أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مقابلات وعروض تقديمية

تقييم محادثات إيران و«مجموعة الخمسة زائد واحد» مع اقتراب الموعد النهائي

مايكل هيرتسوغ

متاح أيضاً في English

المركز البريطاني الإسرائيلي للاتصالات والأبحاث ("بيكوم")

15 تشرين الأول/أكتوبر 2014


"هذه المقالة نُشرت أصلاً في 15 تشرين الأول/أكتوبر، وتم تحديثها في 10 تشرين الثاني/نوفمبر"

"في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، انتهت المفاوضات النووية في العاصمة العُمانية مسقط بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من جهة ومنسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين أشتون ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري من جهة أخرى، دون التوصل لأي صفقة مع إيران. ومع اقتراب الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق شامل حول برنامج إيران النووي، الذي حُدد له الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، تحدّث الجنرال (احتياط) مايكل هيرتسوغ - زميل زائر أقدم في المركز البريطاني الإسرائيلي للاتصالات والأبحاث ("بيكوم") وزميل "ميلتون فاين" الدولي في معهد واشنطن - مع الدكتور توبي غرين مدير البحوث في مركز "بيكوم"، حول الفرص المتاحة للتوصل إلى اتفاق وعن المخاوف الإسرائيلية بشأن المحادثات".

 

غرين: ما هو تقييمك للطريقة التي تم فيها تطبيق الاتفاق المؤقت على مدى العام الماضي؟

هيرتسوغ: كانت حصيلة الاتفاق المؤقت منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى حد الآن متفاوتة جداً. فمن جهة، أدى الاتفاق إلى تجميد بعض الأنشطة النووية الإيرانية، تقليصها أو وضع حدّ لها، ويشمل ذلك تراجعاً في مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، علماً بأن هذا المخزون يشكل خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد وضعه أمام الأمم المتحدة قبل بضع سنوات. وليس هناك شك في أن الاتفاق المؤقت عزز أيضاً من عملية مراقبة البرنامج النووي الإيراني وحافظ على معظم العقوبات التي يتم تطبيقها.

ولكن من ناحية أخرى، بإمكان عكس كل ما قدمه الإيرانيون في الاتفاق المؤقت. فقد سُمح لهم بالحفاظ على العناصر الرئيسية من برنامجهم، بما فيها أنشطة البحث والتطوير، وبناء المفاعل في مدينة آراك، ولكن من دون تركيب دورة الوقود. ورغم أنه يتم العمل بمعظم العقوبات، هناك بالتأكيد تقلّص ملحوظ في الضغط الممارس على إيران بسبب تخفيف بعض العقوبات.

وإلى جانب ذلك يبرز العنصر الهام جداً الكامن في الأبعاد العسكرية المحتملة لبرنامج إيران النووي، والتي ليست موضع نقاش بين إيران و«مجموعة الخمسة زائد واحد»، بل بين إيران و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية". فوفقاً لتقارير "الوكالة"، لم تكن إيران متعاونة في هذا السياق.

ويبرز قلق عميق في إسرائيل إزاء الحقيقة أن الإيرانيين قد مُنحوا تنازلَين كبيرَين في الاتفاق المؤقت، الأمر الذي قد يصعّب في النهاية من عملية التوصل إلى اتفاق دائم وجيد. وقد كمن التنازل الأول في السماح لهم بتخصيب اليورانيوم على أراضيهم الخاصة، بينما جاء التنازل الثاني في النص القائل أنه بعد انقضاء الفترة الزمنية للاتفاق الدائم - أياً كان الإطار الزمني المتفق عليه بين الطرفين - فسيتم التعامل مع إيران مثل أي طرف دولي آخر، من دون ضغوط أو عقوبات.

غرين: التقى هذا الأسبوع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين أشتون ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري في العاصمة العُمانية مسقط. وترد تقارير عن وجود فجوات كبيرة بين الطرفَين. ما هو تقييمك لفرص التوصل إلى اتفاق في هذه المرحلة، وما الذي سيحدث في حال عدم التوصل إلى اتفاق كهذا؟

