أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرات سياسية

ما بين الحياد التام والانخراط الكامل - الخيارات العسكرية الأمريكية في سوريا

تشاندلر أتوود, جوشوا بورغيس, مايكل آيزنشتات, و جوزيف دي. واورو

متاح أيضاً في English

أيار/مايو 2013


أشعلت الحرب الأهلية السورية فتيل صراع طائفي أوسع نطاقاً، يقوم بتغيير الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط  ويشكل تحديات كبيرة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وخارجها. وقد أدى ذلك إلى ظهور بؤرٍ لـ تنظيم «القاعدة»  في شرق البحر المتوسط كما ساهم في تقوية المحور المؤيد لإيران في بلاد الشام (المكوّن من سوريا و «حزب الله» والمقاتلين الشيعة من العراق وأماكن أخرى). ويكاد يكون من المؤكد أن عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب من السنة والشيعة الذين تهافتوا من مختلف القارات إلى سوريا، سوف يتسببون في وقوع مشاكل جديدة عند عودتهم إلى بلدانهم أو هجرتهم إلى مناطق نزاع أخرى. كما أن الأزمة الإنسانية التي نجمت عن النزوح الجماعي للاجئين من سوريا وما خلفّته من تداعيات على استقرار الدول المجاورة، يحتمل أن تزداد سوءاً مع مرور الوقت.

وفي غضون ذلك صدرت تقارير حديثة عن استمرار نظام الأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية، حتى في الوقت الذي ما تزال فيه سوريا تحتفظ بما تبقى من مخزونها الكيميائي "المعلن"، مما يدل على أن انضمام النظام إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية في العام الماضي قد لا يعني نهاية هذه المشكلة.

وفي ضوء عجز الدبلوماسية والعقوبات عن كبح هذه التطورات المأساوية ووضع حد لإراقة الدماء، (التي خلفت حتى الآن أكثر من 150,000  قتيل و9 ملايين مشرد)، يُقال أن إدارة أوباما تعيد النظر في سياساتها البديلة إزاء سوريا - بما في ذلك الخيارات العسكرية.

الغاية والوسيلة

بإمكان واشنطن شن عملية عسكرية، من جانب واحد أو بالتعاون مع ائتلاف من عدة دول، لتحقيق عدد من الأهداف. وبوسعها أن تحاول التأثير على مسار الحرب الأهلية أو نتيجتها - وبذلك تتفادى انتصار نظام بشار الأسد وحلفاؤه («حزب الله» وإيران)، والذي قد يعتبره الكثيرون من الأصدقاء والخصوم على أنه يشكل هزيمةً استراتيجية للولايات المتحدة. وتحقيقاً لهذه الغاية، قد تعمل واشنطن على تقوية المعارضة المعتدلة وإضعاف النظام بهدف إقناعه بأنه يواجه مأزقاً مدمراً أو هزيمة ساحقة إذا لم يسعى إلى حلٍّ تفاوضي.

ومن جهة أخرى، بإمكان واشنطن أن تحاول التخفيف من حدة تداعيات الحرب الأهلية. وفي هذا الإطار قد تسعى الولايات المتحدة إلى ردع نزعة المغامرة لدى النظام السوري الذي تتملكه ثقة متزايدة بأنه قد انتصر في الحرب وقد يميل إلى تسوية حساباته مع العديد من أعدائه. أو يمكنها أن تخفف من معاناة الشعب السوري من خلال تأمين ملاذات إنسانية آمنة محمية بمناطق حظر جوي وتتمتع بحماية الجنود على الأرض.

والخطوة البديلة التي قد تتخذها الولايات المتحدة في هذا السياق هي العمل على ضمان سلامة عدد أصغر من المصالح. فإذا أرادت واشنطن أدلة موثوقة على إحجام سوريا عن التبليغ عن كامل مخزونها من الأسلحة الكيميائية أو على استخدامها ثانية لهذه الأسلحة، بإمكان الولايات المتحدة أن تهدد بالتدخل عسكرياً لإرغام سوريا على التخلي عن أسلحتها الكيميائية المتبقية، أو قد تشن هجوماً عليها من أجل إضعاف ما تبقى من إمكانياتها من الأسلحة الكيميائية أو شلّ حركتها. وفي حال شنّ أنصار «القاعدة» في سوريا هجوماً على الولايات المتحدة أو مصالحها في المنطقة، قد تستطيع واشنطن الرد بضربات بواسطة الطائرات بدون طيار من أجل إعاقة وردع أي اعتداءات إضافية، كما فعلت في باكستان واليمن والصومال.

الخيارات العسكرية

تتوفر أمام الولايات المتحدة خياراتٌ شتى لتحقيق هذه الأهداف. وتعتمد بعضها على الأنشطة غير الحركية، في حين تعتمد أخرى على العمل الحركي بصورة أساسية؛ وتسعى جميع هذه الخيارات تقريباً إلى تغيير البيئة النفسية وحسابات نظام الأسد من حيث المخاطر والمنافع، كما تحاول عزل النظام من خلال إحداث شرخ بينه وبين حلفائه ومؤيديه المحليين والأجانب. من هنا تلعب الأنشطة الإعلامية القوية دوراً جوهرياً في كل منها. وعلاوة على ذلك، يمكن استخدام بعضها بشكل مستقل، بينما يعطي بعضها الآخر النتيجة الفضلى إذا ما تم استخدامها معاً لاستحداث مجالات تكامل. وفي النهاية يمكن تصنيفها وفقاً لمقدار القوة التي تستلزمها ودرجة المخاطر التي تنطوي عليها، من المستوى الأدنى إلى الأعلى، على النحو التالي:    

  • منع نظام الأسد من الوصول إلى الأصول المالية. إنّ العقوبات والعمليات الإلكترونية عبر الإنترنت التي تستهدف أصول أبرز الأطراف الداخلية التابعة للنظام، قادرةٌ على تأجيج التوتر بين أفراد النظام نفسه وبين النظام وحلفائه. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت هذه التدابير قد تؤتي ثمارها في مجتمعٍ منغمس في حربٍ طائفية حيث أن المخاوف من وقوع مجازر تؤدي إلى توحيد أقلياته المختلفة وبذلك تشكل قاعدة دعمٍ للنظام. بالإضافة إلى ذلك قد تتعارض الهجمات الأكترونية عبر الإنترنت مع سياسة ضبط العمليات السيبرانية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية بسبب ضعفها في هذا المجال.
  • تشكيل تهديد جدي باستعمال القوة للضغط على النظام. إن نشر قوات الاستخبارات والرقابة والاستطلاع والهجوم في المنطقة قد يكون مؤشراً على عزم الولايات المتحدة، وقد يعزز معرفتها بالوضع على الأرض، ويفسح المجال أمام المعارضة للقيام بعمليات عسكرية، في حين سيجبر النظام على تحويل موارده من العمليات الجارية ونحو التصدي لأي ضربة أمريكية محتملة. كما أن نشر هذه القوات قد يحث سوريا على تسريع التدابير التي تتخذها للتخلص من سلاحها الكيميائي المتبقي أو قد يردع النظام عن استخدامه مجدداً.
  • تدريب وتجهيز المعارضة. إن بذل الجهود المكثفة لتجهيز المجموعات المعارضة المعتدلة وتزويدها بالمعلومات الاستخباراتية قد يقوّي موقفها إزاء عناصر المعارضة الأكثر تشدداً ويبطل اندفاع النظام في ساحة المعركة، الأمر الذي يهيئ الظروف المناسبة للقيام بعملية دبلوماسية معقولة. ومن شأن هذه الخطوة أن تغيّر مسار الحرب (أو حتى نتيجتها) مع أن الكثير سيعتمد في النهاية على قدرة المعارضة على تعزيز فعاليتها العسكرية والعمل تجاه هدف موحد وتنظيم شؤونها السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النقطة الأخيرة هي الأكثر أهمية، لأن المعارضة المعتدلة التي تجسّد بأعمالها المبادئ التي تدّعي أنها تحارب من أجلها تستطيع أن تتنافس بشكل أفضل ضد جماعات المعارضة المتشددة وتستقطب السوريين الحياديين وأنصار النظام الساخطين إلى صفوف المعارضة. وعلاوة على ذلك، بإمكان تصعيد هذا الخيار أو تخفيفه وفق ما يمليه أداء المعارضة، وديناميات ساحة المعركة، والمصالح الأمريكية.
  • عرقلة إمدادات السلاح للنظام. إن استهداف أهم المطارات السورية بالصواريخ عن بُعد بغية عرقلة العمليات الإيرانية والروسية لإعادة إمداد قوات النظام، يمكن أن يعقّد الجهود التي يبذلها النظام من أجل الحفاظ على الوتيرة الحالية للعمليات والقتال في حرب استنزاف مطوّلة. وعلى النحو نفسه، فإن استهداف المنشآت والممتلكات والقواعد الجوية الضرورية لإعادة إمداد القوات السورية قد يرغم هذه القوات على الاعتماد على طرق برية محدودة لإعادة التموين، والتي قد تعمل المعارضة على منع استخدامها لهذا الغرض.
