أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

مذكرات سياسية 7

سعي الفلسطينيين للحصول على عضوية الأمم المتحدة: الأسباب المنطقية وردود الأفعال والتداعيات

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

15 أيلول/سبتمبر 2011


ملخص تنفيذي

 

من المقرر أن تطلب السلطة الفلسطينية في وقت متأخر من هذا الشهر الحصول على العضوية الكاملة كدولة في الأمم المتحدة. ومن المرجح أن تثير هذه الخطوة مواجهة سياسية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

في خطابه في 19 أيار/مايو، أشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى أن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض ["الفيتو"] ضد أي قرار من قبل مجلس الأمن بمنح العضوية للدولة الفلسطينية. كما أن كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية صائب عريقات قد صرح بأن السلطة الفلسطينية سوف تسعى بدلاً من ذلك إلى تعزيز وضعها في الجمعية العمومية كـ "دولة غير عضو" على غرار الوضع الممنوح للفاتيكان.

وبالفعل، من المقرر أن يُلقي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خطاباً أمام الأمم المتحدة في 21 أيلول/سبتمبر. ويرى الفلسطينيون أنهم سيحصلون على أغلبية تلقائية بسبب الدعم التاريخي الذي يتمتعون به من كتلة عدم الانحياز.

المصالح الفلسطينية

من المهم أن نذكر أن عباس، وليس رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض، هو من دأب على الضغط للحصول على اعتراف الأمم المتحدة لمحاولة إقامة دولة فلسطينية. وفي الواقع، في مقابلة له في حزيران/يونيو 2011، أعرب فياض عن تشككه بأن هذا التحرك في الأمم المتحدة قد يكون رمزياً فقط.

بيد، وفقاً لعباس، إن مبادرة الأمم المتحدة متأصلة في قناعته بأنه ليس هناك طائل من وراء المفاوضات مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كما أن زعماء السلطة الفلسطينية يرون أن هناك ما يبرر رفضهم استئناف المفاوضات طالما استمر بناء المستوطنات الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، إن الإشارات التي لا نهاية لها من جانب الدبلوماسيين الأوروبيين -- الذين يثيرون الشك حول التزام نتنياهو بالتوصل إلى اتفاق -- قد عملت فقط على تعزيز هذا الإحساس.

كما أعرب عباس عن خيبة أمله من عدم قيام أوباما بعمل المزيد للحصول على تنازلات من إسرائيل. وقد أمضى عباس معظم فترة تعليق بناء المستوطنات في عام 2009 مصراً على أن التباطؤ في أعمال البناء الفعلية في القدس الشرقية لم يكن كافياً. ورداً على ذلك، ادّعت الولايات المتحدة أنه قد تم إهدار وقت ثمين ودعت عباس إلى استئناف المفاوضات.

ولا يمكن فصل دوافع عباس بالسعي للحصول على الاستقلال من الأمم المتحدة، عن الاضطرابات في العالم العربي هذا العام. ويبدو أن الاضطراب في العالم العربي قد دفع عباس نحو الأمم المتحدة كوسيلة لتجنب تمرد شعبي، بعد أن خسر حليفاً بسقوط الزعيم المصري حسني مبارك.

ويقول بعض المسؤولين الفلسطينيين إن الانتصار في الأمم المتحدة سيتيح لعباس بعد ذلك التفاوض دون شروط مع إسرائيل. إلا أن الإسرائيليين متشككين من وجهة النظر هذه بفعل العديد من التداعيات المحتملة الأخرى التي قد تترتب على قرار الأمم المتحدة.

المصالح الإسرائيلية

ترى إسرائيل أن السعي للحصول على عضوية الأمم المتحدة يعد خرقاً لـ "اتفاقات أوسلو" التي نصت على ألا يسعى أي من الطرفين إلى تغيير وضع الضفة الغربية. (ويزعم الفلسطينيون أن بناء المستوطنات الإسرائيلية ينتهك بالفعل تلك الاتفاقات. لكن بالرغم من أنه يمكن للمرء أن يقول إن مثل هذا النشاط يتعارض مع روح أوسلو، إلا أنه لا ينتهك نص الاتفاقات، حيث رفضت إسرائيل بقوة تقديم مثل ذلك التعهد خلال محادثات أوسلو).

كما ترفض إسرائيل تفسير عباس بشأن غياب المفاوضات، حيث ترى تعليقاته حول عدم جدوى المحادثات غير أمينة. وكما يشير نتنياهو مراراً وتكراراً، بأنه منذ أن جاء إلى السلطة لم يعقد الزعيمان سوى أسبوعين من المحادثات (في أيلول/سبتمبر 2010). وبناءاً على ذلك، تنظر إسرائيل إلى التحرك الفلسطيني بأنه محاولة لاختصار عملية السلام وكسب جائزة إعلان الدولة المستقلة دون تقديم التنازلات الصعبة التي ستتطلبها اتفاقية السلام. وفي الواقع، تشك الحكومة الإسرائيلية بأن عباس غير قادر على تقديم تنازلات، وبالتالي يحاول إلقاء المسؤولية على إسرائيل من خلال المطالبة بشروط مسبقة للمفاوضات (مثل تجميد المستوطنات وقبول حدود ما قبل عام 1967 كأساس للمفاوضات على الأرض).

وبشأن السعي لإعلان الدولة، ترى إسرائيل أن هناك تداعيات عديدة محتملة ستظهر حال نجاح الفلسطينيين في الأمم المتحدة. أولاً، ترى إسرائيل أن الاستراتييجية الفلسطينية تهدف إلى تجاوز عملية السلام كلية، أو على أقل تقدير، تجنب تقديم تنازلات بشأن شكل حدود الدولة المستقبلية من خلال إقرارها في الأمم المتحدة وليس من خلال المفاوضات المباشرة. وفي كلتا الحالتين، فإن ذلك قد يغلق باب المفاوضات من وجهة نظر إسرائيل.

ثانياً، يخشى الإسرائيليون من أن تعزيز وضع الفلسطينيين في الأمم المتحدة سوف يشجع السلطة الفلسطينية على استغلال آليات الأمم المتحدة بما يحقق مصالحها القصوى على الحساب السياسي لإسرائيل. على سبيل المثال قد يعني ذلك، السعي لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين أمام "المحكمة الجنائية الدولية" بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزعومة تتعلق بالانتفاضة الفلسطينية بين عامي 2000 و 2004 أو بحرب غزة في نهاية 2008 وبداية 2009. وتتعامل إسرائيل مع هذا السيناريو بجدية -- إذ من شأن هذا التحرك أن يعزز ما تعتبره إسرائيل استمرار نزع الشرعية عنها، ويؤدي إلى تراجع حاد في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، ويحول فعلياً دون العودة إلى عملية السلام في المستقبل المنظور.

وإذا اعترفت الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، فسوف يميل المدعي العام لـ "المحكمة" وبصورة أكثر إلى الاعتراف باختصاص "المحكمة الجنائية الدولية" على المسائل الفلسطينية، مما يترك الباب مفتوحاً لكي يرفع الفلسطينيون قضايا جنائية.

ثالثاً، تخشى إسرائيل من استخدام الفلسطينيين لاعتراف الأمم المتحدة للتأكيد على سيادتهم. وقد يعني ذلك تعليق التعاون الأمني الثنائي الذي استمر على مدار السنوات الأربع الماضية، مما يضع الأساس لوقوع مواجهات في الضفة الغربية. وفي الواقع، إن المواجهة السياسية في الأمم المتحدة قد تثير مجابهة في الضفة الغربية بغض النظر عما إذا كان الفلسطينيون سيؤكدون سيادتهم أم لا.

كما أن نجاح محاولة الفلسطينيين في الأمم المتحدة سوف يدفع السلطة الفلسطينية إلى اتهام إسرائيل باحتلال أراضي دولة أخرى ذات سيادة، كاحتلال العراق للكويت. ومن وجهة نظر فنية، لا يزال [عباس] بحاجة إلى الحصول على تفويض من قبل القوة المحتلة إذا أراد السفر إلى الأردن، إلا أن هذه الخطوة ستَعْرِض إسرائيل وفقاً للصورة التالية: دولة تحتل دولة أخرى. وبمجرد حدوث ذلك، هناك سلسلة طويلة من الخطوات الاقتصادية والسياسية والقانونية التي يمكن اتخاذها.

وعلى الرغم من ذلك يبدو من غير المحتمل أن يؤدي مثل ذلك التحرك إلى عقوبات دولية ضد إسرائيل في المستقبل القريب.

ونظراً للمخاطر المرتفعة التي ينطوي عليها الأمر، حذر المسؤولون الإسرائيليون من أن مبادرة السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة سوف تؤدي إلى اتخاذ مجموعة متنوعة من الخطوات الانتقامية. وفي محادثة خاصة، توقع بعض كبار المسؤولين أن ذلك قد يشمل إعطاء دفعة كبرى للبناء في المستوطنات، لا سيما في التكتلات الجغرافية المجاورة لإسرائيل، أو حتى ضم مناطق بشكل أحادي. وهناك مسؤولون آخرون، من بينهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، قد ذهبوا إلى حد المطالبة بقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية. كما أن وزير المالية يوفال شتاينتز قد هدد بتعليق تحويل الأموال من الضرائب المختلفة التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، والتي تعتبر مكوناً رئيسياً من مكونات الميزانية الفلسطينية.

وفي مقابلة أجريت مؤخراً مع السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة، أعرب مايكل أورين عن وجهة نظره بأن الاتفاقيات الثنائية القائمة -- التي تغطي كل شيء بدءاً من الواردات والصادرات وحتى المشاركة في المياه والتعاون الأمني -- سوف تَبْطل في حالة الإعلان من جانب واحد عن الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. وقال أورين، "أمريكا مشاركة في التوقيع على "اتفاق أوسلو"، وإن هذا [الإعلان] سوف يقوض منها بشدة. فالخطوات الأحادية سيكون لها تداعيات قانونية واقتصادية وسياسية لنا وللولايات المتحدة كدولة مشاركة في التوقيع".

هناك الكثير الذي سيخسره الفلسطينيون إذا ما حرضوا على القيام بمواجهات نظراً لاعتمادهم على إسرائيل. وعلى نحو مماثل، لا يرغب الإسرائيليون في مواجهة تسفر عن انهيار السلطة الفلسطينية، حيث إن ذلك سيدفن احتمالات السلام، ويعزز حركة «حماس»، ويُرغم إسرائيل على إعادة استئناف مسؤوليتها كما كانت قبل "اتفاق أوسلو"، وذلك بالإشراف على الحياة اليومية للفلسطينيين.

التداعيات على الميزانية والأمن

قد يكون لمحاولة إعلان الدولة في الأمم المتحدة تداعيات عميقة، بغض النظر عن ردود الفعل الإسرائيلية المحتملة.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2010، أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى أن الولايات المتحدة منحت السلطة الفلسطينية نحو 600 مليون دولار خلال ذلك العام. إلا أن مبادرة إعلان الدولة الفلسطينية من المرجح أن تُضر بالعلاقات الأمريكية الفلسطينية وتهدد هذا التمويل في حالة الاستمرار فيها. فقد دعا مجلسي الكونغرس في الولايات المتحدة الرئيس أوباما إلى استخدام حق النقض "الفيتو" ضد أي قرار حول إعلان الدولة في مجلس الأمن الدولي.

ونظراً لأن الولايات المتحدة هي أكبر الدول المانحة المنفردة للسلطة الفلسطينية، فإن تعليق مساعدات الكونغرس سوف يضعف أداؤها بشكل جوهري.

كما أن تعليق المساعدات سوف يؤثر بشكل سلبي على التعاون الأمني بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لا سيما على رواتب مسؤولي الأمن في السلطة الفلسطينية. ونظراً لاحتمال استفادة «حماس» من تلك التطورات، تساءل بعض المراقبين عما إذا كان بإمكان الكونغرس الأمريكي الاستمرار في تقديم المساعدات المخصصة للتعاون الأمني. إلا أنه سيكون من الصعب سياسياً على السلطة الفلسطينية قبول تلك الأموال فقط، حيث قد يرى العديد من الفلسطينيين أن هذه الأموال تخدم فقط المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

إن التداعيات المزعجة لمحاولة إعلان الدولة تمتد إلى ما وراء الميزانية. فقد دعا الأمين العام لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" ياسر عبد ربه إلى قيام مظاهرات سلمية حاشدة في 20 أيلول/سبتمبر لجذب التعاطف الدولي قبل أن يلقي عباس كلمته أمام الأمم المتحدة في اليوم التالي. بيد قد تنطلق بعد ذلك مظاهرات حاشدة أيضاً، وأن أية احتجاجات ستحدث بعد التصويت ستكون أكثر عرضة للخروج عن نطاق السيطرة، لا سيما إذا استعملت الولايات المتحدة حق النقض ضد طلب العضوية في مجلس الأمن. وفي مثل هذا المناخ المشحون سياسياً، فالسؤال هو -- إذا كان اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية لن يقابل بحدوث تغييرات على الأرض، فهل سيتحول المحتجون الفلسطينيون المثبطون ضد السلطة الفلسطينية، وربما بتحريض من «حماس»؟ كما أن هذه الجماعة قد تُطلق صواريخ من قطاع غزة أو تسمح لفصائل أخرى هناك بالقيام بذلك.

تجنب المواجهة

تنظر إسرائيل إلى محاولة الفلسطينيين الحصول على العضوية في الأمم المتحدة بأنها تهدد مصالحها الرئيسية. وبالإضافة إلى ذلك، تخلق تلك المبادرة مخاطر عميقة على المواجهات السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وقد تُعرِّض مستقبل السلطة الفلسطينية للخطر. وقد أشار المسؤولون الفلسطينيون سراً بأنهم سيعتبرون التحرك في الأمم المتحدة فاشلاً دون دعم دول الإتحاد الأوروبي السبع والعشرين، حتى إذا حصلوا على الاعتراف بأغلبية الثلثين في الجمعية العمومية. وهم يدركون أن دول "الإتحاد" ستكون عاملاً حاسماً في خلق قوة دفع سياسية في أعقاب التصويت.

سيناريوهات ما بعد القرار

تتعرض السلطة الفلسطينية لمخاطر الانهيار جراء مبادرتها للإنضمام كدولة إلى الأمم المتحدة. ففي أواخر حزيران/يونيو، توصلت وكالة فلسطينية محلية لاستطلاع الرأي -- تعتبر من رواد الوكالات في هذا المجال -- برئاسة خليل شقاقي إلى أن 66% من الفلسطينيين يرون أن إسرائيل ستجعل الاحتلال أسوأ وتزيد من نشاطها الاستيطاني إذا وافقت الأمم المتحدة على إقامة دولة فلسطينية، فيما رأى 13% فقط من الذين شملهم الإستطلاع بأن الظروف سوف تتحسن.

إن تحقيق انتصار حاسم للسلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة سيثير على الأرجح خطوات انتقامية من قبل إسرائيل، بما في ذلك حجب التخاليص الجمركية التي تُقدر بنحو 300 مليون دولار [في العام]. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه التحركات لن تكون تلقائية. ونظراً لارتفاع المخاطر بصورة كبيرة، فلا يمكن للمرء أن يستبعد احتمال قيام إسرائيل بتأجيل اتخاذ رد فعلي فوري.

وإذا حجبت الولايات المتحدة وإسرائيل أموالهما، التي من شأنها أن تضر بالسلطة الفلسطينية وبالتنسيق الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار السلطة الفلسطينية بصورة كلية. وحتى إذا قررت واشنطن عدم تعليق المساعدات، فقد تتأثر بشدة العلاقات الأمنية والتجارية والاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وعلاوة على ذلك، فمن غير الواضح ما إذا كان بوسع السلطة الفلسطينية السيطرة على الديناميكية التي ستطلقها بين جمهورها في حالة تمرير القرار.

وإذا خرجت السلطة الفلسطينية بقرار إعلان الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي التي لم تكن تحت سيطرة إسرائيل قبل عام 1967، فسوف يتعين على إدارة أوباما أن تفعل ما هو أكثر من مجرد النأي بنفسها عن التصويت. فبالإضافة إلى التأكيد على ضرورة تبادل الأراضي بشكل عام، قد يقرر الرئيس الأمريكي طمأنة إسرا