صفحات رأي ومقالات
الثقافة الاستراتيجية لجمهورية إيران الإسلامية – دلالات عملياتية وسياسية
متاح أيضاً في English
دراسات جامعة مشاة البحرية الأمريكية
31 آب/أغسطس 2011
ملخص تنفيذي
يتسم النظام السياسي لجمهورية إيران الإسلامية بهياكل متوازية تُعتبر محلاً لمراكز قوى متعددة تتكون من كلٍ من "الرئيس" و"المرشد الأعلى"، و"البرلمان" و"مجلس صيانة الدستور"، و"القضاء ومحاكم الملالي الخاصة"، و"فيلق الحرس الثوري الإسلامي" والجيش النظامي. وبسبب هذا التعقيد التنظيمي وأهمية شبكات النفوذ الرسمية فإن عمل النظام يكون غير شفاف في الغالب حتى بالنسبة لكثير من أعضائه.
هل هي أمة شهداء؟
لأن العقيدة الدينية الشيعية محورية في الأيديولوجية الرسمية لجمهورية إيران الإسلامية وتمجّد معاناة واستشهاد المؤمنين يتم تصوير إيران أحياناً على أنها دولة غير منطقية "غير قابلة للردع" مع عتبة ألم عالية مدفوعة بأوامر الدين المطلقة وليس الاهتمامات المتعلقة بالقدرة السياسية على إدارة الدولة.
وقد تعزز هذا الانطباع باستخدام إيران هجمات الموجات البشرية المكلفة للأرواح أثناء حرب إيران- العراق مع تطويل غير ضروري للحرب مع العراق سعياً للإطاحة بصدام حسين ودعمها للجماعات التي كانت رائدة في تكتيك التفجير الانتحاري مثل «حزب الله» اللبنانية و"الجهاد الإسلامي الفلسطينية".
ويرسخ المسؤولون الإيرانيون ويُروجون متعمدين لهذه الصورة الخاصة بالجمهورية الإسلامية على أنها عدو خطير يسعى جنوده للاستشهاد، ومجتمعه مستعد وقادر على امتصاص العقوبات الثقيلة. وهم يفعلون ذلك لتنشيط قاعدة الدعم التي تُعد بمثابة عصب النظام ولتخويف أعدائه ولتقوية الموقف الرادع للبلاد.
ومع ذلك، فإن هذا التصور لإيران خاطئ وعفا عليه الزمن. ففي الأيام الأولى للثورة التي تمثلت بالنشوة والتفاؤل كان الشعب الإيراني في الواقع مستعداً لتحمل المصاعب والقيام بتضحيات كبيرة والتعرض لخسائر ثقيلة دعماً للمجهود الحربي بينما كانت طهران تتحاشى فرصة وقف إطلاق النار في عام 1982 وذلك لكي تسعى إلى الإطاحة بالنظام البعثي في بغداد وتصدير ثورتها أبعد من ذلك. وحيث طالت الحرب مع إيران تضاءل الدعم الشعبي لها. وقد هبطت معنويات الناس وشعروا بالضجر من تلك السنوات الطويلة من اللاحسم القتالي مما زاد من صعوبة جذب متطوعين للجبهة. وقد وصل الكثير من الملالي إلى استنتاج أن الحرب لا يمكن الفوز فيها ولذا كان على النظام أن يتخلى عن شعاره "الحرب الحرب حتى النصر" وكان على آية الله الخميني أن يوافق على "شرب كأس السم" بقبول وقف إطلاق النار مع العراق في تموز/يوليو عام 1988. وحيث وضعت الحرب أوزارها لم تكن إيران -- كما كان آية الله الخميني مغرماً بأن يقول عنها بأنها -- "أمة من الشهداء."
ومنذ ذلك الحين وضمن سياق سياسة خارجية نشطة نسبياً نأى صناع القرار الإيرانيون بأنفسهم بشكل عام عن المصادمة المباشرة وكانوا يعملون من وراء البدلاء (مثل «حزب الله» اللبناني) أو خلسة (قارب إيراني صغير وعمليات تلغيم ضد الملاحة في الخليج أثناء الحرب بين إيران والعراق) وذلك ليستمروا في التملص من الفعل وبالتالي تقليل المخاطر. ومثل هذا السلوك يُعد دليلاً على القدرة على الدخول في حسابات عقلانية للقيام بتقييم دقيق لعلاقات القوة وتحديد وسائل للتحايل على "الخطوط الحمراء" للخصم.
ورغم أن وكلاءهم لدى «حزب الله» اللبناني كانوا رائدين في التفجير الانتحاري في أوائل الثمانينات من القرن الماضي إلا أنه قد مرت سنوات كثيرة منذ قيام حلفاء إيران بتوظيف هذا التكتيك. ورغم مواصلة ترسيخ روح المقاومة والجهاد والاستشهاد هجر «حزب الله» التفجيرات الانتحارية في أواخر الثمانينيات واختار بدلاً منها التكتيكات العسكرية الأكثر تقليدية بينما تحاشى وكلاء إيران المتنوعون "الجماعات الخاصة" في العراق مثل "عصائب أهل الحق" وكتائب «حزب الله» التفجير الانتحاري مفضلين عليه قذائف التفجير الثاقبة وقذائف الهاون والهجمات الصاروخية. واليوم نجد أن التكتيك المفضل للجماعات الجهادية السنية كـ تنظيم «القاعدة» والمنتمين إليه (بما في ذلك، ومن المفارقة، تنظيم «جند الله» المعادي للنظام في إيران) هو التفجير الانتحاري.
وسلوك طهران الحذر أثناء الأزمات الماضية هو أفضل دليل على أن إيران ما بعد الخميني قد سعت بوجه عام إلى تجنب التورط المباشر في الصراعات والمشاكل المعقدة المكلفة مع أعدائها. وهكذا فإنه أثناء الانتفاضة الشيعية في العراق عام 1991 والاستيلاء على مدينة مزار الشريف من قبل حركة طالبان الأفغانية عام 1998 (والتي أدت إلى مقتل ثمانية دبلوماسيين إيرانيين وصحفي وذبح آلاف الهزارة الشيعة) وحرب عام 2006 بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني وقمع عام 2011 ضد المحتجين الذين كانت أغلبيتهم من الشيعة في البحرين، تركت إيران المجتمعات الشيعية المحاصرة تواجه مصيرها بنفسها بدلاً من الدخول في مغامرات خارجية مكلفة وتنطوي على مخاطر.
وبالمثل، فقد أوقفت إيران مؤقتاً تخصيب اليورانيوم في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2003 عندما اعتقدت أنها تخاطر بالتعرض لهجوم أو غزو أمريكي إن لم تفعل ذلك. كما أنها تراجعت عن قرار لإرسال أسطول مساعدة بحري إلى غزة في عام 2010 بعد أن أعلنت على الملأ بأنها سوف تقوم بذلك عندما حذرت إسرائيل الأمم المتحدة بوضوح من أن مثل هذا التصرف يمكن اعتباره عملاً حربياً.
وفي جميع تلك الحالات أظهرت جمهورية إيران الإسلامية أنها ليست غير مبالية بالمخاطر والتكاليف رغم أنه في العديد من الحالات كانت هناك أحزاب الحرب التي تدعو للتدخل. ومثل هذه الروح العملية تتسق مع مبدأ النفعية أو المصلحة للنظام الذي أسسه مؤسس جمهورية إيران الإسلامية آية الله الخميني في منتصف أواخر الثمانينيات.
وقد وضع الخميني هذا المبدأ في سلسلة من الخطابات التي أرسلها إلى الرئيس في ذلك الحين علي خامنئي و"مجلس الأوصياء" في كانون الأول/ديسمبر 1987 وكانون الثاني/يناير 1988 على التوالي التي أكد فيها سلطة جمهورية إيران الإسلامية لتدمير مسجد أو وقف إقامة أركان العقيدة الخمسة لو تطلبت مصالح النظام ذلك. وقد تم إنشاء "مجلس مصلحة النظام" المؤسس في شباط/فبراير 1988 لمساعدة المرشد الأعلى على تقدير مصالح النظام. وقد وجهت تلك البديهة صناعة القرار الإيراني منذ ذلك الحين.
ولترسيخ هذا المبدأ شكل الخميني مبدأ السيادة الذي يبرر وجوده فأصبح فوق عقائد الإسلام باعتباره المفهوم الذي يوجه صناعة القرار الإيراني.
والافتراض الداعم لهذا المفهوم هو أن طابع النظام وهو الإسلام الثوري لن يبقى حياً ما لم تحيا جمهورية إيران الإسلامية. وهكذا فإن الحفاظ على هذه الجمهورية يصبح له قيمة دينية مطلقة، ويصبح مباحاً التورط في عمليات التعذيب والقتل وانتهاك عقائد الإسلام للحفاظ على النظام. والمفارقة في الأمر عندئذ هي أن السياسة في جمهورية إيران الإسلامية مستندة على المبدأ العلماني لتبرير الوجود وليس ما يفرضه الإسلام الشيعي. وبوسع المرء القول في الواقع بأن جمهورية إيران الإسلامية هي ثيوقراطية علمانية.
تخطيط الدفاع الإيراني
إن تخطيط الدفاع الإيراني مدفوع بثلاثة عوامل رئيسية وهي: 1) العزم على تحويل إيران إلى قوة إقليمية قادرة على إبراز النفوذ عبر أنحاء الشرق الأوسط وما بعده، 2) الحاجة لردع تهديدات متصورة مختلفة وتجنب تكرار فشل الردع المأساوي الذي أدى إلى غزو العراق لإيران في عام 1980 و3) الرغبة في تحقيق الاعتماد على الذات في كل مجالات الحياة الوطنية وهو الهدف الجوهري للثورة الإسلامية.
المكانة والنفوذ. تؤمن قيادة جمهورية إيران الإسلامية أن إيران تلعب دوراً رئيسياً في شؤون العالم بوصفها الحامل القياسي للإسلام الثوري والحارس للمسلمين المضطهدين (بل وغير المسلمين) في كل مكان.
وعليه فإنهم يعتقدون أن مصير الأمة يعتمد على قدرة إيران على تحويل نفسها إلى قوة عالمية بمقدورها الدفاع عن مصالح تلك الأمة ودفعها للأمام. ويقود هذا التصور أيضاً طهران لدعم الحركات الإسلامية الراديكالية عبر أنحاء الشرق الأوسط وذلك لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة وإعادة تشكيل البيئة الدولية بطريقة موائمة للمصالح الإيرانية وصقل المقدرات الإسلامية الثورية للنظام داخلياً وخارجياً.
وقد تصارعت التوجهات الإسلامية والقومية مع بعضها البعض منذ الثمانينيات مما مهد لظهور اتجاه مهدوي بارز على نحو متزايد في أواخر التسعينيات. والتوتر بين الإسلام والقومية مستمر حتى اليوم كما تم الاستشهاد بذلك من خلال الجدل المثار في إيران بسبب تصريحات الرئيس أحمدي نجاد، وعلى وجه التحديد حول "مدرسة الإسلام الإيرانية".
كما تؤمن قيادة جمهورية إيران الإسلامية بأن إيران هي القوة المهيمنة في الخليج والمنطقة بفضل الجغرافيا والطبيعة السكانية والموارد الطبيعية وهو ما يُترجم إلى رغبة في السيطرة على الخليج عسكرياً ويستلزم القدرة على حرمان الآخرين من استخدامه إن لزم الأمر والدفاع عن مصالحه الحيوية وتأكيد حقوقه في الخليج ضد المنافسين مثل السعودية والولايات المتحدة. كما تؤمن بأن النظام الذي أيد القوة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية يتعرض الآن لأزمة وأن الولايات المتحدة قوة آخذة في التدهور وأن إيران هي قوة صاعدة. وعليه فإنها تعمل على إقامة تحالفات مع القوى المناهضة للوضع الراهن (مثل فنزويلا) التي تسعى إلى تقييد القوة الأمريكية من أجل التعجيل بتدهورها.
ومع ذلك فإن هناك فجوة كبيرة بين الصورة الذاتية وتطلعات النظام وواقع الضعف العسكري الإيراني. فجهود طهران لتوسيع وتحديث قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها العسكرية يُقصد منها جسر هذه الفجوة. كما أن مشاكل إيران المالية والضغط الأمريكي على ممولي الأسلحة لها قد منعها من تحقيق هدفها الرامي إلى بناء قوة عسكرية كبيرة وكفوءة. وعليه فإنها قد كرست مواردها المتاحة لاكتساب قدرات تقدم أكبر "دوي" للدفاع الإيراني المحدود "الخافت"، بما في ذلك أسلحة مضادة للسفن وصواريخ وقذائف وبنية تحتية يمكن استخدامها لإنتاج أسلحة نووية. وبالنظر إلى مشاكلها المالية فإن الأسلحة النووية ربما تكون هي السبيل الوحيد لإيران لتصبح قوة عسكرية إقليمية بموازنة أفضل: ففي حين إن برنامج الأسلحة النووية قد يكلف مليارات الدولارات إلا أن إعادة بناء قوة إيران التقليدية ستكلف مئات المليارات من الدولارات.