  • شن هجوم على (و/ أو) احتواء قدرات الأسلحة الكيميائية المتبقية. بوسع الولايات المتحدة شن هجوم بالصواريخ عن بعد من أجل إضعاف أو شلّ المخزون السوري المتبقي من الأسلحة الكيميائية ومنشآتها وذلك لمنع النظام من استخدامها، بينما تستطيع القوات المدربة من قبل الولايات المتحدة ضمان احتواء المخزون والمنشآت متى كان ذلك ممكناً. وقد يلقى هذا المسار قبولاً إذا تبيّن أن سوريا لم تعلن عن كامل مخزونها الكيميائي أو أنها استخدمته مجدداً بالرغم من التزامها بالتخلص منه.
  • ضرب أهم الوحدات العسكرية التكتيكية. بإمكان الولايات المتحدة إطلاق صواريخ عن بعد على الوحدات التي تصدرت الأعمال العسكرية التي يشنها النظام ضد قوى المعارضة والسكان المدنيين - وتشمل هذه الفرقة الرابعة، والحرس الجمهوري، ووحدات صواريخ سكود، وعدد من وحدات الطائرات ذات الأجنحة الدوارة ووحدات الطيران الثابتة. وقد تضعف هذه الضربات قوة النظام القتالية وتغير مسار الحرب، ولهذا السبب قد تستحث سوريا و«حزب الله» على الرد، فضلاً عن أنها قد تؤدي إلى تفاقم التوترات مع إيران وروسيا.
  • شن هجمات بطائرات بدون طيار على العناصر التابعة لـ تنظيم «القاعدة». في إطار الرد على أي اعتداء يتم شنه على الولايات المتحدة أو مصالحها، من قبل الجماعات التي تدور في فلك تنظيم «القاعدة» التي تعمل في سوريا، بإمكان الولايات المتحدة ضرب هذه الجماعات بواسطة طائرات بدون طيار من أجل عرقلة عملياتها المستقبلية وردعها، فضلاً عن  تغيير معادلة التوازن بين العناصر المعتدلة والمتشددة ضمن قوى المعارضة السورية. (يمكن حصر عمليات الطائرات بدون طيار في المناطق التي تفتقر إلى الدفاع الجوي أو تلك التي تم فيها إضعاف الدفاع الجوي للقوات النظامية من خلال عمليات القمع). إن التقارير المتداولة بأن العناصر التابعة لـ تنظيم «القاعدة» في سوريا تخطط لمثل هذه الاعتداءات تجعل من هذا السيناريو احتمالاً معقولاً على نحو متزايد.
  • ضرب أهم الأهداف العسكرية والاقتصادية الاستراتيجية. بإمكان الولايات المتحدة شن هجوم بالصواريخ عن بعد على البنى التحتية العسكرية في سوريا (بما في ذلك منشآت الاستخبارات والقيادة والسيطرة، ونقاط تقاطع الاتصالات ذات الأهمية الجوهرية، ومخزونات زيت الوقود)، وعلى المكونات الحيوية للبنى التحتية الصناعية في البلاد (وخاصة المنشآت ذات الاستخدام المزدوج والصناعات المملوكة من قبل المرتبطين بنظام الأسد وأتباعه)، وكذلك على المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي يستخدمها النظام للتواصل مع أنصاره. ومن شأن مثل هذه الضربات أن تغيّر مسار الحرب، وبالتالي قد تؤدي إلى قيام سوريا و «حزب الله» بشن عمليات انتقامية، إلى جانب زيادة التوتر مع إيران وروسيا.
  • فرض مناطق حظر جوي/ملاذات إنسانية آمنة. باستطاعة القوات الأمريكية وقوات التحالف فرض حظر جوي ضيق [على مناطق محصورة] عند الحدود التركية والأردنية، باستخدامها صواريخ أرض جو من طراز "باتريوت" الموجودة في هذه البلدان، أو بإمكانها فرض مناطق حظر جوي واسعة بعد القضاء على الدفاعات الجوية السورية في المناطق المجاورة. وبذلك يصبح بالإمكان إقامة ملاجئ إنسانية آمنة تخضع لحماية قوات الائتلاف البرية في شمال وجنوب سوريا. إلا أن هذا النوع من المساعي يستلزم نسبة هائلة من القوى البشرية والموارد كما أنه يحتاج إلى "وجود الجنود على الأرض" (لحماية الملاذات الآمنة من هجمات النظام البرية أو تلك التي يشنها وكلاؤه)، ويمكن أن يؤدي إلى التزامٍ مطلق لأن العديد من النازحين داخلياً قد فقدوا منازلهم وليس لديهم أماكن يعودون إليها.

