أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1922

ماذا عسى أن تربحه إيران من صفقة نووية؟

پاتريك كلاوسون

متاح أيضاً في English

11 أبريل 2012


 

"بالنظر إلى الاختلافات الأمريكية الإيرانية المستمرة حول قضايا مثل الإرهاب وحقوق الإنسان، فلن تحصل الجمهورية الإسلامية سوى على منافع اقتصادية محدودة إذا ما تم التوصل إلى اتفاق نووي، ويخشى خامنئي من أن يدفع النظام حينئذ ثمناً سياسياً باهظاً."

 

إذا قررت إيران أن تتفاوض بجدية خلال المحادثات النووية المرتقبة - التي من المقرر حالياً أن تبدأ في اسطنبول في نهاية هذا الأسبوع - فماذا عساها تتوقع أن تكسب من الاتفاق الناتج؟ ربما ليس كثيراً، لأنه حتى الاتفاق الشامل حول القضايا النووية لن يقضي على الشقاق الجيواستراتيجي العميق القائم بين واشنطن وطهران.

فوائد اقتصادية متواضعة فقط

إن معظم العقوبات الأمريكية على إيران قد تم سنها لأسباب تمتد إلى ما هو أبعد من الانتشار النووي مثل دعم الدولة للإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان. وعندما فرضت واشنطن قيوداً على "المصرف المركزي الإيراني" في شباط/ فبراير بعد نقاش داخلي مطول، لم تكن الأسباب المذكورة في الأمر التنفيذي للرئيس الأمريكي أوباما تركز على البرنامج النووي بل على "الممارسات الخادعة التي يتبعها «المصرف المركزي الإيراني» وبنوك إيرانية أخرى لإخفاء صفقات لأطراف محل عقوبات، وعلى أوجه القصور في النظام الذي وضعته إيران لمكافحة غسل الأموال ونقاط الضعف في تنفيذه، والمجازفة غير المقبولة المفروضة على النظام المالي الدولي بسبب أنشطة إيران." وسوف لن تتبدد أياً من هذه المشاكل من خلال الوصول إلى اتفاق نووي شامل.

وعلاوة على ذلك فقد تمثل النموذج الأمريكي في دول أخرى بتخفيف العقوبات بطريقة مرحلية مع إبقاء بعض القيود سارية المفعول حتى يصبح من الواضح بأن التغييرات المستهدفة للحكومة دائمة وشاملة. وقد كان الكونغرس متردداً بشكل خاص في إنهاء العقوبات التي سنها لتصبح قانوناً. ولننظر مثلاً إلى قيود "جاكسون – فانيك" التي فرضت على الاتحاد السوفيتي بسبب القيود على الهجرة اليهودية، فهي ما تزال في كتب القوانين، ويسبب ذلك انزعاجاً شديداً لموسكو. وفي حالة إيران فإن الكثير من العقوبات التي صدرت في البداية كأوامر تنفيذية قد تم سنها كقوانين منذ ذلك الحين. وعلى الرغم من أن تلك القوانين عادة ما تمنح السلطة للرئيس حول التنازل عن العقوبات لو تطلب الأمن القومي ذلك، إلا أن الثمن السياسي في إصدار التنازل قد يكون باهظاً.

وليس واضحاً أيضاً إلى أي مدى سوف يؤثر الاتفاق النووي على العقوبات التي فرضتها دول أخرى. فقد ذكر الاتحاد الأوروبي المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان بالنسبة للعديد من العقوبات التي فرضها على إيران ومسؤولين إيرانيين. كما أن لدى الاتحاد الأوروبي سجلاً طويلاً من فرض عقوبات لمثل هذه الأسباب، من بورما إلى زيمبابوي، لا سيما وأن صورة طهران في مجال حقوق الإنسان في الدوائر الأوروبية سيئة جداً. وأما عن عقوبات الأمم المتحدة فلن تسمح الولايات المتحدة بانتهاء مدة فعالية قرارات مجلس الأمن لأن إعادة تقديمها سيكون صعباً جداً إذا لم تفِ إيران بالتزاماتها. ومن هنا جاء تفضيل تعليق العقوبات لفترة زمنية محددة بدلاً من إزالتها كلية.

