أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مقابلات وعروض تقديمية

ما هو الوضع الأمني الراهن في العراق؟

مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

"ميوزينغز أون إيراك بلوغ"  [تأملات على مدونة العراق]

31 تموز/يوليو 2012


ملخص تنفيذي

سقط العراق في الفترة ما بين 2005 و 2008 في براثن حرب أهلية طائفية كادت تفضي بالبلاد إلى حالة من الدمار الشامل. إلا أن العراق لم ينجح في شق طريقه والخروج من هذا المأزق إلا في السنوات القليلة الماضية. ولا يعلم الكثيرون شيئاً عن الوضع الأمني الراهن في العراق وذلك لهيمنة أخبار حوادث التفجيرات والقتل على المشهد. فلقد أصبح العنف اليوم محدوداً ويؤثر على مناطق بعينها فقط وهو ما سمح لغالبية أهل العراق بالعودة إلى حياتهم الطبيعية اليومية. ولا يعني ذلك أن العراق أصبح دولة طبيعية بأي شكل من الأشكال، إلا أن الوضع الآن يتغير. وللأسف، فإن الأزمة السياسية في البلاد تلعب دوراً كبيراً في تقسيمه مخلّفة وراءها تربة خصبة ينفذ فيها المقاتلون عملياتهم. في هذه المقابلة مع جويل وينغ من "ميوزينغز أون إيراك بلوغ"، يقدم الدكتور نايتس نظرة مفصلة حول الوضع الأمني ​​في مناطق مختلفة من العراق، ويعرض تقييمه عن الدور الذي تلعبه السياسة في هذا الوضع بالإضافة إلى مستقبل التمرد في العراق.

1. ما هو الوضع الأمني داخل العراق؟

يتعرض العراق حالياً إلى ما بين 400 إلى 500 هجوم يشنه الإرهابيون أو المتمردون شهرياً بحسب ما تتناقله وسائل الإعلام: وأرى - بحكم خبرتي في العمل المباشر مع قوات الأمن العراقية - أن هناك ما يقرب من 300 إلى 500 حادث آخر خطير لا يتم الإبلاغ عنها عن طريق أية وسيلة من وسائل جمع المعلومات. ولنقُل إن العراق يتعرض في أسوأ الحالات لنحو ألف حادث عنف خطير شهرياً. إلا أن ذلك لا يزال جزءاً ضئيلاً - حوالي الثُمن - من العنف الذي عانت منه البلاد في أوج الأوضاع التي شابهت الحرب الأهلية في خريف عام 2007.

ولنضرب مثالاً بمدينة الموصل التي تشهد أخطر تلك الهجمات وأشدها قسوة: فهذه المدينة التي تبلغ مساحتها 100 ميل مربع تتعرض شهرياً لنحو 40 إلى 60 هجوم يتم رصدها وربما تتعرض على الأرجح لما يقرب من مائة هجوم فعلي شهرياً إذا أضفنا الحوادث التي لا تُرصد. ويبلغ تعداد سكان المدينة ما يقرب من 1.8 مليون نسمة.

ولنتحدث الآن عن حالة أخرى: مدينة الكوت - وهي بلدة ريفية جنوب بغداد يسكنها 370000 نسمة - تقع على ضفاف منحنيات نهر دجلة وتبلغ مساحتها 5 أميال مربعة. فهذه المدينة تعاني من ثلاثة إلى أربعة حوادث أمنية يجري رصدها شهرياً بالإضافة إلى ثلاثة أو أربعة حوادث أخرى على الأرجح أقل منها خطورة، وهي هجمات ذات دوافع سياسية. إذ يمكن أن تنفجر سيارة مفخخة في مكان ما في المدينة أو بالقرب منها أو ربما في أحد الأسواق. وتفحص قوات الأمن المركبات عند دخولها إلى الكوت أحياناً إلا أن ذلك يتم بشكل متفرق وفي حالات الاستنفار فقط.

وبالنسبة للعراقيين ممن يمثلون هدفاً ذا أولوية للمتمردين في العراق - كأن يكون أحد السياسيين أو أفراد قوات الأمن المحلية - فلا تزال العديد من المناطق في البلاد بنفس درجة الخطورة التي كانت عليها في أي وقت مضى حتى في أسوأ الظروف، كما أن الخوف يرافقهم دائماً. أما بالنسبة لمعظم العراقيين، فانعدام الأمن هو العلم بوجود أشياء لا ينبغي على المرء أن يخاطر بها وأماكن لا ينبغي عليه الذهاب إليها وأشخاص لا ينبغي عليه مضايقتهم. ويعكس التصنيف الأخير وضع العديدين الذين يعيشون في مجتمعات ما بعد الصراع في جميع أنحاء العالم، ويشمل أيضاً غالبية العراقيين.

