صفحات رأي ومقالات
نظرتان من مصر تجاه سياسة الولايات المتحدة
متاح أيضاً في English
منتدى فكرة
30 أغسطس 2012
سياسة أمريكا المتبدلة تجاه جماعة الإخوان المسلمين
الدكتور أمين مكرم عبيد
تُعرَف أمريكا بأنها منارة الديمقراطية والمدافعة عن القيم وبانية جسور التواصل بين الشعوب والأمم، فضلاً عن كونها نموذجاً يقتدي به العالم بأسره. بيد أن هذه الصورة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تفقد مكانتها في قلوب محبي الديمقراطية وصُناع السلام في هذه المنطقة المنكوبة.
ففي أوائل عام 2011، ذكر المراقبون السياسيون أن إدارة أوباما بدأت تعكس مشاعر انعدام الثقة والعداء تجاه جماعة الإخوان المسلمين التي استمرت على مدار عقود. وهذا التبدل جاء رغم المعرفة الكاملة بأن سياسة الإخوان تدعوا إلى فرض الشريعة الإسلامية على المسيحيين والمسلمين الليبراليين الذين يرفضون هذه السياسة ويعتبرونها استبدادية. كما أن عقيدتهم التنظيمية تبين ذلك على أتم وجه: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". بل يتضح أن شعار جماعة الإخوان يشجع على الجهاد العسكري، حيث يتألف من سيفين والقرآن الكريم. ويرجح أن يكون هذا مقبولاً لمجتمع مسلم متجانس كما في المملكة العربية السعودية، لكن الوضع ليس كذلك بالتأكيد في مصر ولبنان وسوريا والأردن.
وسيكون من المغري أن نسأل قادة الإدارة الأمريكية الحالية: هل مبدأ التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يفصل ما هو مقدس (الكنيسة) عما هو علماني مناسب تماماً لدولة كمصر؟ أم أن هناك دافع خفي وراء سياسة أوباما الجديدة تجاه الإخوان؟ يبدو أن الإدارة الحالية ليس لديها أي مشكلات في استخدام مجموعتين من القواعد يمكن أن تستغلها أو تسيء استغلالها لتحقيق منافعها الفورية، ولكن ليس بالتأكيد لتحقيق منافع الأشخاص الذين سوف يعانون من اختيارهم الجديد.
من المهم أن نتذكر في هذه المرحلة أن جماعة الإخوان ليست منظمة دينية تدعوا إلى حماية الأقليات المضطهدة (الدينية أو غيرها)، كما أنها ليست جمعية خيرية ترسل المتطوعين للخدمة في المستوطنات التي تفتك بها الأوبئة، كما لا يُعرف عنها أنها تُعلم أعضاءها الذكور النظر إلى المرأة من منظور نقي خالي من الشهوة عندما يكون من الأيسر بكثير تغطيتهن بطبقات كثيفة من الحجاب. والواقع أن الهدف الأول للجماعة هو تطبيق الشريعة باعتبارها القانون الذي يحكم بصفة أساسية شؤون الدولة والمجتمع. والهدف الثاني للجماعة هو العمل نحو توحيد البلدان الإسلامية، لا سيما الدول العربية. وليس من باب المصادفة أن جماعة الإخوان المسلمين تأسست عام 1929، بعد أربعة أعوام فقط من سقوط الخلافة التركية. ومع بزوغ خلافة جديد يأمل الإسلاميون في إعادة توحيد كل المسلمين من إندونيسيا وحتى المغرب.
جدير بالذكر أن جماعة الإخوان المسلمين منظمة بشكل جيد وتستطيع العمل بفعالية كبيرة من أجل وحدة المسلمين حول العالم. وعلاوة على ذلك، ومثلما ذكر المحلل السياسي إيجور إجناتشينكو، فإن جماعة الإخوان المسلمين عبارة عن منظمة إسلامية تشكل هيكلا شبكيًا له مكاتب تمثل المنظمة في 30 دولة. كما أثبتت الجماعة فعاليتها مؤخراً بالمساعدة في الإطاحة بالقذافي في ليبيا والفوز بالانتخابات في مصر وفلسطين، حيث تُعرف باسم حركة حماس.
