أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2860

إعلان حركة "حماس": مصالحة أم إعادة توجيه؟

غيث العمري

متاح أيضاً في English

20 أيلول/سبتمبر، 2017


ردًا على مبادرة مصرية، أعلنت حركة "حماس" في 17 أيلول/سبتمبر أنها ستحلّ "اللجنة الإدارية" التي أنشأتها في شهر آذار/مارس كحكومة ظل لإدارة قطاع غزة. وحفّز تشكيل هذه اللجنة رئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس على اتخاذ سلسلة من التدابير العقابية ضدّ حركة "حماس" وقطاع غزة، مثل وقف التسديدات عن إمدادات الكهرباء الإسرائيلية إلى القطاع، وجعل موظفي "السلطة الفلسطينية" هناك يتقاعدون وتقليص رواتبهم، والحدّ من الإحالات الطبية للذين يسعون للعلاج خارج غزة. وفي ذلك الوقت، أعلن عباس أنّ القيود المفروضة لن تُرفع إلّا إذا حلّت "حماس" اللجنة وسمحت للسلطة الفلسطينية بالعمل في غزة ووافقت على إجراء انتخابات. والآن بعد أن أعلنت "حماس" حلّ اللجنة، ودعت حكومة "السلطة الفلسطينية" إلى غزة، وأعربت عن استعدادها لمناقشة الانتخابات، يتعرّض عباس للضغط لرفع التدابير العقابية وسيقوم بذلك على الأرجح عند عودته من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هل هذه مصالحة؟

من المرجح أن يعيد قرار حركة "حماس" قطاع غزة إلى وضعه قبل شهر آذار/مارس، ولكن المصالحة الحقيقية مع "السلطة الفلسطينية" ستستتبع التخلي عن السيطرة الأمنية على القطاع وتقاسم السلطة فعليًا. ومنذ استيلاء الحركة العنيف على غزة في العام 2007 فشل عددٌ كبيرٌ من الترتيبات الفلسطينية "للوحدة" و"التوافق الوطني" و"المصالحة الوطنية" في تحقيق هذه الأهداف. وتعثرت هذه الجهود التي توسطتها القاهرة ومكة والدوحة وغزة بمسألتين وليس أيًا منهما قريب إلى الحلّ.

إنّ المسألة الأولى التي تتعلق بموظفي القطاع العام الذين أضافتهم "حماس" إلى لائحة رواتب "السلطة الفلسطينية" منذ عام 2007 تطرح مشكلة كيفية دمج عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين الجدد في بيروقراطية "السلطة الفلسطينية" المتضخمة والعاجزة نقديًا في الأصل. كما ينبغي على القادة الفلسطينيين أن يقرروا كيفية التعامل مع مسؤولي "السلطة الفلسطينية" الذين ما زالوا على لائحة الرواتب والذين تلقوا تعليمات بالبقاء في منازلهم منذ عام 2007، وكيفية إدارة التخفيض المحتمل للمساعدة الدولية إذا ما ضمت "السلطة الفلسطينية" أعضاءً من حركة "حماس".

أمّا العقبة الثانية، وهي إعادة السيطرة الأمنية على غزة للسلطة الفلسطينية، فهي الأصعب، لأنها ستُنهي فعليًا حكم "حماس" هناك وتجعل الحركة عرضة لخصومها من حركة "فتح". ولم تظهر "حماس" ميلًا للتخلي عن هذه السيطرة، وحتى لو تحرك زعماؤها السياسيون في هذا الاتجاه فربما لن يمتثل جناحها العسكري القوي والمستقل للأمر.

لا يزال ذات أهمية سياسية

على الرغم من أنّه من غير المرجح أن يحقق الإعلان الذي صدر نهاية هذا الأسبوع المصالحة، إلا أنه سيؤثر على الديناميات الداخلية لحركتَي "حماس" و"فتح". كما أنه سيعزز دور مصر في سياسات غزة وفلسطين.

وبعد أن أجرت "حماس" انتخابات داخلية في أيار/مايو، بدأت القيادة الجديدة وبالتحديد رئيس قطاع غزة يحيى السنوار بإصلاح الوضع مع القاهرة. وأدّى ذلك إلى التوصل إلى اتفاق في شهر تموز/يوليو وافقت بموجبه مصر على توفير الوقود لغزة وإعادة فتح معبر رفح تدريجيًا. وفي المقابل، ستسمح "حماس" لزعيم "فتح" السابق محمد دحلان، المقيم في أبو ظبي والمسؤول عن تنفيذ إجراءات "السلطة الفلسطينية" الأمنية المناهضة لـ “حماس" في التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، بالعمل في غزة. وقد عارض بعض قادة "حماس" في المهجر والضفة الغربية هذا الترتيب، ويعود ذلك إلى حدّ كبير إلى أنه سيضعف تأثير قطر وتركيا لصالح مصر والإمارات العربية المتحدة. ولكنهم لم يتمكنوا من منع هذا التدبير لأن سكان غزة رحبوا على نطاق واسع بالانفراج التي نتج عنه. وإذا كان الاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية يؤدي إلى عكس إجراءات عباس العقابية وتحسين الظروف المعيشية في غزة، فإنه سيدعم بقوة أعضاء "حماس" الذين دعوا إلى إعادة توجيه الحركة نحو القاهرة، على الأقل في المدى القصير.