ومنذ عام 2009 تمركز العنف في بعض المناطق الريفية والمدن والأحياء الحضرية الرئيسية.

2. ما هو وضع العنف في بغداد؟

العنف في بغداد هو عنصر أساسي يجب على الجميع أخذه في الحسبان كما أن قوات الأمن تبتز السكان وتضايقهم بشكل روتيني. فلم تعد هناك تقريباً مناوشات بين المسلحين أو مع قوات الأمن: فالعنف يأخذ شكلاً خفياً على نمط عمليات الكر والفر كما أنه عرضي يأتي فجأة وينتهي فجأة. إذ يخالجك شعور في المناطق ذات التواجد الكبير للميليشيات مثل مدينة الصدر أو الحرية أو الشعلة أو الجهاد أو تلك التي بينها وبين قوات الأمن علاقات سيئة مثل أبو غريب والغزالية - من بين العديد من المدن الأخرى - بأن هناك توتراً حاداً. وبشكل عام، تبدو المدينة طبيعية بشكل يثير الدهشة.

3. وما هو الوضع في كردستان؟

يجب تقسيم المنطقة التي تحت سلطة "حكومة إقليم كردستان" إلى بيئات مختلفة معرضة للتهديد إذا أريد لها أن توصف بدقة. فأربيل ودهوك والسليمانية ومعظم المدن الأخرى داخل سلطة "حكومة إقليم كردستان" هي مدن يسودها جو من الود والترحاب، ولا يعتبر الأمن فيها قيداً أو قضية ذات بال. إلا أن المناطق الريفية تخفي في طياتها أخطاراً خفية: تتمثل أساساً في بقايا المتفجرات التي خلفتها العمليات العسكرية وحقول الألغام من عصر صدام حسين. ويقل الأمن داخل "حكومة إقليم كردستان" بشكل ملحوظ كلما اقتربنا من حدودها الدولية مع إيران وتركيا حيث العمليات العسكرية ضد المتمردين الأكراد هي أمر شائع وحيث تنشط الميليشيات. كما أن الحدود الداخلية بين مناطق "حكومة إقليم كردستان" والقيادة الفيدرالية يمكن أن تمثل خطراً شديداً أيضاً فضلاً عن أن أمن "حكومة إقليم كردستان" القوي يتلاشى مع المخاطر الموجودة في المناطق المتنازع عليها.

4. وكيف هو الحال بشكل عام في نينوى وفي محافظات مثل صلاح الدين وديالى؟

الأوضاع في هذه المناطق تشبه الأوضاع التي كانت سائدة في العراق القديم ما بين 2008 و 2009، فهناك زيادة في حدة التوتر بشكل كبير مع تواجد أمني أكثر كثافة مما هو عليه في المحافظات الأخرى. وتقع معظم أحداث العنف الشهرية في العراق في هذه المحافظات. هذا وتخضع ديالى فعلياً للقوانين العرفية التي فرضتها الحكومة الفيدرالية. ونجد في المحافظات الثلاث نقاط عبور متوترة بين مناطق "حكومة إقليم كردستان" والقيادة الفيدرالية.

5. وكيف يختلف ذلك عن الوضع في جنوب العراق؟

يشهد جنوب العراق أحداثاً أمنية طفيفة جداً تصطبغ عادة بصبغة محلية كما أنها ذات طبيعة محدودة مثل تبادل إطلاق النار أو إلقاء القنابل اليدوية من فوق أسوار الحدائق ليلاً وما شابه ذلك والتي لا يؤثر غياب الأمن فيها على الحياة المدنية بشكل كبير. فقوات الأمن موجودة، ولكنها عادة ليست في حالة انتباه شديد، وهي موجودة بشكل رئيسي لإثبات سيطرة الحكومة.

6. وما الذي يدور في بابل الآن؟

شهدت بابل عنفاً متزايداً في الربع الأول من عام 2012 عقب تصاعد بطيء وطويل الأمد لوتيرة العنف طوال عام 2011، ويبدو أن السبب في ذلك هو عودة تنظيم «القاعدة في العراق» إلى المنطقة مرة أخرى عقب الحملة الضارية لاغتيال قادة "حركة أبناء العراق" الذين طردوا «القاعدة في العراق» من المنطقة عام 2008. فقد اشتعلت الأوضاع مرة أخرى في مناطق العمليات القديمة لـ «القاعدة» وكذلك العلاقات القبلية. إلا أن ذلك يمكن أن يكون قد توقف الآن بسبب الهجمات الشرسة للحكومة العراقية بالإضافة إلى التمركز العسكري في المنطقة.