للعدو صوتٌ مدوٍّ: خطر الثأر.

توعّدت سوريا بردٍّ قاسٍ على أي اعتداء تتعرض له، لذا ينبغي على الولايات المتحدة الاستعداد لمثل هذا الاحتمال. ومع ذلك، ففي الواقع استوعبت سوريا مراراً عدة ضربات إسرائيلية دون أن تشن عملية انتقامية - بما في ذلك الهجوم على مفاعلها النووي في الكُبر عام 2007 بالإضافة إلى أكثر من نصف دزينة من الضربات الجوية على أهداف عسكرية في سوريا (وخاصة الأسلحة المعدة للنقل إلى «حزب الله») منذ بداية حربها الأهلية عام 2011. ويعني ذلك أن الأسد قد لا يرد عسكرياً على هجوم أمريكي إذا بقيت قواته منشغلة مع المعارضة وإذا اعتقد أنه سيدفع ثمناً باهظاً على الصعيد العسكري لقاء ردّه. وإذا ما اختار الرد، فالاحتمال كبير بأن يكلف جهة ثالثة بذلك (ويكون ذلك إلى حد كبير بنفس الطريقة التي سهلّت فيها سوريا سابقاً قيام «حزب الله» و «حماس» بشن عمليات ضد إسرائيل، بدلاً من مخاطرتها هي بمواجهة مباشرة). ومع ذلك، فخيارات سوريا محدودة في هذا الإطار، لا سيما وأن العديد من الجهات الممثلة لها والتي كانت تعتمد عليها سابقًاً لم تعد فعالة أو لم تعد موجودة.

وينطبق الأمر نفسه على «حزب الله». فمع وجود الآلاف من مقاتليه في سوريا، لن يستطيع الحزب فتح جبهة أخرى ضد الولايات المتحدة دون تكبده خسائر. كما أن قدرته على شن هجمات إرهابية ما وراء البحار قد تضاءلت على مدى الأعوام الماضية وتم تقييدها من قبل الولايات المتحدة بفضل التحسن الجذري في قدرات أمريكا وإسرائيل في مكافحة الإرهاب منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر. غير أن «حزب الله» قد يعتبر أي تهديد لصمود نظام الأسد بمثابة تهديد لوجوده حيث أنه سيكون على الأرجح الهدف التالي للعديد من الجهاديين السنة. لذلك فإنه قد يسعى إلى ردع التحرك الأمريكي دون أن يصبح هو نفسه هدفاً أمريكياً.

وهو الأمر بالنسبة لإيران التي تجنبت عدة مرات المواجهات المباشرة والمغامرات العسكرية الأجنبية التي قد تكون كلفتها مرتفعة، وذلك عندما تعرضت مصالحها الحيوية للخطر؛ وسوف تتحاشى على وجه الخصوص المواجهة مع الولايات المتحدة نيابة عن حليفها السوري. (وبالفعل حين بدا سابقاً أن النظام السوري محكوم عليه بالهزيمة، توجّهت إيران إلى جسّ نبض أعضاء المعارضة - على الرغم من أن بعض المتشددين الإيرانيين سوف يقولون دون شك بأنه يجب عمل كل ما هو ضروري للحفاظ على استقرار نظام الأسد). وفي حال مقتل عناصر إيرانية في الضربة العسكرية الأمريكية على سوريا، ستشعر طهران بالتأكيد أنها بحاجة إلى الرد، مع أن اعتبارات مختلفة ستؤثر على مثل هذا القرار، وقد يملي عليها حذرها إرجاء عملية الردّ.