وحتى لو تم تخفيف العقوبات على نحو كبير فربما لا تكون الشركات الخاصة متحمسة للدخول ثانية إلى السوق الإيرانية. وقد فعل ذلك عدد من الشركات الدولية الرئيسية التي انسحبت من إيران في السنوات الأخيرة على الأقل جزئياً بسبب مناخ العمل السيئ هناك. وحتى عندما كانت العقوبات أمراً غير ذي بال فقد كان لدى إيران سجل ضعيف في جذب الاستثمارات الدولية. ويمكن فهم ذلك في إعادة صياغة كولن باول للمقولة القديمة "رأس المال جبان، ويهرب من الفساد والسياسات السيئة والصراع والضبابية."

وفي نواح كثيرة سيصب التأثير الاقتصادي الرئيسي في التوصل إلى اتفاق نووي في صالح تجنيب إيران المزيد من العقوبات. وثمة قيود رئيسية جديدة تلوح في نهاية حزيران/ يونيو، بما في ذلك الحظر الذي سيفرضه الاتحاد الأوروبي على مبيعات النفط وعقوبات أمريكية محتملة على البنوك المركزية الأجنبية التي تسهل صادرات النفط الإيرانية. وسيتم تعليق هذه الإجراءات في الغالب في حالة التوصل إلى اتفاق، بيد إن عدم التوصل إلى اتفاق سيؤدي إلى حث الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأخرى ذات التوجه المماثل على زيادة الضغط على إيران وبصورة أكثر. غير أن تجنب العقوبات المرتقبة لا يمثل حافزاً ملموساً بصورة خاصة بالنسبة للقادة الإيرانيين، أي أنهم سيجدون صعوبة في تبرير الاتفاقية لناخبيهم بمجرد القول "إنها اتفاقية سيئة لكن لو لم نأخذها ستكون الحياة أسوأ."

مخاوف خامنئي

في اجتماعه في 29 آذار/ مارس مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خرج المرشد الأعلى علي خامنئي بتصريح كاشف عندما قال إنه يعارض "أية خطة يضعها الأمريكيون للقضية السورية." وفي رد واضح على هذا التعليق قال الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني لصحفي أجرى معه مقابلة بأن "الولايات المتحدة هي القوة الرئيسية في العالم. فما هو الفرق بين أوروبا والصين وروسيا والولايات المتحدة؟ إذا كنا نتفاوض معهم فلم لا نتفاوض مع الولايات المتحدة؟ المفاوضات لا تعني الاستسلام. سوف نتفاوض. وإذا قبلوا موقفنا أو قبلنا موقفهم ستنتهي المشكلة." وقد استمر في إعادة سرد كيف كان قد أوصى ذات مرة آية الله روح الله الخميني بأن تتفاوض إيران مع واشنطن. وقد تسببت تعليقات رفسنجاني عاصفة من الانتقادات حيث اشتكى أنصار خامنئي المعتادين وبصوت عال أنه لا شيء مما تقترحه الولايات المتحدة يمكن قبوله.

وبالنسبة للقضية النووية، غالباً ما يؤكد خامنئي أنه لا توجد قيمة كبيرة في تسوية الأزمة لأن الغرب ببساطة سوف يتحول إلى مشكلة أخرى يتذرع بها مثل حقوق الإنسان ليظل ضاغطاً على طهران. وهو يصف الغاية الحقيقية للغرب بأنها تقويض الجمهورية الإسلامية ومن ثم اسقاطها. وفي الحقيقة فإنه لطالما قد حذر من الخطة الغربية لتحقيق "إطاحة ناعمة" باستثارة الشباب والنساء والمفكرين، وهو يرى أن الاحتجاجات الواسعة التي وقعت في عام 2009 دليل على أن رأيه صائب. ويؤكد سجل آراء خامنئي الوفير في هذه القضية أنه سوف يرى أي مقترح نووي أمريكي بأنه حصان طروادة محتمل، الغرض منه فتح البلاد أمام الأفكار الغربية التي سوف تبتلع الجمهورية الإسلامية. ويفسر هذا التوجه السبب في استشهاد خامنئي دورياً بامتناع الخميني المفضل من أجل رفض عروض أوباما في التقارب بقوله: "هل تعتبر هذا تفاوضاً؟ إن هذا يشبه علاقة بين ذئب وحمل."

وباختصار، فإن إعطاء خامنئي حافزاً لتسوية المأزق النووي أمراً صعباً لكونه يبدو وكأنه يخشى الجزر الأمريكي أكثر من العِصِيّ الأمريكية. على سبيل المثال لأنه (وبحق) يعتبر الغزو الثقافي الغربي تهديداً رئيسيا للنظام فإنه يعارض بشكل خاص ما يعتبره كثيرون الخطوة الأخف والأكثر جوهرية لبناء الثقة وهي التبادلات على مستوى الشعبين. وتؤكد الكثير من خطاباته أنه يخشى من فتح البلاد للعالم الخارجي أكثر من خشيته من شن هجوم عسكري يعتقد (خطأ) أنه سوف يحشد الشعب حول قيمه الثورية.

كما أن معارضة خامنئي التي يُعبر عنها مراراً لتقديم تنازلات - والتي يراها فخاً - هي مؤشر آخر على أنه سوف يرفض الاتفاق النووي. ولحسن الحظ فبالرغم من أنه أهم لاعب في النظام السياسي الإيراني إلا أنه ليس الوحيد، كما أن العقول الأكثر حيطة ووجهة تجارية ربما هي الغالبة.

مقابل صفقة نووية، إيران تحصل على فوائد نووية

إن أهم المنافع التي يمكن أن تستقيها إيران من الاتفاق النووي ستكمن على الأرجح في القطاع النووي. فقد أصبح البرنامج النووي هو الطابع التسويقي للنظام حيث تتفاخر إيران بقوة بالتطورات العلمية والتكنولوجية التي من المفترض أنها تُقرِّب الجمهورية الإسلامية من صفوف القوى العظمى في العالم. وهكذا فإن كسب القبول الدولي لصالح البرنامج سيكون نجاحاً حقيقياً لطهران. فالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا تعلن مراراً عن استعدادها لقبول برنامج نووي مدني سلمي في إيران. بل وأثناء فترة عملها كوزيرة الخارجية الأمريكية تحدثت كوندوليزا رايس عن التعاون في مجال إنشاء محطات طاقة نووية في البلاد بمجرد أن يتم حل المأزق المستمر - وهو ما جاء بمثابة تغير كبير عن معارضة الرئيس كلينتون الصارمة لمحطة بوشهر في أواخر التسعينات من القرن الماضي والتي اعتبرها قضية ذات أولوية في العديد من القمم مع القادة الروس. ورغم أن تكهن رايس كان مستبعداً تماماً إلا أن مجرد القبول السياسي للبرنامج سيُعد نصراً لقادة إيران حتى لو كان لزاماً عليهم أن يوافقوا على قيود كبيرة. وستكون هناك فوائد عملية آنية أيضاً، إذ أن التوصل إلى اتفاق من المفترض أن يعني نهاية حملات التخريب والاغتيالات.

غير أنه بغض النظر عن مدى شمولية التسوية النووية التي ربما يصل إليها الطرفان، ستظل إيران منقسمة بعمق تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. كما أن الاضطرابات الحالية في سوريا والتي أضرّت جداً بصورة الجمهورية الإسلامية عبر أنحاء العالم العربي إنما تمثل سبباً آخر في أن واشنطن وآخرين سوف يظلون ينظرون إلى طهران بعين الريبة، إن لم يكن بعدائية. وإذا أرادت إيران الحصول على المزيد فسيكون عليها تقديم المزيد.

 

پاتريك كلاوسون هو مدير الأبحاث في معهد واشنطن.