ويقوم الدور الذي تضطلع به مصر بتشكيل السياسات داخل حركة "فتح" أيضًا. وكان عباس قلقًا بشكلٍ خاص من أنّ اتفاق تموز/يوليو سيقوي دحلان وهو منافسه منذ فترة طويلة، والذي شكّل تهميشه هدفًا أساسيًا للرئيس منذ عام 2007. وبناءً على ذلك، زار عباس تركيا في 27 آب/أغسطس أملًا في إقناع أنقرة بالتوسط من أجل إبرام اتفاق مصالحة يتخطى اتفاق مصر و"حماس". ولكن لم تحقق هذه الزيارة أي نتيجة. والآن بعد أن قررت “حماس” حلّ اللجنة وتلبية شروط عباس الأخرى، وجد هذا الأخير نفسه مضطرًا إلى الرد بشكلٍ إيجابي والمشاركة في عملية المصالحة التي تقودها القاهرة، والتي ستشمل حتما دورًا لدحلان في أي ترتيبات مستقبلية في غزة.

ومن خلال الاضطلاع بدورٍ أساسيٍ في هذه التطورات، أفادت التقارير أن مصر تخلت حتى الآن عن نهجها الحذر المتمثل في عقد اجتماعات مصالحة فلسطينية من أجل اقتراح أفكار بشكلٍ استباقي والضغط على الأطراف لقبولها. ومن المرجح أن يؤدي هذا التحول إلى تعزيز مكانة مصر باعتبارها الجهة الفاعلة الإقليمية التي لا غنى عنها في سياسات غزة وفلسطين بشكل عام، ولا سيما بالمقارنة مع مؤيدي "حماس" التقليديَين قطر وتركيا.

وتشير التطورات الأخيرة إلى اعتراف عباس الضمني بأن دحلان ينبغي أن يضطلع بدورٍ في السياسة الفلسطينية المستقبلية. وكذلك تَعتبر مصر والأعضاء الآخرين في "الرباعية العربية"، وهم الإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن، مسألة دحلان جزءًا من جهد أوسع لإعادة النظام إلى فلسطين قبل المنافسة المحتملة المزعزعة للاستقرار لخلافة عباس البالغ من العمر 82 عامًا.

الآثار المترتبة على السياسة الأميركية

وحاول صانعو السياسات في الولايات المتحدة بشتى الطرق تجنّب نشوب صراع جديد بين إسرائيل وغزة مع معالجة الوضع الإنساني المتردي بشكلٍ متزايد في القطاع. سيساعد إعلان "حماس" الصادر نهاية هذا الأسبوع، إذا تم تنفيذه، على إعادة غزة إلى الوضع السابق الذي كان مستقرًا إلى حدّ معقول على الرغم من ثغراته الواضحة. وبالاقتران مع التفاهمات المصرية السابقة بشأن إمدادات الوقود والمعابر الحدودية ودحلان، قد يخفف من حدّة بعض التحديات الإنسانية العاجلة التي تواجها غزة (وإن لم يحلها).

ويمكن للدور المصري المتزايد في غزة أن يكون إيجابيًا على نطاق أوسع أيضًا، لأن لدى القاهرة المصلحة والقدرة على الضغط على "حماس" بالابتعاد عن الإرهاب، مع إنشاء تدريجيًا مساحة للجهات الفلسطينية الفاعلة الأخرى للعمل في القطاع. إلّا أن "حماس" لن ترضخ طوعًا. وحتى مع قيام القيادة الجديدة للحركة بإعادة التوجيه نحو مصر، فإنها تقوم في الوقت عينه بإصلاح علاقاتها مع إيران وتعميقها. وبينما أجبرت الظروف "حماس" على القبول بعودة دحلان وغيره من خصوم غزة، فستسعى الحركة حتمًا إلى ضمان أنّ دور "السلطة الفلسطينية" يقتصر على العمل كخط أنابيب للتمويل الخارجي. ومع ذلك، أثبتت مصر قدرتها على الاستفادة من نفوذها للضغط بشكلٍ فعال على "حماس"، لذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تواصل إشراك القاهرة في الهدف الطويل الأجل المتمثل في إضعاف سيطرة الحركة على غزة.

ومن المؤكد أنّ التطورات الأخيرة لا تفي أبدًا بالمعايير الأميركية والدولية للمصالحة الفلسطينية الحقيقية التي تركز على قبول "حماس" بحل الدولتين والتخلي عن الإرهاب. في الوقت الراهن، لا تزال هذه الأهداف بعيدة المنال. ومع ذلك، لا يزال بإمكان واشنطن تعزيز المصالح الأميركية من خلال تشجيع الجهود المصرية والعربية الأوسع نطاقًا لتحقيق الاستقرار في غزة وتلبية احتياجاتها الإنسانية وتخفيف سيطرة "حماس" عليها. وفي الوقت عينه، ينبغي على الولايات المتحدة أن توضح أنها ستستمر في معارضة أي محاولات من قبل "حماس" لكسر العزلة الدولية للحركة من دون الوفاء أولًا بالتزاماتها، أو إعادة إنشاء "نموذج "حزب الله"" للحفاظ على السلطة على الأرض من دون تحمل المسؤوليات التي تترافق مع الحكم اليومي وتقديم الخدمات.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومؤلف تقريره الأخير "الحوكمة كمسار نحو التجدد السياسي الفلسطيني". وقد عمل سابقاً في مناصب استشارية مختلفة مع السلطة الفلسطينية.