وبالتالي فإن احتمال الرد الانتقامي والتصعيد من قبل سوريا وحلفائها يعتمد إلى حدٍّ كبير على مدى انشغالهم مع المعارضة، ونظرتهم إلى عزم الولايات المتحدة، وعلى مدى تهديد التحرك الأمريكي المباشر على مصالحهم الحيوية. ومن هذا المنطلق، يحتمل ألا يتسبب التحرك الأمريكي غير المباشر أو التدريجي بردٍّ انتقامي. فتلك الأطراف التي تتجنب المخاطر قد تفضّل الردّ على التحرك العسكري الأمريكي عبر شبكة الإنترنت. وفي الواقع، إن "الجيش السوري الألكتروني" كان قد هاجم بالفعل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة ودول أخرى.

الاستنتاجات

على الرغم من أن الدبلوماسية والعقوبات لم تحقق النتائج المنشودة في سوريا، ما زالت الإدارة الأمريكية قلقة من أن يجرّها أي تحرك عسكري، مهما كان محدوداً، إلى حربٍ أخرى في الشرق الأوسط، وهذا أمرٌ ينتهك أحد أهم مبادئ سياستها الخارجية. كما أنها قلقة من أن يؤدي التحرك العسكري إلى تقويض اثنين من إنجازاتها البارزة على مستوى السياسة الخارجية، وهما صفقة القضاء على السلاح الكيميائي السوري والمفاوضات النووية الجارية مع إيران. وفي الواقع أن هذه الاعتبارات الشاملة سوف تستمر في تقييد الخيارات الأمريكية في سوريا. ومن غير الواضح كيف ستؤثر التقارير الجديدة عن [استعمال] السلاح الكيميائي السوري - إذا تم التحقق منه - على هذه الحسابات.

وفي حين أن الميل إلى عدم التدخل عسكرياً في سوريا أمراً مفهوماً، إلا أنه يحفل بالمخاطر بشكل متزايد: وتشمل هذه وجود موطئ قدم لـ تنظيم «القاعدة» وتنامي النفوذ الإيراني في بلاد الشام؛ وقيام جيل جديد من الجهاديين الذين سيبحثون عن فرص جديدة في أماكن أخرى؛ ووجود أجواء اجتماعية متوترة وانعدام استقرار سياسي في الدول المجاورة (بما فيها عدة دول حليفة للولايات المتحدة)؛ وتعاظم النزاع الطائفي في المنطقة؛ وتشكيك الحلفاء والأعداء على حد سواء في مصداقية الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يدفع المناطق الأخرى إلى وضع عزم الولايات المتحدة قيد الاختبار (لاحظ ما فعلته روسيا في أوكرانيا). وعلاوة على ذلك، فمن خلال إحجام واشنطن عن التحرك، تخاطر بحصر نفسها بدور المتفرّج في نزاعٍ له تداعيات واسعة النطاق على مصالحها.

وإذا ما سعت واشنطن إلى التأثير على مجرى الأحداث السورية بشكل أكثر استباقيةً، فتتوفر أمامها مجموعةٌ من الخيارات العسكرية التي تنطوي على درجات متفاوتة من الالتزام والمخاطر لا تصل إلى مستوى الغزو الكامل - وإن ليست هناك ضمانات لتحقيق ما قد يعتبره الكثيرون "نجاحاً". وفي نزاعٍ لن يُسفر عن أي نتائج حسنة (إذ فات الأوان على التحدث عن مثل هذه النتائج مع هذا العدد الهائل من القتلى والنازحين)، لعل التحرك من أجل تجنب حدوث نتائج أسوأ - للشعب السوري وشعوب المنطقة، والأهم من ذلك لمصالح الولايات المتحدة - هو الحل الأفضل الذي يؤمَل تحقيقه. إن كيفية معالجة واشنطن للتوتر بين مخاطر عدم التدخل التي تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وبين مخاطر التدخل غير المؤكدة بطبيعتها، قد تحدد بحقّ مستقبل سوريا والشرق الأوسط ودور الولايات المتحدة في تلك المناطق وخارجها للسنوات القادمة.

 

الرائد تشاندلر أتوود، من سلاح الجو الأمريكي، هو زميل زائر للشؤون العسكرية في معهد واشنطن.  المقدم جوشوا بورغيس من سلاح الجو الأمريكي، هو زميل عسكري زائر في معهد واشنطن. مايكل آيزنشتات هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن. العقيد جوزيف واورو حاصل على درجة الماجستير في الأمن القومي وصنع السياسات من كلية الحرب البحرية وكان قد خدم مؤخراً في العراق كجزء من "عملية حرية العراق"، وفي أفغانستان عام 2010.