أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

عودة المنافسة التركية الإيرانية

سونر چاغاپتاي

متاح أيضاً في English

حريت ديلي نيوز

17 تشرين الأول/أكتوبر 2011


 

"هناك مكان في الشرق الأوسط لشاه واحد أو سلطان واحد، ولكن ليس لشاه وسلطان معاً."

 

خلال السنوات القادمة، لن تكون المنافسة المهيمنة في الشرق الأوسط هي الصراع العربي الإسرائيلي أو التوترات السعودية الإيرانية، وإنما تجدد المنافسة التركية الإيرانية.

وفي الواقع أن المنافسة التركية الفارسية هي لعبة السلطة الأقدم في الشرق الأوسط. فبين القرنين الخامس عشر والعشرين، تحدى السلاطين العثمانيون والشاهات الفارسيون -- الذين كانوا سلائف تركيا وإيران الحديثتين -- بعضهم البعض من أجل الهيمنة الإقليمية.

وبعد سقوط الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية وتخلي تركيا الحديثة عن الشرق الأوسط لصالح الغرب، بدا وكأن هذه المنافسة قد انتهت. وفي الآونة الأخيرة، ظهر في البداية أن سياسة تركيا الخارجية تجاه الشرق الأوسط تقرِّب أنقرة من طهران. بيد أنه بعد أن أصبحت أنقرة الناهضة لاعباً مرة أخرى في الشرق الأوسط، برزت في الواقع باعتبارها المتحدي الطبيعي للفاعل الشرق الأوسطي الرئيسي الآخر: إيران النووية الساعية إلى الهيمنة.

وبناءاً على ذلك، أصبحت المنافسة التركية الفارسية مرة أخرى هي لعبة السلطة الرئيسية في المنطقة. لتأخذ على سبيل المثال منافستهما في العراق. فعلى الرغم من أن كلاً من تركيا وإيران كانتا قد عارضتا حرب العراق في البداية، إلا أن حقيقة دعمهما لمعسكرات متعارضة في الانتخابات العراقية المتعاقبة قد أعاد إشعال تلك المنافسة. واليوم تنظر أنقرة وطهران إلى بعضهما البعض بحذر، فكلاهما لا يريد أن يحظى الآخر بمزيد من النفوذ في بغداد أو على الأكراد العراقيين.

والأهم من ذلك وصلت المنافسة التركية الفارسية إلى ذروتها بشأن سوريا. فأنقرة هي المعارض الإقليمي الرئيسي لقمع نظام الأسد للمتظاهرين. ومن الناحية الأخرى لا تقف طهران مع الأسد فحسب بل تحول الأموال إلى نظام البعث لكي يتسنى له مواصلة سياسة الإضطهاد التي يتبعها.

وهذه هي التبعات الأكثر أهمية -- وربما تكون غير مقصودة إلى حد ما -- لتحول تركيا نحو الشرق الأوسط. وحتى لو ظهر هذا التحول في البداية وكأنه يخلق محور أنقرة - طهران، إلا أنه حقق في الواقع نتيجة عكسية ألا وهي: إثارة المنافسة على الهيمنة الإقليمية وإعادة إحياء ذكريات قديمة قدم القرون.

هذا ولطالما كانت تركيا وإيران حذرتان من بعضهما البعض. فبعد شن حملات إضعاف ضد بعضهما البعض على مدى قرنين تقريباً، استقر العثمانيون والفارسيون في عام 1639على قيام سلام مشابه لـ "الحرب الباردة"؛ فقد اتفقا على عدم التقاتل مباشرة لكنهما انخرطا بدلاً من ذلك في حروب الوكلاء لتقويض بعضهما البعض. فعلى سبيل المثال تنافستا الدولتان من أجل تحقيق النفوذ في العراق خلال القرن التاسع عشر.

وقد انحسرت المنافسة الأقدم في المنطقة لفترة وجيزة في منتصف القرن العشرين عندما تحولت تركيا نحو الغرب، وتركت فراغاً في الشرق الأوسط. وقد كان ذلك مفيداً لدرجة أن شاه إيران في ذلك الوقت تعاطف مع المهمة التحديثية لتركيا أتاتورك .

إلا أنه بعد الثورة الإسلامية في عام 1979، عادت المنافسة التركية الفارسية إلى الحياة مرة أخرى. ومن وجهة نظر طهران، تطرح الثورة إيران وتركيا كنموذجين متناقضين كلية للشرق الأوسط: دولة دينية استبدادية مقابل ديمقراطية مؤيدة للغرب وعلمانية بصورة قوية. إن ظهور تركيا كعملاق شرق أوسطي في ظل «حزب العدالة والتنمية» أكمل الحلقة من خلال تقديم أنقرة بصفتها المنافس الرئيسي الذي يقف أمام رغبة طهران في الهيمنة على المنطقة.

والآن، بدءاً من العراق وحتى سوريا، تعارض الدولتان بعضهما البعض من أجل القيادة الإقليمية. إن قبول أنقرة مؤخراً تركيب محطات رادار على أراضيها كجزء من مشروع الدفاع الصاروخي لـ "حلف شمال الاطلسي" قد أشار إلى طهران بأن تركيا الشرق الأوسطية، المرتبطة بقوة بـ "حلف الناتو"، ربما تشكل تهديداً أكبر على المصالح الإيرانية من مجرد تركيا المؤيدة للغرب.

وهنا تظهر مسألة «حزب العمال الكردستاني». فخلال العقد الماضي دفعت هجمات «حزب العمال الكردستاني» ضد تركيا وهجمات «حزب الحياة الحرة في كردستان» -- الذي هو فرع من «حزب العمال الكردستاني» -- ضد إيران، كلاً من أنقرة وطهران إلى إجراء مناقشات أمنية مباشرة. غير أنه في الوقت الراهن أقامت إيران سلاماً مع «حزب الحياة الحرة في كردستان» وتشير التقارير إلى أنها أنقذت حياة قائد «حزب العمال الكردستاني» مراد قريلان من خلال "أخذه إلى الحجز" في الوقت الذي كانت فيه تركيا تقصف معسكرات «حزب العمال الكردستاني» في العراق. هذا وتظهر إيران وتركيا أياديهما ببطء في لعبة السلطة الأقدم في المنطقة.

في الشرق الأوسط هناك مكان لشاه واحد أو سلطان واحد، ولكن ليس لشاه وسلطان معاً. ويبدو أن أنقرة وطهران قد عادا مرة أخرى إلى المنافسة التي طالت قروناً عديدة بينهما من أجل أن يصبح كل منهما القوة المهيمنة في المنطقة.

 

سونر چاغاپتاي هو مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن.