أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2098

تسليح الثوار السوريين: انزلاق بسرعة باتجاه العراق أم تقدم ببطء باتجاه الاستقرار؟

أندرو جيه. تابلر و مارك لينش

متاح أيضاً في English

2 تموز/يوليو 2013


"في 28 حزيران/يونيو 2013، شارك أندرو جيه. تابلر ومارك لينش في مناظرة جرت في نطاق منتدى سياسي في معهد واشنطن. والسيد تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في المعهد وكاتب المقالة التي صدرت مؤخراً في «فورين آفيرز» بعنوان، "انهيار سوريا وكيف بإمكان واشنطن وقفه." والدكتور لينش هو أستاذ مشارك في العلوم السياسية والشؤون الدولية ومدير معهد دراسات الشرق الأوسط في "كلية إليوت للشؤون الدولية" في جامعة جورج واشنطن. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما".

 

أندرو جيه. تابلر

الجدل الحاصل في دوائر صنع السياسات الأمريكية بأن واشنطن تستطيع التعامل مع أعراض الأزمة السورية، دون علاج المرض، أصبح أقل دعماً وقوة. وفي ظل التهديد الذي يشكله الصراع على البنية الأمنية في المنطقة، فإن السؤال لا يتعلق بما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تتدخل، بل إن ذلك يتعلق بالتوقيت والكيفية والتكلفة. وقد لا تكون واشنطن قادرة على إنهاء القتال كلية، لكن الإدارة الأمريكية تستطيع من خلال نهج أكثر حزماً أن تساعد على احتوائه.

وتقف العديد من المصالح الأمريكية على المحك جراء هذا الصراع. ورغم أن الحصيلة الرسمية للقتلى تتجاوز 100,000 شخص -- وهو عدد يقارب أولئك الذين قتلوا في البوسنة، لكن في نصف الفترة الزمنية -- فإن المصلحة الإنسانية أصبحت أكثر إلحاحاً. فتدفق أعداد غفيرة من اللاجئين يهدد بزعزعة استقرار الدول المجاورة، لا سيما الأردن، حيث أصبح معسكر الزعتري للاجئين رابع أكبر مدينة في البلاد.

كما أن هناك مصلحة أمريكية مباشرة بصورة أكبر تنبع من استخدام النظام للمواد الكيميائية، الأمر الذي أكد البيت الأبيض بحذر وجود "احتمالية كبيرة" بوقوعه. وحقيقة أن في سوريا أكبر مخزون في الشرق الأوسط من الأسلحة الكيميائية تمثل إزعاجاً كبيراً عندما ننظر إلى المنظمات الإرهابية الصاعدة في كل من المناطق الثلاث الرئيسية في البلاد: المنطقة الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام، ومعقل السنة العرب، والمنطقة الكردية الشرقية.

كما أن سوريا تمثل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة نظراً لموقعها الجغرافي المركزي، حيث تجاور دولاً تمثل أهمية استراتيجية (تشوبها الهشاشة في بعض الأحيان) مثل الأردن وإسرائيل ولبنان وتركيا والعراق. وعلى عكس الحرب الأهلية في لبنان -- التي انتهت بـ "اتفاق الطائف" بعد أن تمكنت إسرائيل ثم سوريا من احتواء القتال -- يرجح أن تحدث الأزمة الحالية صدوعاً في البنية الأمنية الإقليمية القائمة منذ قرن من الزمان والتي أرستها "اتفاقية سايكس بيكو" عام 1916.

وفي المرحلة اللاحقة ينبغي على واشنطن أن تتبع أجندة مكونة من أربعة أجزاء لاحتواء الأزمة:

1.         تطبيق خط أحمر للأسلحة الكيميائية. إن العجز عن القيام بذلك يضر بصورة أمريكا في المنطقة ويبعث بإشارات إلى بشار الأسد مفادها أنه يستطيع تصعيد الأمر لأكثر من ذلك دون ثمة عواقب. وذلك التصعيد -- الذي يحدث بالفعل مع استخدام النظام لصواريخ أرض- أرض ضد السكان المدنيين -- سوف يتسبب في تشريد المزيد من المواطنين وزعزعة الاستقرار الإقليمي.

2.         إنشاء ملاذات آمنة في جنوب تركيا وشمال الأردن، وتطبيقها من خلال بطاريات صواريخ باتريوت أو إجراءات أكثر مباشرة.

3.         العمل مع المعارضة للإطاحة بالأسد سياسياً وعسكرياً. نظراً لتشبث النظام، خسر الأسد فرصة لإدخال إصلاحات في البلاد وهو يكافح مع الطفرة الشبابية الديموغرافية التي أثقلت النظام السياسي منذ إجراءات والده القمعية العنيفة المماثلة في عام 1982. بيد أنه يتعيّن انتقاء الثوار الذين سيتم تقديم المساعدات إليهم ويجب أن يكون الهدف منها هو تحفيز المعارضة على إقامة نظام سياسي يستوعب التركيبة السكانية في البلاد. ويضم "المجلس العسكري الأعلى" -- الفصيل المسلح التابع لـ "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية" -- سلفيين ضمن قيادته، الأمر الذي يثير مخاوف بأن قادة "المجلس العسكري الأعلى" القوميين قد يقومون بتسريب الأسلحة إلى المتطرفين نظراً لأنهم يشاركونهم نفس الهدف قصير الأجل وهو التخلص من النظام.

4.         استخدام الدبلوماسية، لكن كاستراتيجية نهائية لوضع المناطق الثلاث الكبرى في سوريا والأقاليم غير المتجاورة تحت قيادة غير مركزية.

