أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

الروابط الدينية بين إيران وسوريا

مهدي خلجي, پاتريك كلاوسون, مايكل آيزنشتات, ماثيو ليفيت, و مايكل سينغ

متاح أيضاً في English

معهد الولايات المتحدة للسلام بالاشتراك مع مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين

3 حزيران/يونيو 2013


 

في تشرين الأول/أكتوبر 2010 نشر "معهد الولايات المتحدة للسلام" بالاشتراك مع "مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين" "إيران – مبادئ القراءة: القوة والحكم وسياسة الولايات المتحدة" وهو منشور فريد ألفه خمسون من أفضل باحثي العالم المهتمين بإيران، يمثلون حوالي عشرين من مراكز الأبحاث السياسية الأجنبية وثماني جامعات وكبار مسؤولي السياسة الخارجية من ست إدارات أمريكية. وبدون أجندة سياسية واحدة يعرض المنشور مجموعة واسعة من وجهات النظر حول جوانب متنوعة من السياسة والاقتصاد والشؤون العسكرية والبرنامج النووي والمجتمع الإيراني. ويبحث المنشور علاقات إيران الخارجية مع عشرات الدول أو المناطق المجاورة، ويؤرخ العلاقات الأمريكية الإيرانية في ظل ست رؤساء أمريكيين ويقدم خيارات الغرب للتعامل مع إيران في المستقبل.

وقد ساهم خمسة من كبار زملاء معهد واشنطن بفصول في كتاب "إيران – مبادئ القراءة"، وفيما يلي الفصل الذي ساهم به مهدي خلجي مؤخراً حول العلاقات الدينية التي تربط اثنين من البلدان الأكثر أهمية  في الشرق الأوسط  وهو بعنوان: الروابط الدينية بين إيران وسوريا.

 

ليس وارداً القول بأن إيران وسوريا رفيقتان. فقد أصبحت إيران جمهورية إسلامية -- الثيوقراطية الوحيدة في العالم المعاصر -- منذ ثورة 1979. أما سوريا فهي دولة لا تنفك عن العلمانية والاشتراكية منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970. وإيران هي فارسية في الغالب بينما أغلب سكان سوريا هم من العرب. إلا إن إحدى أقوى التحالفات القائمة في المنطقة هي بين طهران ودمشق -- ويعود ذلك في جزء منه إلى الدين. ويهيمن الشيعة على إيران بينما يسود حكم العلويين -- فرع من الشيعة -- في سوريا. وتجمع بين الاثنين مصالح مشتركة في بقاء هذه الأقلية في منطقة الشرق الأوسط التي تبلغ نسبة المسلمين السنة فيها حوالي 85 في المائة.

وقد انعكست هذه الروابط مرة أخرى من خلال دعوة النظام الإيراني للمتطوعين لحماية الأضرحة الشيعية في سوريا في أوائل أيار/مايو، بعد أن وردت تقارير مفادها قيام ثوار سوريين بنهب ضريح حُجر بن عدي في دمشق، وهو أحد الرموز التي يجلها الشيعة. وقد أعلنت "جبهة النصرة" -- مليشيات سنية تدور في فلك تنظيم «القاعدة» -- مسؤوليتها عن نبش قبر بن عدي. وهناك  ما يقرب من 50 ضريحاً ومزاراً شيعياً في سوريا. ومنذ قرون يأتي الإيرانيون إلى سوريا للحج فيها. فالمقام الأقدس للسيدة زينب يقع في ضواحي دمشق.

ما هي المعتقدات الدينية التي تجمع بين الشيعة والعلويين؟ وكيف ارتبط النظام الإيراني والسوري من خلال العقيدة؟

الطائفة العلوية هي فرع صغير نسبياً من المذهب الشيعي. ويتلاقى العلويون والشيعة في الإيمان بأن إمامة العالم الإسلامي -- وحقوق تفسير هذا الإيمان -- لا بد وأن انتقلت من آل بيت النبي محمد بعد وفاته. وهم يؤمنون بأن علي -- ابن عم النبي وصهره -- كان ينبغي أن يكون الخليفة الأول في القرن السابع. بل إن المعنى الحرفي لكلمة شيعي تعني "من اتباع علي". وعلى النقيض من ذلك، يؤمن السنة بأن القيادة يجب أن تورث من قبل ذوي المشورة من الأصحاب الأوائل للنبي. وقد أصبح علي الخليفة الرابع لفترة وجيزة، ولكن بخلاف ذلك ومنذ ذلك الحين بقيت زعامة العالم الإسلامي تحت هيمنة السنة إلى حد بعيد.

لقد كافح العلويون منذ القرن التاسع طلباً للشرعية والاعتراف بهم من قبل بقية المسلمين. وفي سبعينات القرن الماضي أصدر رجل الدين الإيراني وزعيم الطائفة الشيعية في لبنان موسى الصدر فتوى مثّلت انفراجة هامة. فقد أعلن رسمياً أنه يقر بأن العلويين هم جزء من الشيعة، وهي خطوة فتحت الأبواب على مصراعيها للاعتراف بهذه الطائفة داخل الإطار العام للمجتمع الشيعي.

