أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2204

تقييم الاستراتيجية الأمريكية في المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية: تقرير رحلة إلى الشرق الأوسط

روبرت ساتلوف

متاح أيضاً في English

5 شباط/فبراير 2014


"يستند هذا المرصد السياسي على الملاحظات التي أدلى بها المدير التنفيذي لمعهد واشنطن روبرت ساتلوف في منتدى سياسي في 4 شباط/فبراير. شاهد الفيديو أعلاه للحدث بأكمله، بما في ذلك العروض التي قدمها المستشار السابق للأمن القومي ستيفن هادلي والزميل المتميز في زمالة وليام ديفيدسون في المعهد دينيس روس."

 

في ظل دوامة الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط، يحظى الإسرائيليون بجو من الهدوء النسبي والازدهار الحقيقي. والأحداث الخارجية - بدءاً من الثورة المضادة في مصر وتعميق الحرب الطائفية في سوريا وإلى انتشار النفوذ الإيراني عبر المنطقة - ينبغي أن تثير مخاوف عميقة، لكن الطبقة السياسية منهمكة في السياسات والدبلوماسية المتعلقة بالمفاوضات مع الفلسطينيين.

ولم يكن من المفترض أن يأتي التوقيت على هذا النحو. فقد توقع الإسرائيليون بشكل منطقي جداً أن يكون هناك وضوح بشأن المسألة النووية الإيرانية قبل أن يضطروا إلى اتخاذ قرارات بشأن القضية الفلسطينية. ولم يظهر هذا التوقع بسبب وجود روابط إقليمية مباشرة بين القضيتين - لا توجد روابط كهذه - بل لأن الإسرائيليين ترقبوا جدولاً زمنياً يثبت لهم من خلال تسوية القضية الإيرانية فيما إذا كانت الولايات المتحدة ستصبح شريكاً ثابتاً وموثوقاً في عملية السلام. بيد، يُطلب من إسرائيل الآن اتخاذ قرارات حاسمة بشأن القضية الفلسطينية بدون ذلك الوضوح، بل والأسوأ من ذلك، يأتي هذا في ظل شكوك عميقة حول مضمون وتوجه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

استراتيجية - أوباما 1 مقابل أوباما 2

اعتمدت إدارة أوباما الثانية استراتيجية مختلفة كثيراً تجاه عملية السلام عن تلك التي اتبعتها عندما تسلم الرئيس الأمريكي السلطة في عام 2009. فقبل خمس سنوات، تم تعريف السلام في الشرق الأوسط بأنه يأتي على قمة أولويات الإدارة، فقد كان أوباما منخرطاً فيه شخصياً، كما اعتُبر وقف بناء المستوطنات عاملاً رئيسياً لإحراز تقدم. وقد أدى ذلك النهج إلى طريق مسدود. أما اليوم، فلا تعتبر عملية السلام أولوية قصوى، والرئيس الأمريكي غير منخرط شخصياً، ولا تشكل المستوطنات محور الدبلوماسية.

ويستطيع الأمريكيون أن يجادلوا عن صواب عما إذا كان من المنطقي أن يستثمر وزير خارجيتهم جون كيري الكثير من وقته وجهده في هذا المجال. ولكن بغض النظر عن ذلك الجدال، ينبغي على المرء أن يتعرف على تماسك وحكمة نهج كيري التكتيكي في التعامل مع هذه القضية حتى الآن.

وعلى النقيض من استراتيجية أوباما عام 2009، تقوم استراتيجية كيري الأولية في عام 2014 على "احتضان" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسؤاله بصفة أساسية "ما الذي تريده؟". واستجابة لذلك أعطى نتنياهو رداً محدوداً ودقيقاً - تواجد عسكري إسرائيلي في وادي الأردن، واعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. والمثير للاهتمام أنه لم يركز على نطاق المطالب الإقليمية الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين انطلق كيري لكي يلبي طلب نتنياهو ويبدو أنه مستعد لتحقيق أغلبها.

ولهذا من المرجح أن تستجيب الحكومة الإسرائيلية لوثيقة الإطار الأمريكية الجديدة بـ "نعم، ولكن" وليس بـ "لا، أبداً" أي [بالموافقة مع إبداء التحفظات وليس بالرفض بصورة قاطعة]. إن المزايا التي ستعود على إسرائيل هائلة، كما أن تكاليف الرفض مرتفعة، ولم يتم بعد التوصل إلى تحديد واضح للالتزامات التي سيُطلب من إسرائيل تقديمها - رغم أنه يحتمل أن تكون كبيرة. على سبيل المثال، إن الالتزام بالتفاوض على أساس حدود 1967 بالإضافة إلى تبادل أراضي متفق عليها قد تكون مسائل مشحونة سياسياً، لكنها لا تحدد مسبقاً تحقيق أي نتيجة محددة. وفي هذا السياق، لا يبدو أن العملية قد وصلت إلى نقطة يتعين معها على نتنياهو الاختيار بين ائتلافه السياسي الداخلي والتحرك الدبلوماسي مع الفلسطينيين. ورغم كل هذا الضجيج، لا يبدو أن أي محتوى للاتفاق الإطاري تحدثت عنه التقارير يصعب القبول به للغاية بحيث لا يستطيع وزير الاقتصاد نفتالي بينيت أو وزير الدفاع موشيه يعلون التعايش معه. وفي النهاية قد يأتي اليوم الذي يتعين فيه على نتنياهو أن يتخذ قراراً بين بيته السياسي في حزب الليكود الذي لا يرحِّب به بشكل متزايد واحتمالات تحقيق انفراجة دبلوماسية حقيقية، وذلك إذا كان الاتفاق المستقبلي جاهزاً وجذاباً بشكل كافٍ، لكن ذلك اليوم لم يحن بعد.

