أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

مظهر في القاهرة

ديفيد بولوك و

متاح أيضاً في English

ناشيونال ريفيو

23 حزيران/يونيو 2009


 

تثبت الانتخابات المزورة في إيران والفتنة الأهلية التي أعقبتها، بغض النظر عما يعتقده شعب ذلك البلد حول رغبة الرئيس أوباما بالإحترام المتبادل، تصميم الحكومة الإيرانية على عرقلة ذلك الهدف تماماً. وفي الوقت نفسه، وعلى الجانب العربي من الخليج، يُنظر الآن على نطاق واسع إلى كل من خطاب الرئيس أوباما الرئيسي إلى مسلمي العالم [الذي وجهه] من القاهرة والمستوى الجيد بشكل مدهش الذي أظهره المعتدلون في الانتخابات في لبنان بعد بضعة أيام فقط من ذلك الخطاب، بأنهما يؤشران على "بداية جديدة" (اقتباساً من عنوان خطاب الرئيس) في العلاقات العربية الأمريكية.

ولدعم هذا التحليل، يذكر النقاد نتائج إحصائيات استطلاع للرأي العام يُجرى في بعض الأحيان فى المنطقة. فعلى سبيل المثال، ووفقاً لاستطلاع عبر الهاتف نشر للتو من قبل الحكومة المصرية، يعتقد ما يقرب من 80 في المائة من المصريين بأن خطاب أوباما سيحسن العلاقات مع الولايات المتحدة على الصعيدين الثنائي والإقليمي الأوسع – على الرغم من أن سوى نحو نصف هذا العدد من المصريين ذكروا بأنهم يؤمنون بكل أو بمعظم ما قاله الرئيس الأميركي. وبالمثل، ففي أحدث استطلاع للرأي العام [أجرته مؤسسة] "زغبي إنترناشينوال"، اتفقت الأغلبية في المملكة العربية السعودية، والمغرب، ودولة الإمارات العربية المتحدة على أن "إدارة أوباما ستؤدي إلى حدوث تغيير إيجابي في العلاقات العربية الأمريكية". إن هذه النتائج مدهشة قياساً إلى العدد القليل من الدراسات الإستقصائية المنهجية التي جرت في المنطقة سابقاً، والتي سجلت معظمها تدهوراً في شعبية الولايات المتحدة أثناء إدارة بوش، وخاصة بعد بداية حرب العراق عام 2003.

ومع ذلك، تثير الأرقام الجديدة والتوقعات العامة التي تعززها، مسألتين هامتين. الأولى هي فيما إذا كانت هذه الاستطلاعات موثوقة. وكم من الأهمية يجب أن تعطى للطريقة التي يرد فيها الناس على سؤال محشو، وخصوصاً عندما يكون هناك احتمال بأن يعتقد الكثيرون، وربما بشكل صحيح، بأن حكومتهم تقوم برصد الدراسة؟ فعلى سبيل المثال، يبدو للوهلة الأولى من إحدى استطلاعات الرأي عبر الهاتف التي أجرته في إيران المجموعة الدولية لاستطلاعات الرأي "غد خال من الإرهاب"، بأنه يدعم المزاعم الأولية للحكومة الإيرانية بأن أحمدي نجاد هو الذي فاز [في الانتخابات الأخيرة بنسبة] اثنين إلى واحد [على منافسه الرئيسي مير حسين موسوي]-- إلى أن يدرك المرء بأن الاستطلاع لم يؤخذ عشية الانتخابات، بل أُجري حتى قبل بدء الحملة الانتخابية، وأن أكثر من نصف [الذين شاركوا] في العينة لم يكونوا قد قرروا بعد [لمن سيصوتون] أو رفضوا الإجابة على السؤال. كما أن هذه المجموعة الدولية نفسها، وبمشاركة نفس المستطلع للرأي، كانت قد نشرت في العام الماضي استطلاع عبر الهاتف يبين في الظاهر أن 95 في المائة من السوريين يعتقدون بأن الانتخابات في بلادهم حرة ونزيهة.

علاوة على ذلك، تظهر أحياناً استطلاعات مختلفة تجري في المنطقة، نتائج متفاوتة بصورة عشوائية. فعلى سبيل المثال، عندما أظهر استطلاع [مؤسسة] "زغبي" المذكور أعلاه بأن 79 في المائة [ممن شملهم الاستطلاع] في المملكة العربية السعودية [قالوا بأن لديهم] نظرة إيجابية عن أوباما، سجل استطلاع أجراه "معهد ايبسوس" (IPSOS) بأن ما يقرب من النصف (53 ٪) فقط لهم هذا الرأي – أي بفارق 26 نقطة. وبالنسبة للأردن، كان الفارق بين هذين الاستطلاعين الأخيرين أكبر -- ولكن في الاتجاه المعاكس. فوفقاً لاستطلاع [مؤسسة] "زغبي"، فإن 31 في المائة فقط من الأردنيين يعتقدون بأنه سوف يكون لأوباما أثر إيجابي على المنطقة؛ وأما أرقام "معهد ايبسوس" فهي أعلى بأكثر من الضعف (64 ٪).

والمسألة الثانية، التي هي الأهم: حتى لو كان إحدى هذه الاستطلاعات قد عكس النتائج المتوقعة بصورة تقريبية، فإلى أي مدى علينا أن نبدي اهتماماً بذلك؟ وما الفرق إذا كان العرب أو الإيرانيون يقولون أنهم معجبين بالولايات المتحدة، أو برئيسها، أو بسياستها الخارجية، أم لا؟

من ناحية ما، هذا مهم إلى حد كبير، إذا نفكر [على سبيل المثال] في هجمات 11 أيلول/سبتمبر. ومع ذلك، فإن الجماعات كتلك التي نفذت تلك الهجمات هي [موجودة في الواقع] في هامش المجتمعات التي تعيش بقربها. وسوف لن [تنجح] الولايات المتحدة مطلقاً بكسب قلوبها وعقولها، [ومن ناحيتها] سوف لن تستجيب بصورة مجدية لأي استطلاع للرأي العام. وحتى إن جرت تغيرات كبيرة في مجمل أرقام استطلاعات الرأي فسوف لن تحدث تغييرات كبيرة في التهديدات الإرهابية. وسوف لن يلقي أسامة بن لادن أسلحته لمجرد أن عدداً أكبر من العرب يقولون بأن لديهم صورة إيجابية عن أمريكا.

ولكن ماذا عن الشخص العربي المتوسط؟ هل المشاعر المعادية للأمريكيين، كما تم التعبير عنها في استطلاعات الرأي، لها علاقة بأي من الإجراءات التي تم اتخاذها؟ ليس كثيراً على الإطلاق. ففي السنوات الست الماضية، [وبالتحديد] منذ اندلاع احتجاجات الشوارع المضادة للولايات المتحدة في بداية حرب العراق، انخفضت نسبة حدوث مثل هذه الاحتجاجات في معظم البلدان العربية إلى ما يقارب الصفر. ففي مصر، حيث وقعت بعض من أكبر الاحتجاجات في عام 2003، كان هناك احتجاج واحد فقط مناهضاً للولايات المتحدة في عام 2007. وتدل الأرقام بأن تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة الممنوحة للعرب هي في ازدياد ملحوظ أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2003، وفي بعض البلدان زادت فعلاً عن مستويات عام 2001. كما أن عدد الطلاب العرب [الذين يدرسون] في الجامعات الأمريكية هو قريب جداً من الرقم القياسي الذي وصل إليه في العام الدراسي 2001-2002، حتى في الوقت الذي تقيم فيه الجامعات الأميركية كليات ملحقة بها في مختلف أنحاء المنطقة.