في العقود الأخيرة، بذلت الشيعة الإمامية [الإثني عشرية] أيضاً جهوداً مضنية للحد من الفوارق اللاهوتية بين الطيف الشيعي السائد والعلويين. ويرجع ذلك جزئياً إلى ضمور القومية العربية وظهور العامل الديني في بناء التحالفات السياسية وتحديد الهوية. ويحتمل أن يكون هذا التحول قد جاء بطرق متعددة، إذ يتخذ رجال الدين الشيعة من دمشق جسراً يربط بين الشيعة في إيران والعراق والكويت ولبنان. وقد سمحت الحكومة السورية للشيعة بزيارة العديد من المزارات المقدسة وخاصة مسجد السيدة زينب.

ما هي وجوه اختلاف العلويين عن الشيعة؟

يُعرف العلويون في الأرثوذكسية الإسلامية باسم "النصيرية". فالنصيرية أو العلوية هي طائفة باطنية لم تحظى بالدراسة نوعاً ما نظراً لأن معتنقيها أبطنوا ما يؤمنون به.

عند الحديث عن الأسس والشعائر والفقه من الناحية اللاهوتية، لا يربط بين الشيعة الاثني عشرية والنصيرية العلوية سوى قواسم إيمانية قليلة. (شيعة إيران هي اثني عشرية، وقد سميت بهذا الإسم بسبب الاعتقاد في الأئمة أو الزعماء الاثني عشر المنصوص عليهم وحياً -- أي [أنَّ النبي محمد قد نصَّ على إثني عشر إمام من بعده]). وخلال قرون اعتُبر النصيريون العلويون فعلاً كمهرطقين من قبل الشيعة والسنة على حد سواء وغالباً ما كانوا يتعرضون للاضطهاد. على سبيل المثال، إن العلويين يبجلون علي باعتباره [إمام] أعلى حلت فيه روح الإله.

ولم يتم ضمهم إلى عموم المسلمين إلا في ظل ظروف سياسية معينة كانت مواتية. ويشابه موقفهم التاريخي ذلك الذي تتبعه كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة بين المسيحيين. فكلاهما واجه مصاعب للاعتراف به من قبل الأرثوذكس. وكلاهما طائفتان باطنيتان. ولم يتسنى لمن غايرهم أن يلج إلى صميم معتقداتهم وإداراتهم.

إن إحدى الفروق الرئيسية بين كلا الفرعين الشيعيين هو مصدر السلطة الدينية. فالشيعة الإمامية يتزعمها آية الله، الذي هو مرجع المسائل والشعائر الفقهية والقانونية والطقوس. كما يُفرض على المؤمن سداد الضرائب الدينية لآية الله. بيد، ليس هناك آية الله عند العلويين. ولذا يمكن القول بأن كلتا الطائفتين لم تكن لهما نفس الالتزامات الدينية المالية من الناحية التاريخية.

ما هي الروابط السياسية بين الشيعة في إيران والعلويين في سوريا؟

تتعلق الروابط السياسية بين الشيعة والعلويين بالهوية وبقاء الأقلية أكثر من تعلقها بالمعتقد الديني. فالشرق الأوسط منطقة يهيمن عليها السنة. كما أن إيران والعراق هي الدول ذات الأغلبية الشيعية الوحيدة في المنطقة، بينما بقيت سوريا على مدى عقود الدولة العربية الرئيسية الوحيدة التي يحكمها فرع من الشيعة. وقد كان صدام حسين السني يحكم العراق قرابة ربع قرن. لذا جمعت بين إيران وسوريا روابط نفسية طبيعية تحولت إلى تحالف سياسي غطاءه هوية دينية مشتركة. وقد تعززت هذه الروابط بصورة أكثر عقب بروز حكومة يهيمن عليها الشيعة في العراق -- الدولة الفاصلة بينهما -- عام 2003. وقد أطلق العاهل الأردني الملك عبد الله على هذه الكتلة الشيعية الوليدة اسم "الهلال الشيعي".

و بالنسبة لحكومتين معزولتين تعتبر هذه العلاقات استراتيجية أيضاً. فحاجة نظام الأسد لحلفاء في إيران ولبنان جعلته يُغفل الفوارق اللاهوتية بين الشيعة الاثني عشرية والنصيرية العلوية. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية -- المزدراة من الحكومات السنية -- فقد أقامت علاقات مع الأشقاء العلويين في سوريا على نحو مثير للاهتمام -- على الرغم من أن إيران لم تُشر أبداً في الواقع إلى النظام الحاكم في دمشق كنظام علوي. فقد ظلت سياستها الرسمية تجاه الدول الإسلامية تتمركز على الاصطفاف حول الإسلام وليس فروع معينة منه.

وفي النهاية، ففي الواقع لدى كل من إيران وسوريا نمط مختلف تماماً من الحكومات. وربما تكون الصفوة الحاكمة في سوريا علوية، ولكن الأيديولوجية الرسمية للحكومة بعثية، وهي مزيج علماني من الاشتراكية ومقومات الحركة القومية المتمثلة بالعروبة. ولا يقتصر حزب البعث على العلويين فقط. بل هو يضم أيضاً بعض السنة والمسيحيين.

ولكل حكومة في سوريا وإيران روابط مختلفة أيضاً مع جمهور الناخبين. فالعلويون لا يمثلون سوى 12 في المائة من عدد السكان في سوريا، بينما معظم السوريين هم من السنة. وأما إيران، فأكثر من 90 في المائة من سكانها هم من الشيعة.

 

مهدي خلجي هو زميل أقدم في معهد واشنطن، وقد درس اللاهوت الشيعي في الحوزة الإيرانية في قم.