الأخطاء الأمريكية

يستحق الوزير كيري قدراً من التعاطف والتفهم لتعامله مع هذه المهمة المستعصية بقليل من الدعم من البيت الأبيض. وفي الواقع أنه لو صحت تقارير محددة، فإن البيت الأبيض تدخّل بشكل ما في جهوده. فتعليقات الرئيس الأمريكي في خطابه عن حالة الاتحاد حول هذه المسألة - وعلى وجه التحديد الإشارة الغامضة إلى أن "الدبلوماسية الأمريكية" هي بمثابة المظلة التي تجمع المشاركين في محادثات السلام - قد تُرجمت في بعض الدوائر على أنها إهانة لكيري، الذي كان التزامه الشخصي المحرك الرئيسي لأي تقدم أُحرز مؤخراً.

ومع ذلك فقد اقترف كيري بعض الأخطاء. أبرزها عادته في الإفراط في إقناع الإسرائيليين بقضيته عند بيان الفوائد التي ستعود عليهم من اتفاق السلام وبيان تكاليف الإخفاق في التوصل إلى اتفاق.

وفيما يتعلق بالفوائد، يود كيري إغراء الإسرائيليين بالفكرة بأن الاتفاق مع الفلسطينيين سوف ينشط الوعد الذي تعهدت به "مبادرة السلام العربية" بالاعتراف بإسرائيل من قبل العالمين العربي والإسلامي الأوسع نطاقاً. وفي الواقع أن القراءة الوثيقة لتلك المبادرة - التي اقتُرحت في البداية من قبل السعوديين عام 2002 وتم تأكيدها مجدداً منذ ذلك الحين - تظهر أنه يتعيّن على إسرائيل التوصل إلى اتفاق سلام على كلا الجبهتين الفلسطينية والسورية قبل أن يسري أي التزام بالاعتراف من قبل العالمين العربي والإسلامي. ومن الواضح أن فرص التوصل إلى اتفاق بشأن الجولان مع الحكومة السورية الحالية أو أي خليفة محتملة لها قريبة من من الصفر. لذا يستطيع كيري أن يضمن مساهمة مفيدة في عملية صنع السلام من خلال إقناع جامعة الدول العربية بتعديل المبادرة، وجعل الالتزام الوارد بها مرهوناً فقط بالتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.

وفيما يتعلق بتكاليف الفشل، يحتاج كيري إلى إيجاد طريقة للتحدث مع الإسرائيليين بدون إثارة أسوأ مخاوفهم. فعندما يُنصت الإسرائيليون إلى المسؤولين الأمريكيين بشأن شبح المقاطعة والعزلة السياسية، فإنهم يرون ذلك تحذيراً توجيهياً، وليس تقييماً تحليلياً. وعندما يقول الأمريكيون إن القرارات المصيرية حول السلام يجب اتخاذها "الآن أو عدم اتخاذها مطلقاً"، فإن الإسرائيليين يفهمون ذلك على أنه ضغطاً وليس تشجيعاً. من الأفضل بكثير للمسؤولين الأمريكيين أن يسمحوا للإسرائيليين بتولي زمام القيادة في هذا الشأن، كما فعل وزير المالية يائير لابيد ووزيرة العدل تسيبي ليفني، بدلاً من جعل أنفسهم أهدافاً سهلة للسياسيين الذين ينتقدون أي دبلوماسية.

وبالإضافة إلى هذه الأخطاء، فإن السياسة الأمريكية الحالية حول عملية السلام تفتقر إلى أربعة بنود جوهرية: (1) جهود حاسمة لبناء دائرة فلسطينية تدعم اتخاذ قرارات صعبة بشأن صنع السلام؛ (2) تقدير الفرص التي تنهمر من ضعف «حماس» الحالي؛ (3) الاستثمار رفيع المستوى في الجهود التدريجية التصاعدية [من الأسفل إلى الأعلى] التي تناسب النهج التدريجي التنازلي [من الأعلى إلى الأسفل] الحالي؛ و(4) الإعلان علناً عن التكاليف التي سيدفعها الفلسطينيون حال رفض زعمائهم لاتفاق الإطار الأمريكي.