هيرتسوغ: يبدو على  الأرجح أن الطرفَين لن يتوصلا إلى اتفاق شامل بحلول الموعد النهائي في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، وبالتالي سيترتب عليهما اتخاذ قرار بشأن كيفية المضي قدماً. وفي هذا الصدد، تتعلق الفجوتَان الرئيسيتَان بما يلي: أولاً، بتخصيب اليورانيوم. فعلى الرغم من أن «مجموعة الخمسة زائد واحد» تريد من إيران أن تقلل من أجهزة الطرد المركزي المشغّلة التي يبلغ عددها حوالي 10 آلاف (وعدد مماثل من الأجهزة غير المشغّلة) إلى حوالي 1500 وربما أكثر (إذ وردت تقارير تشير إلى قيام استعداد للنظر في بناء 4500 جهاز في ظل ظروف معينة)، إلا أن الإيرانيين ليسوا على استعداد لقبول ذلك. بالإضافة إلى هذا، يطالب الإيرانيون بأن يُسمح لهم بعد بضع سنوات بتوسيع ترسانتهم من أجهزة الطرد المركزي، مشيرين إلى الحجة بأن صفقتهم مع روسيا لتوفير الوقود لمفاعل بوشهر تنتهي في عام 2021. وبالطبع ليس هذا سوى عذراً لأن الروس مستعدين كل الاستعداد لمواصلة تقديم هذا الوقود. وأساساً، يتعلق النقاش الدائر حول عدد أجهزة الطرد المركزي ونوع اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي يمكن لإيران الإحتفاظ به وكميته، بقدرة طهران على تجاوز العتبة النووية؛ أي بالمدة الزمنية التي سيسمح لهم الاتفاق بتجاوز العتبة النووية والتحول نحو إنتاج سلاح نووي، إذا ما قرروا ذلك.

أما الفجوة الكبرى الثانية فتتعلق بالإطار الزمني للاتفاق. في هذا الصدد، تفكّر «مجموعة الخمسة زائد واحد» في مدة زمنية طويلة تصل إلى 20 عاماً، في حين يحاول الإيرانيون تقليص هذه المدة إلى أقل من عشر سنوات. إن ذلك مهم جداً لأنه، وكما ذُكر آنفاً، وفقاً للاتفاق المؤقت سيتم التعامل مع الإيرانيين بشكل طبيعي مثل أي طرف دولي آخر، من دون أي عقوبات أو قيود خاصة عند انتهاء هذا الإطار الزمني. لذلك، إذا كان هذا الإطار الزمني قصيراً، على إيران ببساطة التمسك بالاتفاق لمدة بضع سنوات تصبح من بعدها متحررة من القيود.

ولكن إذا لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق بحلول 24 تشرين الثاني/نوفمبر، فستُطرح عدّة خيارات، إحداها وقف المفاوضات والتراجع عن الاتفاق المؤقت. إلا أن هذا الأمر مستبعد جداً لأنه يضعهما على مسار يؤدي إلى المواجهة. ففي هذه الحالة، سيتمكن الإيرانيون من الاستمرار في توسيع نطاق برنامجهم النووي، ومن جهة أخرى سيستمر المجتمع الدولي في فرض العقوبات، وربما تكون عقوبات معززة. وليس لدى الغرب أي رغبة في مواجهة إيران، ويزداد هذا الموقف تأكيداً في الوقت الذي تبرز فيه نظرة في الغرب مفادها أنه يحتاج إلى التعاون مع إيران ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية».

غير أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يوافق  الطرفان على تمديد الاتفاق المؤقت، فقد سبق لهما أن تحدثا في الأمر علناً. وقد يكون هذا التمديد لشهرين، أي ما يصل إلى عام واحد من تاريخ تنفيذ الاتفاق المؤقت (20 كانون الثاني/ يناير)، أو حتى أبعد من ذلك. وفي هذا الصدد، من الممكن أن تطرأ بعض التغييرات، مثل قيام واقع مؤقت شبه دائم يطبق فيه الطرفان بعض النقاط التي يتم التفاهم والاتفاق حولها ويواصلان التفاوض حول العناصر الأخرى.

غرين: كانت هذه المسألة مرة أخرى الموضوع الرئيسي لزيارة رئيس الوزراء نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة ولقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن. ونظراً لما وصلت إليه هذه المحادثات، ومع استعداد «مجموعة الخمسة زائد واحد» للسماح لإيران بالحفاظ على بعض القدرة على تخصيب اليورانيوم، ما الذي سيطمح نتنياهو إلى تحقيقه؟

هيرتسوغ: الموقف الإسرائيلي هو أن عدم ابرام إتفاق أفضل من إبرام إتفاق سيئ، وهذا نقلاً عما كان يقوله بعض كبار المسؤولين الأمريكيين. ولكن ذلك يؤدي إلى طرح السؤال حول ماهية الاتفاق الجيد والاتفاق السيئ. فوفقاً للموقف الإسرائيلي الرسمي إن الاتفاق الجيد يترك إيران من دون أي قدرة على تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ومن دون أجهزة الطرد المركزي ومن دون مخزون اليورانيوم، ويجعل إيران تحصل على كل ما تحتاج إليه من الخارج، تماماً كما تفعل عدّة دول أخرى. إلا أننا ندرك جميعاً أن هذا لن يحدث؛ فقد تم السماح لإيران في إطار الاتفاق المؤقت بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.

