أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

الطريق إلى السلام

دينيس روس

متاح أيضاً في English

"يو إس نيوز أند وورلد ريبورت"

16 شباط/فبراير 2017


غالباً ما تُعتبر الدبلوماسية فناً أكثر منها علماً. أما بالنسبة للذين يرون غير ذلك، فأودّ أن أقترح عليهم مشاهدة المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير الحالي.  

لم يكن المؤتمر منسقاً بشكلٍ جيد، ولم يقدّم أي مقررات أو صيغ واضحة بشأن السياسة. ولهذه الأسباب، يجب أن نتوخى جميعنا الحذر في استخلاص استنتاجات بعيدة المدى.

أقدّم لكم هذا التنبيه بشكلٍ خاص لأن عدداً كبيراً من المراقبين سارعوا إلى استنتاج أن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني أصبح في خبر كان. فقد صبّوا تركيزهم على عدم رغبة ترامب في التعبير عن أي من الحلّين يفضل حل الدولتين أم الدولة الواحدة، وعلى رغبة رئيس الوزراء نتنياهو في التحدث عن "الجوهر" وليس "العناوين"، واستنتجوا أن الهدف من عملية صنع السلام قد تغيّر الآن.

قد يكون هذا صحيحاً، لكن تجدر الإشارة إلى أنّ ترامب قال أيضاً إنّه سيقبل بما يمكن أن يقبله الطرفان، وما كان يقوله بالفعل هو: سأوافق على كل ما يتفق عليه الجانبين.

وبما أن هذا الأمر بدا وكأنه إشارة إلى احتمال وجود بديل لحل الدولتين، وبما أن نتنياهو يتعرض لضغوط من معسكر اليمين للتخلي عن قبوله بدولة فلسطينية، فإن البعض مستعدٌ للاستنتاج أن اعتماد السياسة القائمة على حل الدولتين أصبح مستحيلاً ومن الأجدر نسيانه.

قد يشكّل هذا مصدر بهجة للإسرائيليين والفلسطينيين الذين يعارضون مشروع إقامة دولتين - ما يُعدّ بحد ذاته مدعاة للسخرية لأن وجهات نظرهم حيال تلك الدولة مختلفة للغاية. ومع ذلك، قبل أن يتمكن كل جانب من تهنئة نفسه بانتهاء الصيغة القائمة على حل الدولتين، ينبغي عليه أيضاً التمعّن بالنقاط الأخرى التي تطرَّق إليها ترامب.

فأولاً وقبل كل شيء، أوضح الرئيس الأمريكي أنه ملتزم بإحلال السلام وأن ذلك يشكل هدفاً بالغ الأهمية بالنسبة له. وتحدث عن ضرورة تقديم كلا الجانبين تنازلات، وإحجام إسرائيل عن بناء المستوطنات في الوقت الراهن. وبعد أن طرح نتنياهو إمكانيات التعاون مع العرب حالياً، نوّه ترامب بدورهم في عملية السلام. وفي الواقع، في ما يخص الموضوع الأخير، يبدو أنه فوجئ إزاء إثارة نتنياهو، خلال المؤتمر الصحفي، مسألة دور الشركاء العرب واستخدامه مقاربة إقليمية لإشراك الفلسطينيين في عملية السلام، لكنه رحّب بالفكرة مشدداً على احتمال التوصل إلى "اتفاق مهم". 

إلّا أنّ هذا الأمر يعيدنا أيضاً إلى أرض الواقع. فمن المنطقي أن نرى ما إذا كانت التصورات المشتركة لوجود تهديدات قد أدّت إلى قيام تعاون فعلي - وإن كان منخفض الظهور - في المجال الأمني بين إسرائيل والعديد من الدول العربية السنّية، ويمكن أن تُترجم إلى اتخاذ خطوات نحو تحقيق السلام. وبالتأكيد، من المفيد اختبار الاحتمالات الممكنة، لا سيما أنّ ضعف الفلسطينيين وانقسامهم يجعلان من الصعب عليهم التفاوض مع إسرائيل، ناهيك عن التنازل عن أي شيء.

وما هو غير واضح هو مدى الأهمية التي يوليها العرب لإحلال السلام [في المنطقة]. ففي أي مرتبة يضعون هذه القضية مقارنةً بالتهديدات التي تطرحها إيران والإسلاميون المتطرفون السنّة مثل تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ وهل يعتبرون أن المكاسب التي سيحققونها من مشاركتهم الفعالة في عملية صنع السلام وممارسة الضغوط على الفلسطينيين تستحق المخاطرة؟ وإذا شاركوا في صنع السلام من هذا القبيل، ما هي التنازلات التي سيطالبون الإسرائيليين بتقديمها إلى الفلسطينيين؟

وهنا تكمن المشكلة. إذا قررت الدول العربية أنه من المنطقي لها أن تشارك في عملية السلام مع إسرائيل، فسترغب في أن تظهر بأنها مَنَحت للفلسطينيين ما لم يتمكنوا من تأمينه لأنفسهم. وأنها لن تتنازل عن المطالب الفلسطينية بل ستمثلها.

وقد تكون المفارقة الكبيرة بأنه من شبه المؤكد أن إشراك العرب سيؤدي إلى حل الدولتين إذا كانت الجهود المبذولة ستؤدي إلى أي نتيجة. فلا يمكن للقادة العرب أن يقبلوا بإدراج الفلسطينيين ضمن دولة إسرائيل.

وبالتالي فإن مقاربة إشراك العرب منطقية: فالتعاون بين إسرائيل والعرب، حتى لو كان يجري سراً، يُعدّ تطوراً جديداً مهماً في المنطقة. فهو يمثل أحد الأصول التي تتمتع بها إدارة ترامب خلال دراستها كيفية مواجهة إيران وتنظيم «الدولة الإسلامية» وتفكيرها في الخطوات التي يجب اتخاذها في ما يخص إحلال السلام.

والمفارقة الأخرى هي أن رغبة المصريين والأردنيين والسعوديين والإماراتيين وغيرهم في انخراط الولايات المتحدة في المنطقة واستعدادها لممارسة سلطتها على أعدائهم قد يمنحهم محفزاً للاستجابة إلى رغبة ترامب في جعلهم يضطلعون بدورٍ في عملية السلام. لكن هذا لن يلغي حاجاتهم إلى تحقيق مكاسب للفلسطينيين.

قد يكون من الصعب التوصل إلى حل الدولتين في أي وقت قريب. أمّا الذين يظنون أن حل الدولتين أصبح مستحيلاً، فأدعوهم  إلى التروي وعدم التوهّم. 

 

دينيس روس، هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في معهد واشنطن.