·     في الوقت الذي يقضي فيه مسؤولون أمريكيون الكثير من الوقت في محاولة للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي، لا يبذل هؤلاء المسؤولون أي جهد تقريباً لبناء دائرة فلسطينية تدعم السلام. إن الفكرة التقييدية المتمثلة بالحصول على كل شيء أو لا شيء التي يصر عليها المتطرفون لا تروق للعديد من عموم الفلسطينيين الذين لديهم الرغبة في الوصول إلى مقايضات وتسويات مستنيرة سعياً لتحقيق السلام. ويحتاج هؤلاء الفلسطينيون إلى الاطلاع على بواطن الأمور والتمكين لكي يستطيعوا ترتيب أولويات تفضيلاتهم على غرار ما تطلبه واشنطن من الإسرائيليين. وهذا يعني بيان فوائد صنع السلام مع التحلي بالأمانة القاسية تجاه الفلسطينيين بشأن اختياراتهم مثلما يفعل المسؤولون الأمريكيون مع الإسرائيليين. على سبيل المثال، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يبيّنوا للفلسطينيين الاختيار الأساسي بين الدولة و "العودة"، فضلاً عن إزالة الغموض عن فوضى "الترتيبات الأمنية" من خلال تبيان تفاصيل العدد الصغير بشكل مدهش للقوات الإسرائيلية المنتشرة حالياً على طول نهر الأردن.

·     إن ضعف «حماس» الاستراتيجي - الذي ينبع من خسارة الحركة لحلفاء راديكاليين، والاغتراب الذي تواجهه من قادة مصر الجدد، وعوامل أخرى - هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل المنطقة تحظى بلحظة هي الأكثر مواتاة لصنع السلام على مدى عقد من الزمن. لكن لا يبدو أن الإسرائيليين أو الفلسطينيين يريدون التحدث عن طرق استغلال نقطة الضعف هذه. إن هذه فرصة ضائعة.

·     على مر السنين، تأرجحت واشنطن بين دبلوماسية رفيعة المستوى تعتمد على نهج تدريجي تنازلي، وعمل تفصيلي جوهري يعتمد على نهج تدريجي تصاعدي لبناء فعالية السلطة الفلسطينية؛ ولم تبذل أي إدارة أمريكية استثمارات قوية في كلا الجانبين بشكل متزامن. وفي عملية السلام يعادل ذلك - السير ومضغ العلك في آن واحد: لماذا لا يمكن فعل ذلك؟ إن السماح بركود السلطة الفلسطينية في حين يركز الدبلوماسيون فقط على الدبلوماسية رفيعة المستوى هو صيغة لكارثة [مدوية].

·     تواجه عملية السلام مأزقاً متناقضاً. فالدبلوماسية الحالية أصبحت ممكنة بفضل سنوات من التعاون العملي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية حول المسائل الأمنية والاقتصادية. وفي الوقت ذاته، إن عدم رغبة أياً من الجانبين بالفشل في المفاوضات على نحو يعرض تعاونهم العملي للخطر هو أحد الأشياء التي تعترض طريق تحقيق انفراجة. وعلاوة على ذلك، يعلم الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن تكلفة رفضه لمقترحات كيري لن تكون قطع المعونات المالية، لأن إسرائيل ستكون أول من يطلب من واشنطن الاستمرار في ضخ الأموال للسلطة الفلسطينية.
 

لذا يتعين على المسؤولين الأمريكيين تحديد مجموعة بديلة من التكاليف لعباس. وإحدى هذه الأساليب هي أن تبدأ الولايات المتحدة وجِهات فاعلة دولية أخرى في مواءمة سياساتها مع تفضيلات عملية صنع السلام. ويقيناً، لن تكون إسرائيل راضية من الجهود الدولية التي تفرق بين "الكتل" الاستيطانية - أي مجموعات كبيرة من المجتمعات التي تقع بالقرب من حدود عام 1967 وتعد موطناً لنحو 80 في المائة من المستوطنين الإسرائيليين - والمستوطنات خارج هذه الكتل. بيد سيتضرر الفلسطينيون بشدة من الإجراءات التي تضفي الشرعية على الكتل الاستيطانية، وتمنع تمويل أنشطة اللاجئين التي تعزز سراب "العودة"، وتمنح صفة قانونية لوجود عاصمة إسرائيل في القدس. وتستطيع واشنطن بدلاً من ذلك أن تبدأ في التنسيق مع إسرائيل بشأن فكرة الانسحاب أحادي الجانب من جزء كبير من الضفة الغربية، وهي فكرة بدأت تحظى بتأييد كـ "خطة ب" بين قطاعات عديدة من المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل.  إن ضخ هذه الأفكار في أثير عملية السلام سوف يبرز التكاليف الفعلية التي يمكن أن يتكبدها الفلسطينيون حال رفضهم خطوات مشروعة للمضي قدماً.

إذا اتخذت هذه الإجراءات مجتمعة فسوف تشكل أجندة متوازية قد تكون ضرورية لتمكين إحراز تقدم حقيقي. وحتى مع كل الجهود التي يستثمرها الوزير كيري في عملية السلام، من المهم التأكيد على أن هناك الكثير من المواضيع التي ما يزال يتوجب القيام بها.