أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

انقسام تركيا بشأن سوريا

سونر چاغاپتاي

متاح أيضاً في English

سي إن إن غلوبل پبليك سكوير

22 آب/أغسطس 2012


"أصبحت تركيا منقسمة بشأن المسار الذي [ينبغي عليها] اتباعه حيال سوريا، كما أن قدرة «حزب العدالة والتنمية» على التسويق لسياسة قائمة على استخدام القوة ليست مضمونة على الإطلاق."

في أعقاب التفجير الانتحاري هذا الأسبوع في مدينة غازي عنتاب التركية، ألمحت الحكومة في أنقرة إلى ضلوع سوريا في الهجمات، حيث أشار وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، على سبيل المثال، إلى أوجه الشبه بين التفجير والأساليب التي يتبعها النظام السوري.

وتلك العقلية تقرب تركيا من اتخاذ إجراءات ضد دمشق. وعلى الرغم من تلك التعليقات، إلا أن البلاد أبعد ما تكون عن كونها متحدة حول سياسة لإسقاط نظام بشار الأسد في أي وقت قريب. ولهذه الخلافات الداخلية بعض الأصداء المثيرة للاهتمام منذ ما يقرب من عقد من الزمن، عندما كانت تركيا منقسمة حول الاشتراك في صراع آخر وهو حرب العراق.

ففي عام 2003، عمدت حكومة «حزب العدالة والتنمية» [«الحزب»] - التي كانت قد فازت في الانتخابات قبل وقت ليس بالبعيد - إلى دعم جهود الولايات المتحدة في حرب العراق على الرغم من المعارضة الداخلية القوية. وبذلك كانت المنظمة ذات الجذور الإسلامية حريصة على ما يبدو على بناء علاقات وثيقة مع واشنطن ومن ثم تحقيق مكاسب ضد الجيش التركي الذي كان مؤثراً آنذاك.

ونظراً إلى مدى الاستقطاب في المشهد السياسي التركي بين «حزب العدالة والتنمية» وخصومه العلمانيين، فقد نجم عن دعم «الحزب» للسياسة الخارجية الأمريكية تغايراً في المواقف مثيراً للاهتمام: فقد عارض الأتراك العلمانيون والجيش الموالي للغرب الحرب على العراق، بينما دعمها «حزب العدالة والتنمية» ذي الأصول الإسلامية.

وبعد عقد من الزمن، لا تزال حالة الاستقطاب تسيطر على السياسات التركية - ففي انتخابات العام الماضي كانت البلاد منقسمة إلى شطرين، حيث كان نصف الناخبين تقريباً يدعم الحزب الحاكم. وقد أدى موقف أنقرة بشأن نظام الأسد إلى تكرار سيناريو شبيه بذلك من عام 2003 عندما وقف «حزب العدالة والتنمية» إلى جانب واشنطن بشأن سوريا، بينما عارض خصومه المحليون فكرة مواجهة أنقرة للأسد.

وعلى مدار ما يزيد عن عقد من الزمن، رفض «حزب الشعب الجمهوري» - حزب المعارضة الرئيسي - دعم سياسة «حزب العدالة والتنمية» تجاه سوريا، رغم أن الحزب اليساري اقترب قليلاً من موقف الحكومة، حيث اقترح عقد مؤتمر دولي لمعالجة الأزمة.

وفي غضون ذلك، وبعد أن روّض «حزب العدالة والتنمية» الجيش التركي على مدار العقد الماضي، يبتعد الجيش حالياً عن الإعراب عن معارضته بوضوح لسياسات الحكومة، رغم أنه من المعلوم أن الجيش يحث الحكومة سراً على تخفيف مواقفها بشأن سوريا خشية أن تخاطر تركيا بمواجهة سوريا وحدها - دون دعم الولايات المتحدة.

لكن الأتراك القوميين، ومن بينهم المنضوين تحت لواء الجناح اليميني الكبير لـ «حزب العدالة والتنمية»، وكذلك أولئك المنطوين تحت لواء «حزب العمل الوطني» المعارض، بدؤوا ينتقدون سياسة أنقرة بشأن سوريا بشكل أكثر علانية. ومما لا شك فيه أن التقارير الإعلامية الأخيرة التي ذكرت أن تركيا لا تستضيف فقط المعارضة السورية - بما في ذلك «المجلس الوطني السوري» - ولكنها ربما تزود المتمردين بالأسلحة أيضاً، قد فاقمت من هذه المخاوف.

ويرى خصوم هذه السياسة أن سياسات أنقرة قد تنذر بانهيار داخلي لنظام الأسد تستغله الجماعات الكردية السورية التي تضغط من أجل إقامة دولة كردية مستقلة. كما تخشى هذه الجماعات من أن «حزب العمال الكردستاني» - جماعة شنت حملة عنيفة ضد تركيا على مدار عقود - قد يستغل الفراغ الذي يعقب سقوط نظام الأسد لترسيخ نفسه بقوة داخل سوريا.

لكن يبدو أن هناك حتى بعض الأعضاء الأساسيين في «حزب العدالة والتنمية» لا يوافقون على السياسات التي قد تعجل بسقوط الأسد. ولنأخذ على سبيل المثال تلك الجماعة الصغيرة من سياسيي «الحزب» الموالين لطهران والمعروفين بتعاطفهم مع إيران. ولا شك أن هذه الجماعة لا تستسيغ احتمالية تورط أنقرة في حرب بالوكالة ضد إيران في سوريا، حيث تقف طهران وراء نظام الأسد فيما تدعم تركيا المعارضة.

وعوداً إلى عام 2003، فقد تم إحباط خطط «حزب العدالة والتنمية» لتقديم المساعدة إلى الولايات المتحدة في العراق عندما أخفق تصويت في البرلمان التركي في السماح بالحرب لأسباب فنية - حيث لم يتوفر النصاب القانوني المطلوب، بصرف النظر عن أن «الحزب» حشد غالبية الأصوات (على الرغم من أن استطلاعات الرأي قد أظهرت وجود معارضة شعبية كبيرة للحرب). وبعد مرور ما يقرب من عقد من الزمن نجد تركيا منقسمة مرة أخرى - كما أن فرص الحكومة للدفع بسياسة تكون أكثر اعتماداً على استخدام القوة ليست مضمونة على الإطلاق.

 

سونر چاغاپتاي هو مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن.