أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

مصر: هل ذهبت حملة التطهير أبعد مما ينبغي؟

ديفيد شينكر

متاح أيضاً في English

ويكلي ستاندارد

4 نيسان/أبريل 2011


 

أثناء "ثورة ورق البردي" في مصر، أُفرغت سجون الدولة، كما هرب واختفى مئات المحكومين من الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء. ومع ذلك، فقد أُفرج عن بعضهم من قبل نظام مبارك الفاشل لكي يقوموا بمهاجمة المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في "ميدان التحرير". وحتى أن بعض الإرهابيين الأجانب في السجون المصرية هجروا زنزاناتهم وعادوا بالسيارات إلى أوطانهم في لبنان وقطاع غزة.

وبعد مرور أكثر من شهر على تنحية الرئيس المصري حسني مبارك من السلطة الذي شغل منصبه فترة طويلة، تمتلئ السجون المصرية مرة أخرى. ولكن هذه المرة، ليس الإسلاميين -- الذين عادة ما يشتبه بهم -- هم الذين وراء القضبان، بل أن كبار المسؤولين في نظام مبارك الساقط هم الذين يشغلون زنزانات السجون في مصر، كما تمتلئ المحاكم بقوائم الدعاوى ضدهم.

وكما حدث في عراق ما بعد صدام في عام 2003 تقريباً، إن مصر هي في المراحل المبكرة من عملية "اجتثاث البعث" الخاصة بها، حيث تقوم بتطهير ومحاكمة الموظفين السابقين في نظام مبارك. فقد تم اتهام بعض أعضاء النظام السابق، بمن فيهم وزير الداخلية حبيب العادلي وأربعة من نوابه، بقتل محتجين خلال المظاهرات في "ميدان التحرير". ومع ذلك، فبعيداً عن عمليات القتل والتعذيب التي اتهموا بها حتى الآن، وُجهت إلى أعضاء نظام مبارك أيضاً اتهامات بالفساد المالي والتربح غير المشروع.

فبالإضافة إلى الاتهام بالقتل الذي يواجهه وزير الداخلية السابق -- الذي كان يُخشى منه ذات مرة، تم تقديمه للمحاكمة بتهمة غسل الأموال؛ كما يُتهم وزير السياحة السابق باختلاس أموال الحكومة؛ كما يتم التحقيق مع مدراء تنفيذيين مسؤولين عن صناعة الغاز في مصر، وعن صفقة التصدير المفضلة مع إسرائيل. وبالمثل، يقوم "مكتب المحاسبة المركزي" في الدولة بالتدقيق [في حسابات] الرؤساء السابقين لمجلس الشعب ومجلس الشورى في البرلمان المصري.

ومما لا شك فيه أن اعتقالات ومحاكمات موظفي ومسؤولي إدارة مبارك توفر نوع من التنفيه المتأخر إلى الغالبية العظمى من المصريين الذين لم يتمتعوا بتاتاً من الفوائد الذي يوفرها حتى القليل من النجاح الاقتصادي الكلي لمصر. ولكن إذا تم تنفيذ حملة التطهير هذه أكثر مما ينبغي، فقد تأتي بنتائج عكسية على الاقتصاد المصري.

وحتى الآن، فإن الأفراد الأكثر أهمية الذين تم استهدافهم كانوا من الشخصيات المرموقة من "حكومة رجال الأعمال"، الذين قادوا النمو الاقتصادي الملحوظ في مصر (واستفادوا منه) بين الأعوام 2004-2011. فعلى سبيل المثال، خلال هذا الأسبوع فقط، قال النائب العام في مصر أنه سيصدر مذكرة توقيف بحق وزير المالية السابق، يوسف بطرس غالي، بسبب ما يُزعم بأنه قام بسحب ملايين الدولارات من خزينة الدولة لتمويل أنشطة دعاية نظام مبارك غير القانونية. ومن أبرز أفراد هذه المجموعة أحمد عز، التاجر البارون المحتكر للحديد الصلب الذي طالما اعتبر من بين أكثر المسؤولين في مصر فساداً، والمسجون حالياً في القاهرة. وإذا ما تمت إدانة عز -- من المقربين لجمال مبارك نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك -- فسوف تكون الغبطة الشعبية كبيرة.

ولكن تم أيضاً إصدار أمر [بإلقاء القبض] على وزير الصناعة والتجارة السابق، رشيد محمد رشيد الذي يحظى باحترام واسع، والمتهم بمساعدة عز بجمع الملايين [من الدولارات] بصورة غير مشروعة. وخارج مصر، يعتبر رشيد شخصية غير فاسدة ومن ذوي المهارات العالية. وخلافاً لعز، كان رشيد قد خرج من البلاد قبل أن يتم إلقاء القبض عليه، وبقي هارباً في دبي.