وأخيراً فإن سعي جمهورية إيران الإسلامية وراء المكانة والنفوذ يتجلى في مطالبها المستمرة بالمعاملة بالمثل في علاقاتها مع العالم الخارجي -- وتحديداً مع القوى العظمى مثل الولايات المتحدة.
وهكذا فإن طهران تدعي لنفسها ما يدعيه آخرون لأنفسهم وتطالب الآخرين بما يُطالب منها. ورداً على الجهود العراقية لتعطيل صادرات النفط الإيرانية أثناء الحرب بين إيران والعراق أعلنت إيران أنها إذا لم تتمكن ن تصدير النفط من الخليج فإنه لن يُسمح لأية دولة أخرى القيام بذلك. ورداً على المطالب الأمريكية بألا تنتج إيران أسلحة نووية طالبت إيران الولايات المتحدة بالتخلي عن أسلحتها النووية. وعندما وافق مجلس الأمن على قرار يفوض الدول الأعضاء بتفتيش السفن الإيرانية المحظورة بموجب قرارات الأمم المتحدة أصرت إيران بأنها ستفعل الشيء نفسه مع سفن الدول المشاركة في عمليات تفتيش من هذا النوع. ورداً على إرسال السفن الحربية الإسرائيلية في عام 2009 عبر قناة السويس إلى منطقة الخليج العربي أرسلت إيران بوارجها عبر قناة السويس إلى جوار إسرائيل.
الردع والدفاع. إن تخطيط الدفاع الإيراني مدفوع أيضاً بالرغبة في تعزيز قدرة الردع لجمهورية إيران الإسلامية. ففي أوقات مختلفة واجهت الجمهورية الإسلامية تهديدات حقيقة ومتصوَّرة من العراق والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد أتت تلك التهديدات من الغرب (العراق وإسرائيل) والجنوب (القوات البحرية الأمريكية في الخليج العربي). وتخشى طهران أيضاً ما تتصور كونه محاولات أمريكية لتطويقها كجزء من مساعيها لاحتواء إيران، وهو الخوف الذي غذته الحملات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق المجاورتين.
وتقليدياً، عكست ميول القوات الإيرانية تلك التصورات عن التهديدات. فقبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كانت معظم قوات إيران البرية متمركزة قرب الحدود مع العراق بينما كانت معظم قواتها الجوية بالقرب من العراق ومنطقة الخليج العربي. كما أن بحريتها كانت (وما تزال) منشورة حصرياً تقريباً في الخليج رغم أن إيران كانت تحاول إقامة اسطول بحري يبحر في مياه عميقة ويكون قادراً على إظهار النفوذ الإيراني وإبراز العلم خارج الخليج بعيداً جداً عن حدود البلاد.
ومنذ نهاية الحرب بين إيران والعراق، كرست إيران نصيب الأسد من دولارات دفاعها المحدود لتعزيز قواتها البحرية وحربها غير التقليدية وقوات صواريخها وقذائفها وذلك لردع أعدائها واستغلال نقاط ضعفهم إذا فشل الردع.
ومنذ الستينيات استندت القوة القتالية والرادعة الاستراتيجية للولايات المتحدة على ثلاثة أنواع من الأسلحة: الصواريخ الأرضية وقاذفات القنابل الأرضية والغواصات النووية المحملة بصواريخ -- والتي تفكر الولايات المتحدة بإضافة قدرة هجومية عالمية تقليدية سريعة إليها. ومن أجل تعزيز دفاعها وقدراتها القتالية سعت إيران بالمثل إلى خلق مثلث رادع يتكون من:
• قدرات ضد الوصول أو لمنع الوصول لتعطيل صادرات النفط من الخليج العربي، إذا رغبت القيام بذلك، ولحرمان أعدائها من القدرة على استخدام الخليج كمنصة لإطلاق للهجمات.
• القدرة على زعزعة استقرار الدول المجاورة ذات الأعداد الكبيرة من الشيعة وإطلاق هجمات إرهابية على العديد من القارات بالاشتراك مع «حزب الله» اللبناني ومنظمات بديلة أخرى (مثل "الجماعات الخاصة" الشيعية العراقية).
• قوات الصواريخ والقذائف المجهزة برؤوس تقليدية وربما نووية في النهاية. وفي المستقبل ربما تسعى إيران أيضاً للحصول على وسائل توزيع غير تقليدية لترسانتها غير التقليدية مثل القوات الخاصة والمركبات الجوية بدون طيار والقوارب.
وبعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 سعت إيران إلى خلق دعامة رابعة لقوتها الرادعة وهي "ميليشيا الباسيج" و"فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني اللذان تم تدريبهما على القيام بحرب عصابات ضد القوات الغازية وفقاً لمفهوم دفاعي لامركزي جديد أو ما يسميه النظام بالمبدأ "الفسيفسائي". وفي حين خفت التهديد بالغزو، ركزت تلك المنظمات اهتمامها على التهديد المتصور للثورة "الناعمة" المثارة من قبل الولايات المتحدة.
وبالإضافة إلى بناء هذه القدرات العسكرية اتخذت إيران خطوات لتعزيز موقفها وصورتها الرادعة عن طريق:
• زرع ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد لتخويف أعدائها وتعزيز بقاء قوتها.
• بناء خطوط أنابيب للغاز والنفط مع جيرانها (مثل "خط أنابيب إيران – باكستان – الهند" المجهض و"خط أنابيب إيران - تركيا – سوريا" الذي أعلن عنه مؤخراً) وربط الدول المجاورة بشبكتها الكهربائية (حيث تقدم للعراق 10 بالمائة من احتياجاتها من الكهرباء). وبالإضافة إلى المنافع الاقتصادية لهذه الترتيبات يبدو أن طهران تأمل أن تكون روابط الاعتماد المتبادل هذه ضمانة بأن جيرانها -- وأغلبهم إما شركاء أو حلفاء للولايات المتحدة -- سيكون لديهم حافز للتأثير على واشنطن ضد أي هجوم على إيران.
• إقامة روابط مع المجتمعات الشيعية والمسلمة في جميع أنحاء العالم من خلال المشاركة في اختيار شبكات ملالي شيعية ومن خلال التوعية الدينية من قبل المراكز الثقافية الإيرانية (والتي غالباً ما تعمل فيها عناصر من الاستخبارات الإيرانية). وتأمل إيران أن تكون تلك الروابط ضمانة بأن تحتشد هذه المجتمعات إلى جانبها إذا ما تعرضت للهجوم.
وقد استخدمت إيران مراراً الغموض لتعزيز الردع. وهكذا فمنذ عام 2006 والرئيس أحمدي نجاد يصرح مراراً أن إيران "قوة نووية" مستخدماً هذا المصطلح بطريقة يستفيد بها من معانيها المتعددة. وبالمثل فقد استخدمت إيران استعراضات قواتها الصاروخية في العروض والتدريبات العسكرية لاستغلال الترابط المتصور بين الصواريخ والأسلحة النووية وهو ما شجعته من خلال تزيينها الصواريخ بلافتات كُتب عليها "ينبغي محو إسرائيل من الخريطة."
وسياسة الغموض النووي التي تنتهجها طهران تُعقِّد أيضاً الجهود الأمريكية لإقامة هيكل أمن إقليمي لاحتواء وردع إيران النووية. وكما اتضح من الانتقاد العاصف الذي لقيه تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في تموز/يوليو عام 2009 فيما يخص "مظلة الدفاع" الأمريكية للمنطقة فإن مثل هذه التصريحات يمكن أن تؤدي بالأصدقاء والحلفاء إلى الاعتقاد أن واشنطن قد روضت نفسها على قبول اكتساب إيران للأسلحة النووية في نهاية المطاف، وبذلك يتعزز هدف طهران بأن تتم معاملتها باعتبارها قوة نووية.
الاعتماد على الذات. على مدار وجودها كله كانت جمهورية إيران الإسلامية دولة "وحيدة استراتيجياً" تفتقر إلى حلفاء يمكن الاعتماد عليهم أو إلى قوة عظمى راعية لها. ويعكس هذا جزئياً مكانة إيران كدولة فارسية ذات أغلبية شيعية في منطقة يهيمن عليها الأتراك والعرب السنة، والحقيقة هي أنه منذ ثورة 1979 طالما واصلت جمهورية إيران الإسلامية انتهاج سياسات متطرفة تسببت في نفور جيرانها وعزلها دولياً.
وهكذا فخلال الحرب بين إيران والعراق كانت طهران قد واجهت بغداد وحدها تقريباً. كما أن حظر الأسلحة الذي قادته الولايات المتحدة قد عقَّد بشكل كبير جهود إيران للحفاظ على مجهودها الحربي فازداد إحساس إيران بالعزلة والشعور بالتخلي عنها بسبب الاستجابة الدولية الفاترة تجاه استخدام العراق لأسلحة كيماوية في تلك الحرب. وقد تركت هذه الذكرى جروحاً غائرة في النفسية الوطنية الإيرانية وغرست ريبة عميقة في المعاهدات الدولية للسيطرة على الأسلحة (التي كان العراق أحد الموقعين عليها) فضلاً عن منظمات دولية مثل الأمم المتحدة. وقد ولَّد ذلك عزماً لدى إيران بألا تسمح بتكرار هذه الأحداث المريرة.
ونتيجة لذلك سعت إيران لتطوير صناعاتها العسكرية لكي تخفض اعتمادها على ممولي الأسلحة من الخارج وتقلل من تأثير الحظر المستقبلي وتخلق أساساً لجيش حديث. وبالمثل فإن الرغبة في تحقيق الاعتماد على النفس كانت على الأرجح من بين العوامل التي دفعت إيران للتمسك بالبرنامج النووي.
وأخيراً، فإن الرغبة في الاعتماد على النفس إنما تعكس عزماً على تخليص إيران من الاعتماد على المستشارين والتقنية الغربية. ولكن على الرغم من بذل جهود دامت ثلاثين عاماً ما تزال إيران تعتمد بشكل كبير على الممولين من الخارج للحصول على أسلحة ومعدات وتقنية متطورة.
القوة الخشنة والقوة الناعمة في الاستراتيجية الإيرانية
لم تتجاهل إيران أصول "قوتها الخشنة". وقد سعت إيران لنيل قدرات مستقلة من خلال استغلال قربها من مضيق هرمز والخليج ونقاط ضعف خصومها -- وتحديداً كراهية الولايات المتحدة لحدوث إصابات وتفضيلها الحروب القصيرة. كما تسعى إيران لتقوية البنية التحتية التي سوف تحتاج إليها لبناء أسلحة نووية لو قررت فعل ذلك.
البدائل المسلحة. لطالما اعتمدت جمهورية إيران الإسلامية على بدائل مسلحة (مثل «حزب الله» اللبناني و"الجماعات الخاصة" الشيعية في العراق) لإبراز النفوذ في الخارج حيث كان «حزب الله» رائداً في استخدام التفجيرات الانتحارية وصواريخ ساحات القتال كأنظمة قصف استراتيجية ضد إسرائيل، وشنت «حماس» حملات تفجير انتحارية وكانت سبَّاقة في استخدام الصواريخ المحلية الصنع، ضد إسرائيل أيضاً، في حين أن "الجماعات الخاصة" الشيعية في العراق قد استخدمت قذائف التفجير الثاقبة والعبوات المرتجلة الطائرة ضد القوات الأمريكية هناك. وإذا قامت إسرائيل أو الولايات المتحدة بمهاجمة البنية التحتية النووية الإيرانية، فمن المرجح أن تنتقم إيران عن طريق «حزب الله» و"الجماعات الخاصة" الشيعية في العراق ووكلاء آخرين.
حرب الشعب. خلال الحرب العالمية الثانية، كانت المملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي قد احتلتا إيران، وخشيت الجمهورية الإسلامية من قيام احتلال آخر بعد فشل إنقاذ الرهائن الأمريكيين في عام 1980 وغزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003. وللتعامل مع تهديد الغزو المتصور خلقت جمهورية إيران الإسلامية "الباسيج" وهي ميليشيا شعبية مساعدة يسيطر عليها "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" ومهمتها الأساسية هي الأمن الداخلي وشن "حرب شعبية" ضد الغازي.
بحرية العصابات. بنت إيران قوة بحرية قادرة على شن حرب عصابات بحرية غير متكافئة كجزء من استراتيجية مكافحة الوصول أو منع الوصول إلى الخليج. وسوف تقوم القوات البحرية النظامية والأخرى التابعة لـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" بتوظيف تكتيكات السرب والألغام والصواريخ المضادة للسفن والقوارب الصغيرة والغواصات الصغيرة والتقليدية والسباحين المقاتلين والصواريخ والقذائف لتعطيل الملاحة في الخليج والتحكم في المرور عبر مضيق هرمز.
صواريخ وقذائف استراتيجية. عادة ما يتم تصور قوة الصواريخ الإيرانية وبشكل رئيسي كوسيلة لحمل شحنات متفجرة غير تقليدية. وتُرى بشكل أدق على أنها قوة ردع تقليدية و قتالية لها القدرة على حمل شحنات متفجرة غير تقليدية. وتنتج إيران عائلة كبيرة من الصواريخ التقليدية التي قد يصل مداها إلى 300كم. وهي تنوي استخدامها على الأرجح في إكمال قوتها الصاروخية كسلاح إرهاب شامل ضد مدن العدو. (العديد من المدن في العراق والخليج تقع بالقرب من الحدود مع إيران وعلى شواطئ الخليج العربي أي أنها تقع بالضبط في مرمى هذه الأنظمة الصاروخية.) وهذا التأكيد على أنظمة القصف الاستراتيجية التقليدية درس مستفاد من الحرب الإيرانية العراقية عندما أدت هجمات الصواريخ التقليدية على طهران أثناء "حرب المدن" عام 1988 إلى إجلاء ربع سكان المدينة مما ساهم في إضعاف معنويات الشعب الإيراني ثم أدى في النهاية إلى قرار إنهاء الحرب.
ولطالما أُغفل جانب قوات الصواريخ الإيرانية ضمن هيكل قوتها العسكرية حيث ينصب التركيز عموماً على عائلة صواريخ "شهاب" الأكبر والأكثر قدرة والتي تعطي إيران مداها الطويل. وليس لدى الولايات المتحدة أو جيران إيران العرب القدرة على مواجهة قواتها الصاروخية في هذا الوقت، وحالياً تتمتع إسرائيل فقط بالقدرة على إسقاط الصواريخ والقذائف على حد سواء.
القوة الناعمة. في تقييم التهديد الذي تفرضه طهران يميل المخططون العسكريون وصناع السياسة الأمريكيون إلى التركيز على قدرات القوة الخشنة لإيران وتحديداً قدراتها الحربية غير التقليدية ("قوة القدس" و«حزب الله») وقدراتها المكافحة للوصول والمانعة للوصول [إلى أهداف معينة] (قوارب صغيرة وألغام وصواريخ مضادة للسفن) وقواتها الصاروخية والقذائفية وبرنامجها النووي. وهذا إنما يعكس انشغالاً أمريكياً بالقدرات التي يمكن أن تنتج آثاراً فيزيائية وهو ما يبدو متجذراً في التصورات الأمريكية للقوة العسكرية التي لا تعبر بالضرورة عن آراء جمهورية إيران الإسلامية.
وهكذا فالمسؤولون الأمريكيون كانوا قلقين من أن الجيش العراقي سوف يكون غير جاهز لتأمين المجال الجوي والمياه العراقية بعد رحيل القوات الأمريكية رغم أن النفوذ السياسي والقوة الناعمة لإيران (وتحديداً أنشطتها الاقتصادية والدينية والإعلامية) هما على الأرجح اللذان يشكلان تهديداً أكبر على المدى الطويل ضد سيادة واستقلال العراق.
وتشتمل قوة إيران الناعمة على العديد من العناصر غير الحركية للقوة الوطنية:
"إدارة السمعة والصورة":تقدم طهران نفسها على أنها شريك يمكن الاعتماد عليه وخصم خطير، وتدعم نظرية التفوق التي تؤكد أنها قوة صاعدة، يقف الله والتاريخ في صفها. ومع ذلك، تقلصت فعالية تلك الرسائل بسبب الميل إلى المبالغة في الوعود والإخفاق في الإنجاز فضلاً عن المشاكل السياسية والاقتصادية الداخلية والميل إلى إعطاء المحاضرات إلى العرب والآخرين ثم التنازل لهم بعد ذلك.
"تصدير الإسلام الثوري": تسعى طهران لأن يكون تفسيرها للإسلام هو الأول بين المجتمعات الشيعية حول العالم وذلك عن طريق إنفاق أموال طائلة لدعم أنشطة الملالي المدربين في قُم والمتشربين لأيديولوجية ولاية الفقيه واختيار أو إزاحة الملالي المدربين في الأماكن الأخرى (مثل النجف). وتسعى طهران لخلق روابط التضامن مع المجتمعات الشيعية حول العالم التي يمكن أن تكون بمثابة قواعد دعم خارجية لسياساتها وكحلفاء في حال تعرض طهران للهجوم.
"وكلاء الميليشيا": أينما كانت هناك مجتمعات شيعية محاصرة ودول ضعيفة، خلقت إيران ميليشيات تكون وكيلة عنها مثل «حزب الله» اللبناني والعديد من المنظمات التي هي نسخة من «حزب الله» في العراق -- مثل كتائب «حزب الله» و"عصائب أهل الحق" و"كتائب اليوم الموعود" -- للدفاع عن مصالح المجتمع الشيعي المحلي وتلبية طلباته ونشر ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد. وقد استثمر «حزب الله» إنجازاته العسكرية كتنظيم مقاومة فحولها بمناورة إلى ثروة سياسية، وهو نفس ما تحاول فعله تلك المنظمات التي هي نسخة منه في العراق.
"النفوذ الاقتصادي": تمارس طهران التجارة والاستثمار مع دول أخرى بغرض الربح وتعزيز الاعتماد على بعضها البعض بحيث يمكن أن تستغل ذلك لصالحها. وفي العراق على سبيل المثال استخدمت إيران الصفقات التجارية لتعزيز الحلفاء المحليين وأغرقت السوق المحلية بالسلع الاستهلاكية المدعومة فأدت بذلك إلى إضعاف القطاعات الزراعية والصناعية العراقية. وعلاوة على ذلك، يؤمن الكثير من العراقيين بأن اعتماد العراق على إيران في بعض احتياجاتها من الكهرباء هو سبيل تتلاعب به طهران لأغراض سياسية. فعلى سبيل المثال، في حزيران/يونيو عام 2010 قيل إن إيران قد خفضت إمدادات الكهرباء للبصرة لتعزيز مزاعم الصدريين بأن الحكومة كانت تتباطأ في توصيل الخدمات لهم.
"الدعاية والتشويش": تتنافس إيران على "قلوب وعقول" العرب من خلال البث الإخباري باللغة العربية الذي يعكس خط طهران الدعائي. وتُظهر بيانات الاستطلاعات أن العرب (بل حتى الشيعة العراقيون) يشعرون بالريبة تجاه إيران ولا يعتبرون طريقة الحكم فيها بوجه عام نموذجاً قابلاً للتطبيق. وتفسر هذه المواقف الشعبية السبب في أن طهران ستواصل الاعتماد بقوة على القوة الناعمة وأجهزتها الأمنية وأنشطتها السرية لإظهار النفوذ في العالم العربي.
وسوف تعتمد الفرص المستقبلية لقوة إيران الناعمة على الاتجاه المستقبلي للعلاقات العراقية الإيرانية والوجهة العامة للعلاقات الإيرانية العربية والسنية الشيعية في الخليج في أعقاب التدخل الذي قادته السعودية في البحرين والمكانة المستقبلية لبرنامج إيران النووي -- الذي ربما يكون هو مصدر التمكين الحربي النفسي النهائي لطهران في المنطقة وما وراءها.
"طريقة حرب" جمهورية إيران الإسلامية
تتكون طريقة حرب جمهورية إيران الإسلامية من عدة عناصر: 1) الاعتماد على الوكلاء، 2) استخدام العنف المتدرج، 3) التركيز على الأبعاد المعنوية والنفسية والروحية للصراع و 4) الصبر الاستراتيجي.
الحرب بالوكالة. إن استخدام عصابات الشوارع وجماعات الضغط العنيفة كأدوات للسياسة المحلية هو تقليد قديم في إيران. وهكذا فقد لعب بلطجية أنصار «حزب الله» (وهي جماعة ظلٍ أمنية شعبية يرعاها كبار الملالي المتشددين) دوراً محورياً في قمع الاضطرابات المحلية في إيران في عامي 1999 و 2009. وهذا الشكل من "السياسة بوسائل أخرى" يجد نتيجته الطبيعية في استخدام إيران للميليشيا والبدائل الإرهابية كأداة للسياسة الخارجية. وبالنسبة لطهران فإن الحرب هي وظيفة لأتباعها العرب وليس -- إلى أقصى حد ممكن -- لجيشها. وعندما أرادت إيران توجيه الضربات لأعدائها كانت تفعل ذلك بتكليف آخرين أو تسهيل العمليات من قبلهم على النحو التالي:
• كجزء من حربها على الولايات المتحدة سهلت جمهورية إيران الإسلامية تفجير الثكنات البحرية في 23 تشرين الأول/أكتوبر عام 1983 على يد منظمة الجهاد الإسلامية «حزب الله» مما أسفر عن مقتل 241 من مشاة البحرية وأدى إلى انسحاب القوات الأمريكية من لبنان.
• رداً على اغتيال الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ عباس الموسوي (وعائلته) على يد القوات الإسرائيلية في 16 شباط/فبراير عام 1992، قام «حزب الله» بمساعدة وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، بتفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس في 19 أيار/مايو عام 1992.
• رداً على الهجوم الجوي الإسرائيلي على قاعدة تدريب «حزب الله» في عين دارة في لبنان في 2 حزيران/يونيو عام 1994 ما أدى إلى مقتل عشرات من مجندي «حزب الله» ومدربيهم من "فيلق الحرس الثوري الإسلامي"، فجر «حزب الله» (بمساعدة إيرانية) مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس في 18 تموز/يوليو عام 1994 مما أدى إلى مقتل خمس وثمانين شخص وجرح مئات آخرين.
• بعد ستة أشهر من تخصيص الكونغرس الأمريكي 18-20 مليون دولار لعمليات سرية في إيران فجر «حزب الله» السعودي في 25 حزيران/يونيو عام 1996 مجمعاً سكنياً للجيش الأمريكي في منطقة الظهران بالسعودية مما أدى إلى مقتل 19 جندي أمريكي وجرح 372 فرداً من مختلف الجنسيات. وقد خططت تلك العملية "قوة القدس" التابعة لـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بمساعدة من «حزب الله» اللبناني في محاولة واضحة لتكرار نجاح تفجير ثكنات بيروت.
إن استخدام إيران للوكلاء يسترشد إلى حد كبير باعتبارات عملية بدلاً من أيديولوجية. وهكذا فقد دعمت إيران العديد من جماعات التمرد والميليشيات في العراق حتى إنها كانت تقريباً تدعم كل حصان في السباق. فقد دعمت الميليشيات الشيعية مثل "فيلق بدر" و"جيش المهدي" و"عصائب أهل الحق" وكتائب «حزب الله» في نفس الوقت الذي تدعم فيه حكومة العراق رغم أن الأولى كانت تحارب أحياناً بعضها البعض وعملت في الغالب على تقويض سلطة الأخيرة. كما أظهرت في بعض الأحيان استعداداً لإبرام تحالفات تكتيكية مؤقتة مع أعدائها الاستراتيجيين وذلك بالعمل مع الجماعات السنية السلفية الجهادية مثل "أنصار الإسلام" -- لكسب القدرة على التأثير على حلفائها الأكراد سابقاً، ومع تنظيم «القاعدة» في العراق -- لإبقاء جذوة العنف الطائفي مشتعلة ولاستنزاف القوات الأمريكية في العراق.
العنف المتدرج. في عام 1988، أعدمت جمهورية إيران الإسلامية آلاف المعارضين المسجونين رداً على هجوم شنته حركة "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة من قواعد في العراق أثناء المراحل النهائية للحرب الإيرانية العراقية. كما أمرت باغتيال عشرات المعارضين الإيرانيين المقيمين في أوروبا وغيرها أثناء الثمانينيات وأوائل التسعينيات إلى أن تسبب قتل معارضين إيرانيين أكراد في مطعم في برلين في عام 1992 في تمزق العلاقات بين إيران وأوروبا ووضع نهاية لهذه الممارسات. وفي عام 1998، قتل عملاؤها ستة منشقين ومفكرين خلال فترة رئاسة محمد خاتمي (ما يسمى بـ "سلسلة جرائم القتل") لتخويف حركة الإصلاح.
وقد اتخذت إيران موقفاً مدروساً تجاه حركة المعارضة المحلية التي نشأت في أعقاب انتخابات حزيران/يونيو عام 2009 التي تم الطعن في نتائجها، حيث استفادت الجمهورية الإسلامية مما سبق وتعلمته من المواجهات السابقة. وبقيام النظام بتزويد قوات الأمن بالهراوات والعصي والدروع والغاز المسيل للدموع وبتجنب الرصاص الحي لتقليل عدد القتلى، تحاشت طهران جنازات الجماهير الحاشدة التي أشعلت الثورة ضد الشاه. وعن طريق ضمان كون مصادمات الشوارع دامية وحدوث شجارات وجهاً لوجه فقد أخاف النظام أولئك الأقل شجاعة بين خصوم النظام. وبسوء معاملة وتعذيب وإذلال المعتقلين ثم الإفراج عنهم لكي يتمكنوا من سرد قصتهم لأسرهم وأصدقائهم تكون طهران قد أحبطت الروح المعنوية لعامة الشعب وأخافت السكان.
وتحتفظ جمهورية إيران الإسلامية بقانون خاص وهو "الإقامة الجبرية" -- الذي يستلزم الوصم وفرض العزلة والتهميش -- ضد أخطر خصومها المحليين. كما استخدمت هذا الأسلوب مع وريث آية الله الخميني المخلوع وهو آية الله حسين علي منتظري ووضعت مؤخراً زعماء "الحركة الخضراء" مير حسين موسوي ومهدي كروبي رهن الإقامة الجبرية. والإقامة الجبرية في الغالب تعادل السجن المؤبد الذي ينتهي فقط بموت الضحية. كما يبيح ذلك للنظام "الاختفاء" الفعلي لأفراد بارزين مع تجنب الإجراءات الأكثر تشدداً في ذات الوقت (مثل السجن أو القتل خارج نطاق القضاء) التي يمكن أن تستحث رداً شعبياً عنيفاً وتخلق انشقاقاً داخل الحلقة الضيقة للنظام.
ومع ذلك، فمنذ الأيام الأولى للثورة جاهدت جمهورية إيران الإسلامية من أجل تأسيس احتكارها على استخدام القوة والحفاظ عليه. ولإيران تاريخ من العناصر المارقة المتطرفة التي تشرع في تصرفات مرفوضة لإجبار الحكومة على عمل ما لا ترغب القيام به، بل ومكافأتهم فيما بعد إذا جلبت اللعبة فوائد للنظام. وهكذا استولى "الطلاب" الراديكاليون على السفارة الأمريكية في طهران في 4 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1979 لتقويض جهود الحكومة المؤقتة لإعادة تأسيس علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة. (ولم يكن الخميني يعلم مسبقاً بشأن هذا الاستيلاء المخطط له لكنه باركه بعد وقوعه.) وقد استمر الكثير من خاطفي الرهائن الشباب [في تقدمهم] حتى أصبحوا سياسيين ومسؤولين بارزين في جمهورية إيران الإسلامية.
وبالمثل، فإن قائد الوحدة البحرية بـ "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" -- التي اعتقلت 15 من القوات البحرية الملكية البريطانية ومشاة البحرية الأمريكية دون تصريح في المياه المتنازع عليها في شط العرب في آذار/مارس عام 2007 -- قد تلقى الثناء وقُلد وساماً عندما انتهت الحادثة لصالح جمهورية إيران الإسلامية رغم أنف المملكة المتحدة.
البُعد النفسي والمعنوي والروحي. تُظهر خبرة السنوات الثلاثين الماضية أن جمهورية إيران الإسلامية تركز على أولوية الأبعاد المعنوية والروحية للحرب أكثر من تشديدها على الأبعاد الفيزيائية والتقنية.
وترى جمهورية إيران الإسلامية الخط المعلوماتي للعملية باعتباره الحاسم في الحرب. وفي الوقت الذي تشرع فيه الولايات المتحدة في العمليات المعلوماتية دعماً لأنشطتها العسكرية تشرع إيران مراراً في أنشطتها العسكرية (مثل التدريبات واستعراض القوة والعمليات بالوكالة) لدعم عملياتها المعلوماتية.
وفي إيران في عهد الشاه كانت تسجيلات خطب آية الله روح الله الخميني التي تم توزيعها سراً قد ساهمت في نجاح الجمهورية الإسلامية وصعود الخميني كزعيم لها بينما عجلت الدعاية الماهرة بانشقاقات جماعية من قوات الشاه المسلحة وأثنت الكثيرين من الموالين للنظام القديم عن الاستمرار في ولائهم. وأثناء حرب العصابات المطولة لـ «حزب الله» ضد إسرائيل في جنوب لبنان (1982-2000) لعبت العمليات النفسية دوراً مركزياً في تقويض التأييد الداخلي الإسرائيلي لاحتلال جنوب لبنان مما ساهم في انسحاب إسرائيل في أيار/مايو عام 2000.
ولحماية نفسها ضد التدمير الداخلي والحرب النفسية من جانب العدو حاولت جمهورية إيران الإسلامية "أسلمة" قوات الأمن والجيش وتغذية ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد. ولهذه الغاية حاولت غرس ما تسميه القيم العلوية والعاشورائية في رجالها المقاتلين وذلك بمدح الخصال العسكرية البطولية للإمام علي (ابن عم وزوج ابنة النبي ومن أوائل المسلمين والمقاتل الباسل الذي حارب في جميع معارك الإسلام المبكرة تقريباً) و فضيلة الاستشهاد المتممة لذلك، كما جسدها الإمام الحسين وصحبه الذين تعرضوا لمذبحة على يد قوات الخليفة يزيد على سهول كربلاء في عاشوراء (اليوم العاشر من شهر محرم) في عام 680 م.
وعقيدة المقاومة كما مارستها جمهورية إيران الإسلامية (وكذلك «حزب الله» و«حماس» وسوريا) في صراعهم مع إسرائيل والولايات المتحدة تولي أهمية كبرى لتحقيق التأثيرات النفسية. فهي تفترض أن النصر يتحقق بهزيمة روح العدو من خلال إرهاب مدنييه واستنزاف جيوشه وحرمانه من الانتصار في أرض المعركة. وعلاوة على ذلك، فإنها تفترض أن الصراعات هي مباريات محصلتها صفر وأن التسوية علامة على الضعف وسيتم استغلالها من قبل العدو.
وما تزال إيران مجتمعاً يعاني من جروح الحرب التي كانت بينها وبين العراق والتطهيرات الدموية المتكررة ودوائر القمع المتكررة. كما أن ثقافة الاستشهاد الجهادية إنما يعتنقها فقط المتشددون في «حزب الله» و"الباسيج" الذين يشكلون فقط جزءاً صغيراً وإن كان مؤثراً من المجتمع الإيراني.
ومنذ أواخر الثمانينيات ساد المنهج الذي يجسده مبدأ مصلحة النظام، رغم أن هذا قد يتغير في نهاية المطاف نتيجة للنجاحات المتصورة لعقيدة المقاومة في لبنان وغزة وفشل المجتمع الدولي في وقف برنامج إيران النووي والقوة المتنامية للاتجاه "المهدوي" الحالي في السياسة الإيرانية منذ انتخاب الرئيس أحمدي نجاد عام 2005.
الصبر الاستراتيجي. تفضل جمهورية إيران الإسلامية تجنب الانخراط والمواجهات الحاسمة وجهاً لوجه كما أنها أظهرت مراراً تفضيلها استراتيجيات التأجيل واللامباشرة والاستنزاف "الحذرة". وهكذا فإن جمهورية إيران الإسلامية قد:
• أطالت مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا لكسب الوقت لبرنامجها مما مكنها من تحقيق تقدم تدريجي بطيء في هذا الفاصل الزمني.
• أخافت وأوهنت الروح المعنوية للمعارضة الداخلية ومزقتها من خلال إجراء محاكمات صورية لزعماء المعارضة والقيام باعتقالات جماعية وتعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم.
• حاولت إيقاع إسرائيل في فخ صراع استنزافي ومثبط للعزيمة ومفتوح الأجل من خلال حليفيها «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.
• كانت حذرة في إظهار العداء للولايات المتحدة فقط عن طريق وسائل غير مباشرة بالاعتماد على البدائل مثل «حزب الله» اللبناني و"الجماعات الخاصة" العراقية.
النزوع إلى التوغل
كثيراً ما يجد المسؤولون الإيرانيون صعوبة في إبرام صفقة أو إنهاء نزاع، ويعود جزء من سبب ذلك في نهج المباريات التي محصلتها صفر والتي يتبعونها في الصراعات وهو ما يقف حائلاً ضد التسوية فضلاً عن أنه في ظل نظام سياسي متسم بالحزبية المتطرفة يخشى النظام من إدعاء المنافسين بأن باستطاعتهم الأداء بشكل أفضل. (وهكذا فإن قرار إنهاء الحرب بين إيران والعراق في عام 1988 وتعليق مؤقت لتخصيب اليورانيوم في عام 2003 قد بقيا قضايا جدلية في السياسات الإيرانية.) وثمة إحساس ضئيل بجدوى التوصل الى حل وسط متبادل يحقق تسوية مفيدة للطرفين أو التوصل إلى اتفاق. إن التأكيد هو على كسب المرء لأقصى ما بوسعه وتجنب تقديم أية تنازلات.
الخلاصة
كان للثقافة الاستراتيجية لجمهورية إيران الإسلامية أثر عميق على نهجها المتعلق بالقدرة السياسية على إدارة الدولة، وبالاستراتيجية والحرب. وفيما يلي عدد من الدلالات التي انبثقت من التحليل السابق أو الثقافة الإيرانية الاستراتيجية:
مواجهة القوة الناعمة. تميل واشنطن إلى التركيز على أصول القوة الخشنة لطهران على حساب قدرات قوتها الناعمة. ومع ذلك، قد تكون قوة إيران الناعمة أكثر فعالية كسبيل لاستعراض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وربما تشكل تهديداً أكبر على المدى الطويل للمصالح الأمريكية في المنطقة.
أصول غير تقليدية للقوة الخشنة. تميل واشنطن إلى التركيز على تلك الأصول في القوة الخشنة التي تمنحها تقدير أفضل من غيرها، وليس على تلك التي يمكن أن تكون ذات قيمة أكبر لإيران في أية حرب مستقبلية. وهكذا فقد استثمرت أمريكا موارد هائلة في بناء دفاعات ضد ترسانة إيران الصاروخية لكنها تفتقد وسائل مواجهة قوات القذائف الكبيرة لجمهورية إيران الإسلامية. وقد بدأت الولايات المتحدة مؤخراً فقط في إدراك التهديد الذي تفرضه قدرات إيران الحربية البحرية غير التقليدية.
الحرب الدعائية والنفسية. يميل صناع السياسة الأمريكيون إلى إساءة تقدير قيمة الأداة المعلوماتية للسلطة الوطنية. وعلى النقيض من ذلك، يعتبر صناع السياسة الإيرانيون أن الأنشطة المعلوماتية هي الخط الحاسم لعملياتهم.
اختراق حاجب الغموض. لم تكن الولايات المتحدة فعالة في منع طهران من استغلال الغموض الذي يكتنف الكثير من سياساتها سواء العمليات التي يقوم بها وكلاؤها أو برنامجها النووي. إن الاستخبارات التفصيلية والأنشطة المعلوماتية العدوانية والسياسة الثأرية الموثوقة، جميعها محورية في منع طهران من استغلال سياسة الغموض التي تنتهجها.
ردع المغامرات. كيف يمكن للمرء التعامل مع نظام سياسي يديره سياسيون يعيشون على العزلة والصراع مع العالم الخارجي، أو ردع صناع قرار الذين -- مستلهمين من فكرة المقاومة أو الأيديولوجية "المهدوية" في جمهورية إيران الإسلامية -- ربما يرحبون بالصراع في ظروف معينة؟ إن جزء من الإجابة يستلزم التواصل مع الإيرانيين الذين يريدون إقامة علاقات أفضل مع العالم الخارجي وإقناع صناع السياسة الإيرانيين بأن الصراع لن يظل محدوداً وإلقاء الضوء على احتمالية المواجهة بالفعل -- وبالتالي تقوية يد صناع السياسة الأكثر حذراً الذين قد يرغبون تجنب الصراع.
مواجهة استراتيجية "الحذر" الإيرانية. تستند استراتيجيات إيران في المراوغة والتأجيل والإستنزاف على افتراض أن الوقت يعمل لصالحها. ومع ذلك تُظهر خبرة إيران مخاطر مثل هذه الاستراتيجيات كـ : المخاطرة بالانهيار والهزيمة، فقد كانت قد اضطرت إلى إنهاء الحرب بينها وبين العراق دون أي شيء يُظهر جهودها. كما أن التحديات التي تواجه اللعبة الطويلة الحالية التي تمارسها إيران تشمل معارضة داخلية من المحتمل أن تكون قوية (وإن كانت هامدة حالياً) وتحديات اقتصادية كبرى (وبالأخص هبوط صناعة النفط لديها إن فشلت في جذب الاستثمارات الأجنبية) واحتمال خسارة حليفها السوري بسبب الانتفاضة الشعبية ضد نظام الأسد. يتعين على الولايات المتحدة مواصلة استغلال نقاط الضعف تلك وذلك لتعطيل الاستراتيجية طويلة المدى التي تنتهجها طهران.
مايكل آيزنشتات هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.