فلماذا غيرت الولايات المتحدة (خلال الإدارة الحالية) سياستها بشكل درامي باتجاه تأييد جماعة الإخوان؟ كيف يمكن انتهاج هذه السياسة من قبل قادة دولة قامت على مبادئ الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة؟ إنني في حيرة من أمري للإجابة على هذا السؤال، وينتابني قلق بشأن الأخلاقيات السياسية الكامنة وراء سياسة فريق أوباما/كلينتون. هل نسي السيد أوباما والسيدة كلينتون الآثار المدمرة التي أعقبت دعم حرب المجاهدين الإسلاميين الراديكاليين ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وكيف ترتب عليها زعزعة استقرار الشرق الأوسط والعالم بأسره؟ هل نسيا أيضاً مدى سهولة زعزعة استقرار إيران عن طريق دعم آية الله؟
لو أن هذا التغير السياسي الكامل والمفاجئ هو من أجل التحكم بشكل أفضل في شرق أوسط ضعيف ومتزعزع، فإن الواقع يقول إنه سيكون من المجدي أكثر بالنسبة للولايات المتحدة أن تستخدم مساعيها من أجل تشجيع ومساعدة مصر والبلدان العربية الأخرى على التمتع بالديمقراطية الحقيقية المنفتحة على قيم الفصل بين ما هو مقدس وما هو علماني. وعلاوة على ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تعزز التقدم الصناعي والزراعي والاقتصادي والعلمي من أجل جعل تلك الدول آمنة ومزدهرة ومن ثم أقل عرضة لاستخدام العنف في حل المشكلات.
إن الفصل بين الكنيسة والدولة أمر جوهري للدستور الأمريكي، وهو هام جداً بحيث تم إدراجه في التعديل الأول للدستور الذي يقول: "يجب ألا يسن الكونجرس أي قوانين فيما يخص إقامة دين أو حظر ممارسته بحرية". ولهذا السبب لا يوجد في أمريكا ديانة رسمية مثلما هو الحال في المملكة العربية السعودية ومصر. كما أن هذا الدستور يحظر على الولايات المتحدة الدخول في حرب لأسباب دينية.
بيد أنه من المهم أن نفهم أن الفصل بين ما هو مقدس وما هو علماني لا يعني الدعوة إلى طلاق راديكالي عن الأخلاقيات الشخصية والتي تجدها - سواء أحببت ذلك أم لا – محمية في القانون اليهودي المسيحي للأخلاق والذي اعتنقته الولايات المتحدة الأمريكية على مدار ما يزيد على قرنين من الزمان.
يجد الليبراليون والأقليات الدينية في مصر اليوم أنفسهم مضطرين للدخول في مواجهة يائسة مع إدارة أمريكية مستعدة لبيع رفاهية الأقليات المتعطشة للسلام، مثل المسيحيين والمسلمين الليبراليين والبهائيين إلى الإسلاميين ومموليهم من الدول العربية الغنية بالنفط مقابل عدد زهيد من براميل النفط.
بيد أنه يجب أن نعلم أن السياسة الأمريكية الجديدة تجاه الإخوان المسلمين لم تضمن لها الفوز بالدعم طويل الأجل من الإسلاميين، رغم محاولة إدارة أوباما المخزية استرضاء أعداء الديمقراطية على حساب التخلي عن أصدقائها الليبراليين التقليديين.
لقد تأذى المسيحيون والليبراليون في الشرق الأوسط أيما تأذي جراء التبدل الحالي في السياسة الأمريكية ويأملون أن تعود الولايات المتحدة إلى رشدها مع وصول إدارة جديدة تكون أكثر حكمة وفطنة. وفيما يتعلق بالإسلاميين الراديكاليين، فإن كراهيتهم للولايات المتحدة لن تخبت أبداً وذلك بسبب رفضهم للعديد من القيم الأمريكية التي يسود اعتقاد بأنها غير ملائمة للإسلاميين الراديكاليين.