 

ويمكن لهذا النهج الدقيق والحاسم، لكن غير العدائي، أن يساعد على احتواء الأزمة. ولا يلزم تنفيذ الخطوات الأربعة بشكل متزامن، ولا ينبغي على الولايات المتحدة أن تربط نفسها بمواجهة متكاملة الأركان.

 

مارك لينش

لا تزال الأزمة السورية في بدايتها، وتقع على أمريكا التزامات أخلاقية واستراتيجية للحد من آثارها. لكن نطاق النزاع يقع خارج سيطرة واشنطن. وفي أفضل الظروف تستطيع الولايات المتحدة أن تؤثر إلى حد ما على الوضع الاستراتيجي والإنساني.

وفي حين أن الردع ضد استخدام الأسلحة الكيميائية يُعد أمراً جوهرياً، إلا أن التدخل المباشر يتطلب رؤية لنهاية اللعبة حتى يكون قابلاً للتنفيذ. وبخلاف ذلك، تواجه واشنطن خطر التصعيد والدخول في مستنقع آخر مكلف ومترامي الأطراف.

في الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2011 إلى آذار/مارس 2012، دار الكثير من الحديث عن سوريا حول ما إذا كان ينبغي أن تتحول المواجهة من انتفاضة سياسية إلى تمرد عسكري. وكان الأسد ضعيفاً في وجه التحديات غير القائمة على العنف التي واجهت حكمه، والتي -- في سياق "الربيع العربي" -- كانت ستواجهه، تصحبها اتهامات أخلاقية ضد استبداده. إن الطابع العسكري الذي اكتسبه الصراع لاحقاً كان بمثابة كارثة أخلاقية واستراتيجية -- تصرّف فيها الأسد بوحشية لا توصف.

واليوم تطورت الأزمة العسكرية التي يتعذر تغييرها إلى أن أصبحت تمرداً دولياً معقداً متعدد الجوانب. لقد أظهرت التجارب المقارِنة أن دعم حركات تمرد كهذه يطيل أمد الحروب بحيث تصبح أكثر دموية، ويجعل من الصعب تحقيق إنجازات عن طريق التفاوض. ويخالج الولايات المتحدة الكثير من القلق العميق والمبرر بأن الأسلحة وغيرها من المساعدات سوف تجد طريقها إلى أيدي الجماعات الجهادية، مثل "جبهة النُصرة". وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الجهاديين انتهازيون يمكن كسبهم من خلال تزويدهم بأسلحة أكثر تطوراً، إلا أنهم يغيرون ولاءاتهم إذا ما تغير مسار الحرب.

ويتمركز المنطق وراء تسليح المتمردين حول إحداث توازن في ميدان المعركة والحيلولة دون هزيمة المعارضة وإتاحة صد قوات النظام بعد أن حققت انتصاراً مؤخراً في القصير. وتقوم الفكرة على أن الثوار سوف يبلون بشكل أفضل في اللعبة الدبلوماسية إذا تمكنوا من التفاوض من موقف القوة، وبهذا سوف تضمن واشنطن لنفسها دوراً في سوريا ما بعد الأسد.

بيد أن هذا التسلسل المنطقي غير مقنع. إذ لن يكون للولايات المتحدة "قصب السبق" بتسليح الثوار -- فسوق السلاح في سوريا مكتظ ومعقد بالفعل، مما لا يترك مجالاً لكي تحدث واشنطن تأثيراً استراتيجياً. وعلاوة على ذلك، فإنه من خلال الانضمام إلى السعوديين وغيرهم من ممولي الثوار الذين لا يعملون بالضرورة على تحقيق المصلحة الأمريكية، فإن واشنطن سوف تعمل على إحداث لامركزية إضافية في قنوات تقديم المساعدات إلى المعارضة وتزيد من التشرذم. وسوف يكون الإجراء الأكثر فاعلية هو بناء معارضة موحدة وتعزيزها بالمساعدات من خلال قناة مركزية.

كما أن حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي لا توفر هي الأخرى أدلة قوية لصالح تسليح المعارضة. فتعزيز الجيش الكرواتي هو الذي غير موازين القوى في الصراع البوسني، وليس الهجمات الجوية أو إنشاء مناطق آمنة يتعذر تطبيقها على أرض الواقع. كما أن الجيش التقليدي الكرواتي كان مختلفاً تماماً عن متمردي سوريا المتشرذمين.

إن تسليح المعارضة يقوم أيضاً على افتراض لا أساس له وهو أن أنصار الأسد -- إيران و «حزب الله» وروسيا -- لن يردوا بتصعيد الموقف من جانبهم. فزيادة الذخيرة على كلا الجانبين سوف تجعل الصراع أكثر دموية وتسمح بتأصل التطرف بصورة أكثر.

وفي غضون ذلك، فإن تخوف واشنطن من انتشار العدوى الإقليمية أمراً مشروعاً لكن مبالغاً فيه، حيث إن الدول العربية أكثر مرونة مما هو شائع. وهناك احتمالات كبيرة بانتقال الأزمة إلى العراق، حيث يجد المرء زيادة في تدفق الأسلحة وتعزيز في التكامل بين حركة التمرد السنية الداخلية والمتطرفين السوريين.

وأخيراً، لم تقرر واشنطن بعد ما إذا كانت الأزمة السورية هي حرباً أهلية أو واجهة في حرب إقليمية ضد إيران يتعين الفوز بها. إن تحديد وبيان هدف استراتيجي أولاً، يمثل أهمية حيوية لتقرير الاستجابة المطلوبة. فمن خلال تسليح المعارضة الآن، قد تكتسب واشنطن نفوذاً دبلوماسياً وتعزز بشكل مؤقت من موقف الثوار، لكن تصعيد الأسد وحلفائه سوف يرجع الصراع قريباً إلى المأزق الدموي الحالي.

 

أعد هذا الملخص المقرر آدم حافظ.