسنة اصبح الآن مهمة عاجلة لأهل الفقه." وأضاف قائلاً "إن الإتصالات بين جماعة الإخوان المسلمين و[علماء الدين الإيرانيين] ليس الهدف منها دفع الشيعة لاعتناق [المذهب] السني في الإسلام، وإنما الهدف الأساسي من ورائها هو الامتثال لمهمة الإسلام لتلاقي المذاهب الإسلامية إلى أقصى حد ممكن".

وكانت هناك جوانب تعاونت فيها جماعة الإخوان المسلمين مع إيران بشكل أكثر صراحة. فعند انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية في عام 1988، على سبيل المثال، وافق الإيرانيون من جانب واحد، بناءاً على طلب من أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين "الشيخ محمد الغزالي"، على إطلاق سراح أسرى الحرب المصريين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش العراقي ضد إيران.

وفي الآونة الأخيرة، في 28 كانون الثاني/يناير، قال "محمد مهدي عاكف"، المرشد الحالي لجماعة الإخوان المسلمين، في مقابلة له مع وكالة الأنباء الإيرانية "مهر": "إن [جماعة] الإخوان المسلمين تُدعم مفاهيم وأفكار مؤسس الجمهورية الإسلامية". وأضاف "إن أفكار [آية الله] خميني، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هي استمرار لتوجه جماعة الإخوان المسلمين تجاه محاربة الاحتلال".

مصر في ظل حكم الشيعة: ماضٍ بعيد لكنه [حاضر] في الذاكرة الشعبية

يُعد المصريون أكثر تقبلاً وإيجابية تجاه الشيعة من غيرهم من العرب السنة. وأحد أسباب ذلك هو حكم الأسرة الفاطمية الذي تأسس في مصر في القرن العاشر كفرع للحركة الإسلامية الشيعية. لقد لعبت الأسرة الفاطمية دوراً هاماً في "التلقيح المتبادل" بين إيران ومصر. ويمثل الحكم الفاطمي في مصر الذي دام قرنين من الزمن نقطة بارزة في تاريخ الحضارة الإسلامية في مجال التنمية الاقتصادية والازدهار الثقافي. وحتى الفن في مصر الفاطمية تأثر بالأساليب الإيرانية.

وقد تركت فترة الخلافة الفاطمية انطباعاً دائماً على المصريين، كما أن أثر حكام الشيعة منذ عصور سحيقة لا تزال واضحة في الانفتاح المصري على الممارسات والتقاليد الشيعية، وهو تقبّل غير موجود في أي مكان آخر في العالم السني. ولا يزال المصريون يحترمون الرموز والأيقونات والأماكن المقدسة التي تعود إلى تلك الفترة؛ فعلى سبيل المثال، يؤمن المصريون أن الحسين، الإمام الشيعي الثالث، وأسرته دفنوا في القاهرة، وليس في كربلاء بالعراق. وبالنسبة للمصريين السنة، فإن مقابر الحسين والسيدة زينب (أخته) والسيدة سكينة (ابنته) هي الأماكن الأكثر قدسية في العالم بعد مكة والمدينة المنورة. وكما يفعل إخوانهم الشيعة، فإن السنة في القاهرة يؤدون [طقوس] عاشوراء (إحياء الشيعة لذكرى وفاة الحسين) كل عام. وعلاوة على ذلك، قبلت مصر اللغة الفارسية في القرن التاسع عشر باعتبارها لغة الأدب والعلوم، مما انعكس في الصحف الناطقة باللغة الفارسية التي كانت متاحة في ذلك الوقت.

وعلاوة على ذلك، وبالإضافة إلى تأثير الإسلاميين السياسيين المصريين على علماء الدين الإيرانيين المذكور سابقاً، فقد ساعد علماء الدين الإيرانيون بدورهم على تشكيل [حركة] إعادة بعث الروح الإسلامية في مصر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك في القرن التاسع عشر، هو [المفكر] الإسلامي "سيد جمال الدين الأسد آبادي"، والمعروف أيضاً باسم "الأفغاني". فعندما وصل إلى مصر من دولته الأم إيران، ادعى أنه أفغاني لكي يتمكن من [إقناع] الآخرين ويمرّر نفسه بأنه سني. وقد دعى فكره الجديد إلى وحدة المسلمين وسعى إلى [الحصول] على أجوبة لعلل المجتمعات الإسلامية من خلال "الإسلام الأصيل".