وبعد مرور 30 عاماً من نظام مبارك الفاسد والصارم، يمكن فهم العواطف المتأججة بصورة كبيرة في مصر. فقد تزايدت مشاعر الاستياء -- ودعوات الانتقام -- تجاه النظام القديم. وربما يدان رشيد في نهاية المطاف بتهمة أو بأخرى، ولكن في الوقت الحاضر، يبدو أن قضيته هي أكثر حالة تحميل ذنب بسبب الارتباط [بالنظام السابق].

ولا يجادل أحد أهمية إعادة الأصول المصرية المسروقة وملاحقة مستغلي النظام السابق. ومع ذلك، فكلما تكون عمليات التطهير أطول وأعمق، سيكون جذب "الاستثمار الأجنبي المباشر" واستئناف النشاط الاقتصادي الطبيعي أكثر صعوبة. وثمة أوقات صعبة تنتظر مصر، ولا تستطيع الدولة تحمل تكلفة إزالة جميع الفنيين المهرة وأصحاب المشاريع الذين استفادوا في ظل نظام مبارك.

وأثناء فترة الثورة، وصل سوق الأسهم المحلية إلى القاع وتم إغلاقه، وخرجت رؤوس الأموال الأجنبية من البلاد، كما خفض مؤشر "ستاندرد آند بورز" للأسهم الأمريكية تصنيفه للديون المصرية. وبالمثل، تعاني الدولة منذ رحيل مبارك من عشرات الإضرابات، مما أدى إلى تباطؤ استئناف النمو الاقتصادي. والأسوأ من ذلك، من غير المرجح أن تعود السياحة، ثاني أكبر مصدر للدخل في مصر ومصدر رئيسي لفرص العمل، وكذلك صناعة النفط التي تغذي الاقتصاد المحلي، إلى ما كانا عليه سابقاً، وذلك لبعض الوقت.

ولكن هذا ليس كل شيء. فمصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم. وفي هذا الصدد، تفيد صحيفة "المصري اليوم" أن مصانع تجهيز الأغذية تعمل بقدرة 60 في المئة من طاقتها فقط، ويعود ذلك في جزء كبير منه بسبب إصرار المجهزين الأجانب حالياً على أن يتم دفع ثمن سلعهم الاستهلاكية نقداً.

وببساطة، يمكن القول أن أزمة ثقة عميقة تلقي بضلالها على الاقتصاد المصري وهي قادمة لا محالة. فالحكومة المقبلة -- سواء كانت ليبرالية أو إسلامية أو عسكرية، أو مزيج من الثلاثة -- سوف تواجه مشاكل اقتصادية تزداد عمقاً، وسط توقعات الجمهور بالشعور بالغبطة. ومن المرجح أن يتخذ الإصلاح الاقتصادي الكلي -- الذي كان إنجازاً رئيسياً لنظام مبارك -- الاتجاه العكسي عندما تتدخل الدولة لتخفيف حدة الفقر.

وعلى الرغم من التراجعات المتوقعة في الإصلاحات الاقتصادية، يتعين على المجتمع الدولي تقديم مساعدة عاجلة. إن إعادة التفاوض حول ديون مصر الخارجية ومنح الدولة سلفة عن الموجودات التي ضبطت مع مسؤولي نظام مبارك ستكون قاعدة جيدة للبدء منها.

ومن ناحية مصر، فلكي تستطيع معالجة التحديات الاقتصادية العميقة في الداخل، سوف تحتاج القاهرة إلى جمع "أمناء الدماغ في الشؤون الاقتصادية"، تماماً كما فعل النظام السابق عام 2004. لذلك، على الفريق الجديد أن يكون ليس فقط نظيفاً بصورة حادة، بل سيتعين عليه أيضاً أن يرقى إلى مستوى هذه المهمة. ويعتبر هذا إنجازاً لا يستهان به في دولة كان "تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2010" قد أشار إليها بأنها تمنح العاملين الذي تثقفوا محلياً شهادات جامعية ذات "قيمة محدودة."

ومع خروج نظام مبارك من الحكم، حان الوقت لكي يقوم المصريون بالعمل على إعادة بناء دولتهم، وهو تعهد سيتطلب نشر جميع رأس المال البشري الذي تستطيع أن تحشده الدولة. ولضمان معايير عالية من الشفافية في هذه العملية، يجب اقتلاع أولئك الذين يعتبرون فاسدين. إن كلمة الاقتلاع، مع ذلك، هي استعارة مناسبة. وفي خضم الحماس [الذي يعم البلاد] من أجل تخليص الدولة من أعضاء النظام السابق، يتعين على المصريين أن يحرصوا ألا يقتلعوا أيضاً الأجزاء المنتجة من اقتصادهم.

 

ديفيد شينكر هو مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.