7. هل يمكنك توضيح هوية بعض تلك المجموعات الأخرى؟

«القاعدة في العراق» هي قوة حقيقية لها ثقلها وتنظيم حقيقي له هيكل وأهداف وعضوية رسمية إلا أن «القاعدة» مصطلح شامل يستخدم أيضاً في وصف "الأشرار". فـ «القاعدة في العراق» هي المسؤولة عن تنفيذ معظم التفجيرات بالسيارات المفخخة التي يشنها المتمردون بالإضافة إلى الكثير من الهجمات الانتحارية في العراق كما تشن أيضاً الكثير من الهجمات الأخرى الأصغر نطاقاً على قوات الأمن وعلى خصومها السياسيين المحليين في بغداد وفي شمال ووسط العراق. كما أن هناك قوة أخرى كبيرة في المنطقة ألا وهي "جيش رجال الطريقة النقشبندية". ويكفي القول أن تلك الحركة هي مجموعة المتمردين الوحيدة البعثية/القومية التي استطاعت الحفاظ على تماسكها منذ عام 2008. وهي تتمركز في منطقة رئيسية محدودة تتمثل في المثلث الذي تشكله المنطقة الجنوبية الشرقية من محافظات الموصل وكركوك، وبلدة الدور بالقرب من تكريت، إلا أنها تتعاون على ما يبدو مع مجموعات أخرى بشكل أوسع نطاقاً، ومنها تنظيم «القاعدة في العراق». كما لم تشهد مناطق عملياتها القوة الكاملة للهجمات بقيادة الولايات المتحدة، وقد حافظت الحركة بذكاء على روايتها التي توضح فيها أنها شنت فقط هجمات ضد الولايات المتحدة وأنها لم تقتل مدنيين عراقيين قط. ونتيجة لذلك، تحظى الحركة بقدر كبير من الأمن داخل معاقل البعثيين التي تعمل داخلها.

8. أثارت محاكمة نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي تساؤلات حول ما إذا كانت الأحزاب السياسية العراقية ضالعة في أحداث العنف اليومية في العراق. هل ترى أن للسياسيين العراقيين دوراً في تلك الهجمات؟

كانت جميع الأحزاب الكبرى تقريباً ضالعة في الصراع المسلح أثناء الأوضاع التي شابهت الحرب الأهلية في الفترة بين 2006 و 2008. ولا تزال التكتلات السياسية حتى اليوم تستخدم الميليشيات والعصابات الإجرامية للضغط على خصومها. هذا فضلاً عن أنها تستعين أيضاً بعناصر مستترة داخل القوات الأمنية. ولكل فصيل كبير في العراق جناح مسلح بشكل ما على الرغم من أن ارتباط بعضهم بذراعه السياسي ضعيف جداً مقارنة بغيره. وسيستمر هذا الوضع حتى تنضج السياسات العراقية. فلا يستطيع أحد أن يتحمل كلفة نزع السلاح بشكل كامل أو دائم، ولذا تلعب الجماعات المسلحة دوراً هاماً في السياسة.

9. لقد أطلقوا سراح جميع السجناء الذين احتجزوهم كجزء من خطة انسحاب الولايات المتحدة. كيف أثر ذلك على الحالة الأمنية؟

اعتقل العراقيون قلة من المحتجزين الذين أفرجت عنهم الولايات المتحدة فوراً ولم يطلقوا سراحهم أبداً. أما من بين من أُطلق سراحهم وانخرطوا في المجتمع، فالعديد منهم عاد وانضم فوراً إلى تنظيم «القاعدة في العراق» أو حركات أخرى ومنهم من لم يستطع أن ينخرط ثانية في مجتمعه بسبب ما فعله تجاه السكان المحليين فانضم في النهاية إلى العناصر القتالية مرة أخرى. كما عاد بعضهم إلى حياته الطبيعية. ومهما كانت النسب الحقيقية، فمن الواضح أن تنظيم «القاعدة في العراق» هو من استفاد من ذلك العدد الكبير غير المسبوق من الإرهابيين المدربين. فالعديد من المطْلَق سراحهم كانوا قد أمضوا وقتهم في معتقلات مثل "معسكر بوكا" و"معسكر كروبر" يخططون للقيام بأعمال إرهابية وتحديداً لكي يتمكنوا من شن هجمات أكثر ذكاء وقوة في يوم من الأيام.

10. إلى أين تتجه أعمال التمرد بوجه عام، وما هو مستقبلها؟

الأزمات السياسية في العراق، والافتقار إلى المصالحة، وانهيار عملية مكافحة التمرد التي اعتمدت على السكان المحليين بصورة مركزية، والإفراط في المركزية في اتخاذ القرارات الأمنية، بالإضافة إلى السياسات البغيضة القائمة على الهوية العرقية والطائفية فضلاً عن تصور وجود تأثير إيراني على الحكومة ساعدت جميعها على الإبقاء على مجموعات التمرد السنية. وسيؤخر ذلك من اليوم الذي تنحل فيه تلك الجماعات وتصبح ائتلافات إجرامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما يعني أن جماعات التمرد ستأخذ طابع الجهود العسكرية في بعض المناطق التي تستخدم فيها هجمات "المقاومة" النيران العسكرية ضد القوات الحكومية. إنني قلق من أن العوامل السياسية آنفة الذكر قد ينشأ عنها وضع تتأصل معه صورة بعض المناطق السنية بحيث تصبح معاقل طائفية.

11. هل يمكنك أن تحدثنا عن أنشطة العصابات في العراق؟

لطالما كان التداخل بين الإجرام والتمرد قوياً. فهناك عصابات الخطف مقابل الفدية الاحترافية والتي لا تمت بصلة لمجموعات التمرد. وهناك أحياء "المافيا" التي ترتبط عادة بالميليشيات وتفرض الإتاوات على المنشآت التجارية. أما المناطق ذات الظروف الأسوأ، فتبتز فيها قوات الأمن السكان وتظهر سلوكاً يشبه سلوك العصابات تجاههم. وهناك العديد من أعمال "المافيا" المرتبطة بتهريب النفط والنقل بالشاحنات وعبر الموانئ وهي الأشياء المعتادة التي في أحسن الأحوال تنجذب إليها الجريمة المنظمة. وعادة ما تُنشئ العصابات غطاءاً سياسياً من السياسيين المحليين، لكن الوضع ليس كذلك دائماً.

12. كيف يؤثر الوضع الأمني في العراق على نمو الاقتصاد؟

لا يتأثر الاقتصاد النفطي في الحقيقة بانعدام الأمن. كما لا يتأثر أيضاً النشاط الاقتصادي غير النفطي والمزدهر بالفعل. إلا أن عدم قدرة الحكومة على إدارة المشاريع والسير بخطوات حثيثة نحو تطوير البنية التحتية يمثل عاملاً أكثر تقييداً.

13. اعتاد الأمريكيون التأكيد على قدرات القوات العراقية في مجال مكافحة التمرد. إلا أنك تؤمن بأن العديد من تحركات العراقيين تأتي بنتائج عكسية، فكيف ذلك؟

تعمل قوات الأمن العراقية على مكافحة التمرد منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين. فأولاً، كانت هناك حملات مستمرة وطويلة ضد الأكراد، ثم انضم إليها فيما بعد احتلال عسكري موسع موازي لها لجنوب العراق في محاولة لقمع المقاتلين المدعومين من إيران منذ عام 1980 وما بعده. وقد عكست التقاليد التي نشأت خلال هذه الفترة "أسلوب العراق في مكافحة التمرد" الذي اعتمد على رد الفعل والعقاب والقوة. وهو عكس النهج الذي اتبعته قوات التحالف لفترة قصيرة في مكافحة التمرد بطريقة ترتكز على السكان خلال الفترة 2007-2012. إلا أنه مع تلك الخبرة القصيرة في مكافحة التمرد المرتكز على السكان، ومع ذلك السجل الطويل في المكافحة التقليدية للتمرد، فلا غرابة والحالة هذه أن الوحدات العراقية عادت فوراً إلى الطرق القديمة. ففي المناطق السنية حيث لا تزال جماعات التمرد تعمل بفعالية، لا تعير الحكومة الشيعية أي اهتمام بمعاملة مثل تلك المجتمعات برفق أو ببناء "الأمن الناعم" عبر المشاركة المحلية. وبدلاً من ذلك، هناك تحفيز للقادة لكي يلقنوا السكان المحليين درساً يثنيهم عن دعم المتمردين. فتتم مضايقة المجتمعات بعمليات الحصار والاعتقالات والروتين الممل وحظر التجوال المحلي وما شابه ذلك. وفي ظل مثل هذه الظروف، يمثل فساد قوات الأمن العراقية مشكلة لأن صناع القرار السياسي قد منحوا القوات السلطة الكاملة وهم على استعداد لغض الطرف عن الانتهاكات.