ونتيجة لهذا التاريخ، يتمتع الشيعة ولسنوات عديدة ببعض القبول في مصر، على الرغم من الحقيقة بأن غالبية المصريين في زمن الفاطميين، وحتى اليوم، هم من السنة.

التشيع في مصر الحديثة

في السنوات الأخيرة قلّ قبول التشيع إلى حد ما في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة المصرية أكثر قلقاً تجاه ما تراه تصاعداً للمد الشيعي في المنطقة. ورداً على ذلك، بدأت الحكومة المصرية ووسائل الإعلام الرسمي في شن حملة ضد التشيع والرموز الشيعية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2005، ذكر الرئيس المصري حسني مبارك بأن "معظم الشيعة موالون لإيران، وليس لحكومتهم". وقد أثار تعليقه عدة تظاهرات شيعية، بما فيها مظاهرات ضمت الآلاف من الناس في النجف، وهي المدينة المقدسة لدى الشيعة في العراق. وبعدها أوضح أنه قصد أن الشيعة يتعاطفون مع إيران من حيث وجهة نظرهم الدينية، وليست السياسية.

وفي مناسبات عدة، حذر العالم الديني المصري البارز "الشيخ يوسف القرضاوي"، وهو عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين، من "المد الشيعي" والأنشطة التبشيرية للشيعة والحكومة الإيرانية، وخاصة في مصر. وقال إن "تزايد عمليات تسلل المذهب الشيعي في مصر قد يؤدي إلى حرب أهلية مثل تلك [التي يشهدها] العراق". وقد بذلت الحكومة المصرية جهوداً لتعبئة علماء دين أقوياء وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر ضد جماعة الإخوان المسلمين من أجل محاربة تيار التشيع.

ولا توجد إحصائيات موثوقة حول عدد الشيعة في مصر. وبما أن الشيعة واقعون تحت ضغط من الحكومة المصرية، فإن العديد منهم يتجنبون الاعتراف بديانتهم جهراً. وتشير بعض المصادر الغربية والمصرية (مثل مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية) إلى أن الشيعة يشكلون أقل من واحد في المائة من السكان المصريين (حوالي 657,000). لكن "محمد الدريني"، وهو سني بارز اعتنق المذهب الشيعي، يقول إن العدد يصل إلى مليون ونصف.

كما يدعي "الدريني" أن الشيعة المصريون من الطائفة الإثنا عشرية، وهو نوع من التشيع تتم ممارسته في إيران. لكنه أنكر أي روابط بين الطائفة الشيعية والحكومة الإيرانية. ويقول الدريني "لا يوجد لإيران أي نوع من التأثير علينا"، ويضيف "في بعض الأحيان ينتقدنا الإيرانيون على بعض مواقفنا وتصريحاتنا. يجب أن يعلم الجميع أن التشيع ليس [مذهب] إيراني في الأصل، لكنها عربي، في حين أن المدارس السنية [الأربعة التقليدية] نبعت من إيران". ويرجع جزء من جاذبية التشيع في مصر الحديثة لأسباب سياسية وليست عقائدية في طبيعتها، حيث يرى بعض الشباب المصريين بالتحول إلى اعتناق المذهب الشيعي كوسيلة للاحتجاج على النظام، مثلما يتحول آلاف الشبان الإيرانيين الشيعة سنوياً إلى ديانات أخرى مختلفة لأسباب ترجع جزئياً كرد فعل على طبيعة حكومتهم الشيعية.

خاتمة

في حين لا يزال من غير المرجح حدوث انفراجة في العلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وطهران، فإن النتائج المترتبة على هذا التحالف بالنسبة للولايات المتحدة ستكون مضرة للغاية. ولا تزال إيران تركز على توسيع نفوذها في الخليج الفارسي وخارجه، وكما أن بناء صلات مع أقوى حزب معارضة في الشرق الأوسط سيكون بمثابة قفزة كبيرة إلى الأمام. ولا شك أن الروابط الراسخة والمتنامية بين إيران وحركة «حماس»، فضلاً عن إلقاء نظرة على التاريخ ذات الصلة، يوضح بأنه ينبغي على صناع القرار في الولايات المتحدة أن يراقبوا هذا الاتجاه.

مهدي خلجي

مهدي خلجي هو زميل اقدم في معهد واشنطن، يركز على دور السياسة في الإكليروسية* الشيعية المعاصرة في العراق وإيران.

*الإكليروسية = قبول شخص للعمل ضمن رجال الدين من قبل هيئة دينية