وتظهر العلاقات التجارية بشكل مفاجئ، نمط إيجابي مماثل. فقد ارتفعت الصادرات الأمريكية إلى الدول العربية من 16.3 مليار دولار في عام 2000 إلى 51.8 مليار دولار (بدولارات ثابتة القيمة) في عام 2008. وقد تكون دول الخليج المكان الوحيد الذي [تتوارد] منه أنباء طيبة [لقطاع] صناعات السيارات الأمريكية: فقد زادت صادرات السيارات الأميركية إلى المملكة العربية السعودية أكثر من خمس مرات في الفترة بين 2003 و 2008، وإلى دولة الإمارات العربية المتحدة عشر مرات في نفس الفترة. وتشير شركة «بروكتر اند غامبل» الأميركية بفخر بأن منتجاتها تستخدم في بيوت تسعة من كل عشرة أسر في مصر. وأشارت شركة «كرافت للأغذية» بأن زيادة الطلب في الشرق الأوسط في عامي 2006 و 2007 كان عاملاً أساسياً في نموها في جميع أنحاء العالم. وحتى عندما يدعي العرب كرهم [لمنتجات لها] "سمة أميركية" [إلا أنهم في الواقع] معجبون بتلك التي تعكس علامات تجارية أمريكية.

وماذا عن الحكومات العربية؟ بغض النظر عما يعتقد الجمهور العربي، ليست هناك دواعي لقلق الحكام العرب على الإطلاق تقريباً، من إمكانية قيام السياسات المؤيدة للولايات المتحدة بإطاحتهم من السلطة في انتخابات حرة. وبالفعل، فقد رفعت معظم الحكومات العربية على مدى السنوات الخمس الماضية من مستوى علاقاتها الدبلوماسية، والتجارية، والأمنية مع الولايات المتحدة، وذلك قبل وقت طويل من فوز باراك أوباما بالرئاسة. كما قام الرئيس السابق جورج بوش بتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع الأردن، والمغرب، والبحرين، وسلطنة عمان. وباستثناء سوريا، والسودان، شهدت الولايات المتحدة زيادة في التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب في أنحاء العالم العربي -- مع الحلفاء التقليديين مثل مصر والمملكة العربية السعودية، والأردن، وبلدان أخرى مثل الجزائر واليمن، (وبالطبع مع العراق بعد الإطاحة بصدام حسين)، ناهيك عن التحول الكامل الذي حدث في العلاقات مع ليبيا، من كونها [ديكتاتورية] منبوذة إلى [دولة] شريكة [في أعقاب تخليها عن أسلحة الدمار الشامل].

وباختصار، وبغض النظر عما تعبر عنه استطلاعات الرأي العربية فقد تحسنت باطراد العلاقات مع الولايات المتحدة بصورة عامة -- على كل المستويات الرسمية والشعبية – طوال فترة الولاية الثانية لإدارة الرئيس بوش، التي كانت "غير شعبية إلى حد كبير". ويبدو أن المصالح المشتركة تهم أكثر بكثير من الخطابات التي تتسم بالإحترام [والتي لم تكن من سمات الرئيس بوش]. إن هذا هو الذي حافظ على العلاقات العربية الأمريكية من التدهور اثناء إدارة الرئيس الأمريكي السابق. ومن شبه المؤكد أن تبقى هذه العلاقات قوية خلال فترة رئاسة باراك أوباما، حتى لو لم يستطع الرئيس الحالي مطلقاً تحقيق جميع التطلعات السامية التي أعرب عنها ببلاغة فائقة في القاهرة.

أما بالنسبة لإيران، فإن الحقيقة المرة هي أن جهود الولايات المتحدة من أجل الحوار يجب أن تمر عبر نظام يزداد في عدم شرعيته. وبغض النظر عمن "سيفوز" سلفاً في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، سيبقى هذا النظام [بمثابة سلطة] تكمن مصلحتها الذاتية المعلن عنها، وفقاً للمرشد الأعلى غير المنتخب آية الله خامنئي، في تفادي على وجه التحديد ذلك النوع من تحسن العلاقات مع واشنطن، والذي يعرضه الرئيس أوباما كحافز للتغيير.

 

ديفيد بولوك و كورتيس كانُن

ديفيد بولوك وهو زميل أقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى ومؤلف المجهر السياسي باللغة الانكليزية "استطلاعات رأي مخادعة: استغلال الدول العربية لاستطلاعات الرأي وإساءة استعمالها". كورتيس كانُن هو باحث شاب في زمالة شوسترمان في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى.