أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

Fikra Forum

Fikra Forum

خلق الحوار. التأثير على السياسة.

Generating Dialogue. Impacting Policy.

تعليق حسن منيمنة على مقال دانيا قليلات الخطيب «الاعتراف المتبادل بالروايات الفلسطينية والإسرائيلية شرط مبدئي للسلام»


متاح أيضاً في English

16 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

تعليق على الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ضروري لتحقيق السلام

دانيا قليلات الخطيب على صواب في إشارتها إلى وجوب الإقرار المتبادل في الروايات والمظالم لكلا الجانبين كسبيل لتخفيض حدّة النزاع وصولاً إلى التأسيس للحل في قضية الشرق الأوسط. وهي كذلك محقّة في دعوتها أن يعمد الطرف الأقوى إلى المبادرة في هذا الإقرار. هي بالتالي تدعو إسرائيل إلى الاعتراف بالنكبة التي عاشها الفلسطينيون، والتي جردتهم من حقوقهم وأرغمتهم على الخروج من ديارهم، في لحظة قيام دولة إسرائيل. ومن شأن دعوتها هذه أن تزداد قوة وفعالية في حال وسّعت لتشمل سياق المواجهة بكامله.

فالمواجهة في الشرق الأوسط هي بالفعل صراع بين إسرائيل الدولة القائمة القوية المزدهرة، وبين فلسطين الدولة العتيدة والتي لا تزال تفتقد العديد من المقومات الأساسية للنهوض. فهذه وتلك تتنازعان أراض تتداخل بل تتطابق. ولإسرائيل هنا دون شك موقع القوة من حيث قدراتها الذاتية ومن حيث العون الذي تحصل عليه من الخارج، ولا سيما من الولايات المتحدة. والرواية الإسرائيلية حول بلوغ التمكين والاستقلال بعد تاريخ طويل من الاضطهاد والطرد تفرض ذاتها بامتياز، ولا سيما حين تجعل من ولادة إسرائيل، تلميحاً أو تصريحاً، فعل غفران للتاريخ، بعد جريمة الإبادة التي طالت اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.
وتشير الخطيب إلى الفجوة في هذه الرواية من وجهة نظر أهل الديار الفلسطينيين، وأهل الجوار من سائر العرب، حيث النكبة تتعرض للتجاهل والتقليل بل وتلقى مسؤوليتها على عاتق ضحاياها.

غير أنه من المجدي دعوة الخطيب، وعموم الثقافة السياسية العربية، إلى إبراز النكبة كمأساة إنسانية قائمة بذاتها، دون الحاجة إلى المعادلة في مقارنتها بغيرها. ففي حين أن المعادلة في المقارنات، أي وضع مسألة في موازاة مسألة أخرى، قد تقدّم السبيل لتفهم الحالة الإنسانية للطرف الآخر في مواقع عدّة، فإنها حين تبدو قسرية أو مغالِطة، من شأنها تعميق الهوّة بين الجانبين. لا شك أن النكبة تركت جرحاً لا يندمل في الضمير الفلسطيني والعربي، إذ شكّلت تعدياً سافراً على الحرية والكرامة والملكية لضحاياها، وأرغمت ما يقارب المليون من الفلسطينيين على النزوح من ديارهم إلى المنفى خارج وطنهم. والنكبة كانت ولا تزال الحدث المؤسس للوعي الوطني لملايين الفلسطينيين. أما المحرقة، من الجهة الأخرى، فقد كانت عدواناً قاضياً على حياة ملايين اليهود الأوروبيين وإسقاطاً قطعياً لإنسانيتهم. والمحرقة أعدّت ونفّذت لإبادة اليهود وإزالة وجودهم من القارة الأوروبية. والحصيلة كانت جريمة قتل جماعية ذهب ضحيتها ستة ملايين من اليهود، وانتهاء وجودهم في العديد من المجتمعات التي قطنوها. لا معادلة هنا ولا فائدة من المقارنة بين هذه المأساة وتلك، بل قد ينفر البعض من الجانب اليهودي من وضعهما الواحدة بإزاء الأخرى لما في ذلك من غياب التقدير لهول ما ارتكبه النازيون من الفظائع ولجسامة الأذى الذي تسببوا به. والواقع أنه لا حاجة إلى المعادلة بين المحرقة والنكبة، فالنكبة مأساة إنسانية ضخمة لا تقتضي الإشارة إليها المساومة.

على أنه لنزاع الشرق الأوسط وجه آخر ليس لإسرائيل فيه اليد العليا. إذ يبدو أن إسرائيل اليهودية قد هربت من عذابها الأوروبي لتقع في حالة جديدة من النبذ والشيطنة، كثيراً ما تستدعي اللغة والصور من العداء الأوروبي لليهود. بل يبدو أن الفكر السياسي العربي قد استخرج موقفاً عقائدياً إقصائياً في نقضه للصهيونية من خلال دمج العداء الأوروبي لليهود أي اللاسامية، بالعقيدة القطعية الإسلامية المتشددة، وصولاً إلى إدانة اليهود، بالصيغة التأحيدية الجماعية، على أنهم أصل للشر.

فإذا كان لا بد من الإقرار المتبادل بالشعور بالغبن، فإن ما يقابل الجرح المعنوي للنكبة من وجهة النظر الإسرائيلية قد يكون هذا التهديد المتواصل المستمر لوجود إسرائيل وبقائها والتلويح برميها في البحر وطردها من القارة. فكما أنه يحق للجانب الفلسطيني أن يشتكي من الاستخفاف بوطأة المعاناة والتجريد نتيجة للنكبة، فإن للجانب الإسرائيلي أن يعترض على غياب الإدراك لتبعات هذا التهديد. فهذا وذاك بحاجة إلى أن يتضح في وعي الطرف الآخر كخطوة أولى للصلح المنشود. لا تقتصر أبعاد النكبة على الجرح المعنوي بالطبع، ولا بد من اعتبار أوجهها المادية والسعي إلى إيجاد الحلول لها، غير أنه لا بد في هذا الشأن من النظر بكامل السياق، وهو ما تتجنبه الثقافة السياسية العربية على الغالب، من حيث مسؤولية دول الجوار كما من حيث مصاب يهود البلاد العربية وما طالهم من تضييق وتهجير.

والمعادلات قد تأتي مربكة ومرتبكة سواء كانت كبيرة، كما بين المحرقة والنكبة، أو صغيرة، كما بين مناحم بيغن ودلال المغربي. فتكريم مناحم بيغن في إسرائيل هو لدوره في تاريخها، وذلك على الرغم من التجاوزات التي ارتكبها في مطلع نشاطه والتي يسمها البعض بالإرهاب. أما بالنسبة لدلال المغربي، فحتى عند أقصى إحسان الظن بنواياها، فإن تجربتها هي وحسب فعل أدى إلى موت الأبرياء. قد يكون من المفيد اعتبار سيرتها ومسارها كانعكاس لحال اليأس الوطني. أما إشهارها كشهيدة وبطلة واعتبارها قدوة فلا ينسجمان مع الحاجة إلى الإقرار بألم الطرف الآخر ومظالمه. وهذا الإقرار، تماماً كما تشير دانيا قليلات الخطيب، هو السبيل للصلح.

Customize your RSS Feed