14. تميل قوات الأمن في العديد من دول الشرق الأوسط إلى إبداء الولاء للنظام الحاكم وليس الشعب أو الدستور وربما تتدخل أحياناً في التحولات الديمقراطية. وقد حاولت الولايات المتحدة تغيير تلك الثقافة في العراق وتكوين قوات تستطيع دعم الانتقال السلمي للسلطة. ما الاتجاه الذي ترى العراق يسير فيه اليوم؟

في النظم السياسية المركزية كما هو النظام في العراق - حيث يتطلع جميع الفاعلين إلى أعلى دوائر السلطة والمسؤول الأول عن اتخاذ القرارات - هناك ميل لكي تتبع قوات الأمن أوامر الحكومة حرفياً. وهذا صحيح بصفة خاصة إذا علمنا أنه تم تعيين سياسيين موالين عبر جميع القيادات العليا تقريباً. وسيأتي الاختبار الهام للجيش خلال انتخابات مستقبلية عندما يفشل رئيس وزراء عراقي حالي في الفوز بفترة أخرى ويحدث انتقال دستوري للسلطة. أو قد يحدث هذا في حالة عزل رئيس وزراء عن طريق تصويت بحجب الثقة في البرلمان، وهو الأمر الذي كان من الممكن أن يحدث هذا الربيع. وسيكون أمام الجيش آنذاك خياران: إما اتباع الدستور أو الانحراف عنه. والوضع بطبيعة الحال نادراً ما يكون بهذا الوضوح والقطعية، بل يستطيع مسؤول تنفيذي ذكي أن يعلق العملية السياسية "مؤقتاً" بسبب "ظروف طارئة". وهذه إحدى المشاكل المترتبة على وجود أزمة أمنية مفتوحة: فهي تخلق مساحة للسلوك السياسي الشاذ وثني القواعد الدستورية أو كسرها.

15. هناك مناقشات هامة حالياً حول ما إذا كان رئيس الوزراء المالكي سيصبح مستبداً أم لا. فما هو رأيك؟

حكم الفرد المطلق هو وسيلة الحكم السائدة في العراق، والوضع الحالي ليس استثناءاً، لذا لا عجب في أن المالكي سيجمع لنفسه أكبر قدر من الصلاحيات يسمح به النظام. وهذا التكديس للصلاحيات مشروع جزئياً في ظل الأوضاع الراهنة. على سبيل المثال، كان يلزم سلطة قوية لإخراج العراق من أزمته الأمنية في عام 2008. وقد تطلب ذلك بعض المركزية والرقابة السياسية المباشرة على قوات الأمن. وقد تركزت بعض الصلاحيات في يد مجلس الوزراء، لأن المؤسسات الأخرى - وأبرزها البرلمان - أخفقت لسنوات متتالية وتسبب في أزمة. إن الإستبداد هو سمة منهجية في العراق: فالسلطة تتركز في أيدي المستويات العليا من النظام، حيث يفتقر صغار صناع السياسات إلى الثقة في اتخاذ القرارات ومن ثم يفوضون السلطة باستمرار إلى أعلى التسلسل الهرمي للقيادة.

ومن ناحية أخرى، ذهبت المركزية إلى أبعد من اللازم. فلم يعد نظام المحاكم الفدرالي يؤدي وظائفه كمراقب على السلطة التنفيذية. ورغم أن البرلمان أصبح أكثر استعداداً للنهوض بمثل هذا الدور، إلا أن السلطة التنفيذية مترددة في إعادة الصلاحيات الشرعية إلى الهيئة التشريعية. وعلاوة على ذلك، تستخدم الحكومة القوات الأمنية بطريقة غاشمة، كما تنتهك الدولة الدستور بانتظام وبشكل فادح. وترى العديد من الأطراف داخل العراق وخارجه أنه يجب قصر رئاسة الوزراء على فترتين، لأنه في ظل نظام مركزي كنظام العراق يمكن أن يصبح أي قائد مستبداً خلال سنوات قليلة.

 

الدكتور مايكل نايتس هو زميل في معهد واشنطن ونائب رئيس مجموعة "أوليف غروب" - شركة أمن دولية تعمل في العراق. ويجري نايتس أبحاث ويكتب مقالات عن العراق وعمل هناك خلال العقود الثلاثة الماضية. وهو أحد المحللين الرئيسيين عن الوضع الأمني ​​داخل البلاد.