لذا فإن النقاش يتركز الآن على المنطقة الوسط بين ما هو اتفاق سيئ لا يترك سوى وقت قصير جداً قبل تجاوز العتبة النووية، وبين اتفاق جيد دون وجود أجهزة طرد مركزي ودون تخزين اليورانيوم على الأراضي الإيرانية. ولكن أعتقد أن النقاش بالنسبة لإسرائيل هو أعمق من مجرد عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصب التي يمكن لإيران تخزينها. فهو شعور عميق بأن «مجموعة الخمسة زائد واحد»، أي الدول الغربية، حريصة على إبرام الصفقة أكثر من حرص إيران عليها، وبأن هناك عزيمة غير كافية لفرض اتفاق معقول على إيران، وبأن الغرب قد يقدم المزيد من التنازلات التي تسمح لإيران في النهاية بفرض نفسها كدولة قد تلجأ إلى الأسلحة النووية، إما من خلال اتفاق غير مناسب أو عبر واقع مؤقت شبه دائم.

غرين: ما الذي يمكن لإسرائيل ورئيس وزرائها فعله بغية التأثير على النتيجة إلى جانب تعزيز القضيّة بقدر الإمكان؟

هيرتسوغ: تُجري إسرائيل مناقشات وثيقة ومستمرة مع الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في «مجموعة الخمسة زائد واحد»، ولكن أعتقد أن الموقف الإسرائيلي الرسمي المعلن، الذي يقوم على عدم التخصيب وعدم وجود أجهزة طرد مركزي وعدم تخزين الأسلحة بشكل تام، يجعل من الصعب على إسرائيل التأثير في النقاش. ومع ذلك، فمن الأوجه التي تركز عليها إسرائيل وهي محقة بذلك، هو قلقها من أن يدفع التهديد المتصاعد الذي تطرحه «داعش» في العراق وسوريا، وبسبب تلاقي المصالح بين الغرب وإيران في مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية»، فإن «مجموعة الخمسة زائد واحد» ستقدم تنازلات إضافية لإيران بغية كسب تعاونها ضد «داعش».

يعتبر الإسرائيليون، وأعتقد أنهم على حق، أنّه يجب على تلك الدول ألا تقدم أي تنازلات لإيران لكسب تعاونها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، فذلك يصب في مصلحتها الخاصة. والأهم من ذلك أن إسرائيل ترى أن المحور الشيعي بقيادة إيران لا يقل خطراً عن تهديد «داعش». فهو محور إسلامي متطرف تقوده قوة إقليمية - على عكس تنظيم "الدولة الاسلامية" - ويطمح إلى أن يصبح قوة نووية ولديه أتباع أقوياء وفاعلين جداً في المنطقة مثل «حزب الله» الذي يملك أكثر من 100 ألف صاروخ. لهذا السبب يعتقد الإسرائيليّون أنّ المحور الشيعي في هذه المرحلة هو أكثر خطورة من تنظيم «داعش»، من دون التقليل من خطر هذا الأخير أو من أهمية التحالف ضده. إذ تقول إسرائيل لدول «مجموعة الخمسة زائد واحد»: في الوقت الذي تشكلون فيه تحالفاً يضم قوى إقليمية ودولية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» لا تُغفلوا ضرورة منع إيران من التحول إلى دولة قادرة على إنتاج أسلحة نووية، إذ أن هذا قد يغيّر من المعادلة الإقليمية برمتها، ولن يصب ذلك في مصلحة المنطقة ولا الغرب.

غرين: في بداية تشرين الأول/أكتوبر، شهدت منشأة عسكرية إيرانية انفجاراً غامضاً آخر وقع هذه المرة في منطقة پارشين، الموقع الذي يثير شكوك "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بأن إيران تختبر فيه مشغلات الأسلحة ‏النووية. استناداً إلى التقارير التي قرأناها ما الذي يمكننا استنتاجه مما يحصل هناك؟

هيرتسوغ: أعتقد أن هذا الحدث يسلط الضوء على عدم تعاون إيران مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" حول الأبعاد العسكرية المحتملة لبرنامجها النووي. فقد تبين على مدى سنين أن الإيرانيين يقومون بتجارب واختبارات نووية في پارشين، بما في ذلك محاكاة التفجيرات النووية، واختبار النوابض النووية وغيرها من التجارب.

لقد منع الايرانيون مفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من الوصول إلى تلك القاعدة منذ عام 2005. لذا من الضروري أن يشمل الاتفاق الدائم، بين إيران والدول الغربية، على عنصر هام هو قرار إغلاق الملفات بشأن الأبعاد العسكرية المشكوكة للبرنامج النووي الإيراني. وهذه ليست مسألة تقنية، بل موضوع مهم جداً، وسبب ذلك هو أنه إذا كانت الدول الغربية ترغب في التوصل إلى اتفاق مستدام وفعال ودائم مع إيران يمنع هذه الأخيرة من تجاوز العتبة النووية وتطوير سلاح نووي، يتوجب عليها حلّ قضية أبحاث إيران النووية العسكرية السابقة من أجل إرساء القواعد لاتفاق مستقبلي بين الطرفين.