الدكتور أمين مكرم عبيد، زميل كلية الجراحين الملكية، وزميل كلية الجراحين الأمريكية
الآن النظام المصري مستقرا لكنه هش
مجدي سمعان
كان الرئيس المصري الجديد محمد مرسي يواجه صعوبات جمة تضع علامات استفهام على قدرته على قيادة البلاد إلى أن وقع الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته 16 من جنود حرس الحدود المصريين بمدينة رفح على الحدود الإسرائيلية، عندها تغير كل شيء. استغل الرئيس الحادث لتبرير قراراته بإقالة كبار قادة المجلس العسكري والمخابرات العامة الذين كانوا يتحكمون في شئون البلاد. وبعد أن كان هناك شكوك في صلاحيات الرئيس الجديد أصبح ينظر له على أنه فرعونا جديدا يمتلك صلاحيات لم يمتلكها الرئيس السابق حسني مبارك، خاصة بعد أن ألغي الإعلان الدستوري المكمل وأصدر إعلانا جديدا، دون الرجوع للشعب، منح فيه لنفسه حق التشريع.
ذهب البعض إلى أن قرارات مرسي جاءت في إطار الصراع بين المجلس العسكري والرئيس الإخواني على حكم البلاد، لكن في اعتقادي أن الصراع كان في الأساس داخل مؤسسات الجيش التي كان بعضها يدعم وصول الفريق أحمد شفيق للرئاسة بينما كان البعض الآخر يدعم وصول الإخوان لنزع فتيل الاحتجاجات الشعبية المحتملة في حالة وصول عسكري للحكم، وهو ما كان من الممكن أن يعيد الثورة لمسارها الصحيح بعد أن تمكن العسكريين من الالتفاف حوله، ويهدد بمحاكمة قادة المجلس العسكري. وقد كان الإخوان مجرد رأس حربه في هذا الصراع.
كانت تصريحات اللواء مراد؟؟ منير موافي، مدير المخابرات العامة، عقب الحادث مؤشرا على هذا الصراع فقد صرح بأنه اطلع السلطات المختصة في الجيش على المعلومات التي كانت متوافرة بوجود مخطط لتنفيذ هجوم إرهابي، وهو اتهام مبطن لها بالتقاعس عن القيام بدورها، وبالرغم من ذلك أصدر مرسي قرارا بإحالته للتقاعد.
تلاه بقرر آخر في 12 أغسطس بإحالة عدد من كبار قادة المجلس العسكري للتقاعد، وعلى رأسهم المشير طنطاوي، وزير الدفاع، والفريق سامي عنان، رئيس الأركان، لكن بعد تكريمهم ومنحهم وظائف مدنية.
وبالرغم من المؤشرات على وجود صراع داخل مؤسسات النظام إلا أن قرار إزاحة كبار قادة المجلس العسكري كان ضروريا لغلق صفحة المرحلة الانتقالية العشوائية التي شهدتها البلاد، وكان بقائهم سيؤدي إلى تذكير المصريين بالتلاعب الذي حدث لثورتهم والمذابح التي ارتكبت على يد هؤلاء القادة.
عقب "ثورة" يناير كان هناك اتجاه شعبي رافض لتولي رئيس عسكري حكم البلاد. كانت المعضلة التي تواجه حكام البلاد من العسكريين تتمثل في كيفية الحفاظ على مصالحهم في ظل وجود رئيس مدني منتخب. ابدت جماعة الإخوان المسلمين مرونة مع العسكريين وساعدتهم على اجهاض مطالب القوة الثورية المدنية التي كانت تضمن تحول ديمقراطي حقيقي يحقق تغييرا في موازين القوة، بداية برفض اقتراح المجلس الرئاسي، ثم دعم التعديلات الدستورية واجراء الانتخابات قبل وضع الدستور، ومن جانبه غض المجلس العسكري الطرف عن تقنين وضع الجماعة ومن ثم اخضاع مصادر تمويلها للرقابة، كما غض الطرف عن استخدامها لشعارات دينية مجرمة بحكم الدستور خلال الانتخابات.
هناك احتمالين لما حدث، الأول، هو أن الجماعة انقلبت على المجلس العسكري وانفردت بالحكم، والثاني هو أن التغيرات تمت بالتنسيق ما بين المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين لتجديد دماء الحكم، واضفاء شرعية على حكم الرئيس الجديد، وفي نفس الوقت تستمر مصالح ونفوذ الجيش المتغلغل في حكم البلاد مع إدخال تعديلات شكلية لاقتسام السلطة بين الطرفيين، وعودة العسكريين للعب من خلف الستار. أنا أرجح الاحتمال الثاني، ولا أتوقع حدوث تغيرات جوهرية في الخطوط العريضة لسياسات النظام المصري سواء على المستوى الداخلي، أو على المستوى الخارجي، وخاصة في علاقة التبعية مع الولايات المتحدة، وأري أن توجه مرسي للتقارب مع إيران والصين هو مجرد غسيل وجه للجماعة، ولا استبعد أن تتبعه بسياسات شعبوية أخرى لكن مع بقاء التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والالتزام بمعاهدة السلام مع اسرائيل.
التصريحات التي تلت قرارات مرسي تؤكد الاحتمال الثاني، وأن هناك عملية ترتيب أوراق جرى الاتفاق عليها بين الأطراف الفاعلة في شكل تآمري، فالقادة المُحالين للتقاعد لم يكن لديهم علم بالقرارات، كما صرح اللواء مهاب مميش، قائد البحرية المحال إلى التقاعد. في حين صرح أحد أعضاء المجلس العسكري الذي تربطه علاقة وثيقة بالولايات المتحدة، وهو اللواء محمد العصار، إن قرارات إحالة القادة للتقاعد تمت بالتشاور مع المجلس العسكري، وهو ما يعني أن بعض أعضاء المجلس كانوا على علم بالقرارات، وإذا أضفنا إلى ذلك أن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون كانت على اطلاع بالتغيرات المزمع إجرائها خلال زيارتها لمصر في وقت سابق، كما صرحت المتحدثه بإسم الخارحية الأمريكية فيكتوريا نولاند، فإننا نكون ازاء مؤامرة اشترك فيها بعض أعضاء المجلس العسكري، والإدارة الأمريكية، وأن هذه المشاورات كانت الضوء الأخضر لمرسي لاتخاذ تلك القرارات.
قبل ثلاث أسابيع من قرار الرئيس بإقالة عدد من كبار قادة المجلس العسكري كتبت مقالا بعنوان: "متى ينقلب الإخوان على المجلس العسكري؟" توقعت فيه أن يتم هذا الأمر، وقلت أن الصيغة الحاكمة للبلاد بوجود رأسين متناطحين لا يمكن أن تستمر هكذا طويلا، فاستمرار مصالح الطرفين يتوجب احداث تغيرات.
حينما قالت وزير الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون جملتها الشهيرة في أوج الثورة المصرية: "النظام المصري مستقرا" كانت تعبر عن تطلعاتها وليس عن الحقيقة على أرض الواقع، وبمرور الوقت ساهمت السياسات الأمريكية بالإشتراك مع حلفائها في الخليج وإسرائيل في إعادة الاستقرار إلى النظام المصري بصيغة يتولي فيها الإخوان المسلمون القيام بدور مبارك.
لكن استقرار الأمور في أيدي الرئيس الإخواني تواجهه عقبة الإقتصاد الذي يواجه متاعب جمة وتجعل منه استقرارا هشا، وحالة الغضب الإجتماعي بسبب انهيار الخدمات تتصاعد. وأمام هذا اضطرت الحكومة الإخوانية إلى أن تتخلى عن مبدأها في رفض الاستدانة من البنك الدولي باعتبار أن فوائد القرض هي "ربا" تحرمه الشريعة الإسلامية بل وزادت مبلغ القرض الذي يجري التفاوض بشأنه من 3 مليار دولار إلى 4.8 مليار دولار، وحتى في حالة الموافقة على القرض فالبنك الدولي يضع شروطا صعبة لعل أهمها رفع الدعم عن الطاقة وهو أمر قد لا يتحمله قطاع كبير من المصريين. وما لم تتمكن الحكومة من الخروج من عنق الزجاجة فإن استقرار الأوضاع في يد الرئيس الإخواني سيكون استقرارا هشا يجعل الجماعة في مرمى نيران الغضب الاجتماعي.
مجدي سمعان هو صحفي مستقل المصري