أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1990

مستقبل السلطة الفلسطينية: هل الانهيار خيار؟

إهود يعاري و ناثان براون

متاح أيضاً في English

10 تشرين الأول/أكتوبر 2012


"في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2012، خاطب إهود يعاري وناثان براون منتدى سياسي في معهد واشنطن. إهود يعاري هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن ومراسل لشؤون الشرق الأوسط  في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي. وناثان براون هو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن وزميل بارز غير مقيم في مؤسسة كارنيغي، حيث يركز على الحركات الإسلامية والسياسة الفلسطينية، والقانون والمبادئ الدستورية العربية. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما."

 

إهود يعاري

بعد نحو عشرين عاماً من تأسيس السلطة الفلسطينية وبدء مزاولة عملها يبدو أن هناك خطراً متزايداً يهدد وجودها. فبعد ما يزيد عن ثلاثة أعوام من تدشين خطة رئيس الوزراء سلام فياض لبناء الدولة أصبحت السلطة الفلسطينية مفلسة تقريباً. فقد فشل المانحون العرب في الوفاء بتعهداتهم المالية وتوفقت المصارف الخاصة عن منح قروض للحكومة وتم تأجيل رواتب الموظفين وأصبح العجز الفعلي يتجاوز 1.5 مليار دولار. ونتيجة لذلك اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يدفع عائدات الجمارك إلى السلطة الفلسطينية مقدماً. هذا ووفقاً لـ "البنك الدولي" تشكل إسهامات المانحين إلى السلطة الفلسطينية 50 بالمائة بالفعل من "الناتج المحلي الإجمالي"، كما تؤكد التقارير الصادرة عن "البنك الدولي" مؤخراً أن النمو الاقتصادي غير مستدام بدون زيادة نشاط القطاع الخاص.

كان هناك تصور في الأصل بأن تصبح السلطة الفلسطينية أداة لبناء الدولة، والنواة الإدارية لدولة فلسطينية مستقبلية. ومع ذلك، فبدون وجود دليل على تحقيق تقدم كبير باتجاه هذا الهدف، بدأ الكثيرون في إثارة التساؤلات حول الحاجة إلى وجود السلطة الفلسطينية. وفي الواقع، إن وجهات نظر الفلسطينيين تجاه السلطة الفلسطينية تزداد سلبية، وقد سعى العديد منهم إلى النأي بأنفسهم من التدخل الحكومي في الشؤون المحلية. وفي الخليل، على سبيل المثال، طالبت علناً شخصيات بارزة ​​أن يمتنع المحافظ المعين من قبل السلطة الفلسطينية عن التدخل غير الضروري في التجارة المحلية. وفي القدس الشرقية طلبت أسر بارزة من المحافظ  المعين من قبل السلطة الفلسطينية - الذي يقيم خارج المدينة - أن يمتنع بالمثل عن التدخل، كما يسعى العديد من الفلسطينيين إلى الاحتفاظ ببطاقاتهم الإسرائيلية الزرقاء. وفي جنين توفي المحافظ موسى قدورة بعد إصابته بنوبة قلبية في أعقاب إطلاق النار على منزله من قبل مهاجمين مجهولين، ولم تجرؤ السلطات على اتهام الجناة في القضية.

وفي ظل تلك الظروف، طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من مساعديه مراجعة إجراءات نقل السلطة إلى البلديات. ورغم عدم وجود خطة ملموسة لتفكيك السلطة الفلسطينية، إلا أن المشاعر والاتجاهات سلبية للغاية. وفي الواقع يقول الكثيرون في المجالس المحلية لحركة «فتح» إن السلطة الفلسطينية مكّنت إسرائيل من "الاحتلال بالوكالة". ورغم انخفاض الرغبة في إطلاق انتفاضة أخرى إلا أنه تم اقتراح العديد من الخيارات الأخرى؛ أولها إعفاء السلطة الفلسطينية من التزاماتها بموجب اتفاقيات أوسلو. وفي مثل ذلك التحول، سوف تصبح السلطة الفلسطينية أداة لتغيير قواعد اللعبة بدلاً من مجرد حصيلة اتفاق ثنائي، وهي فكرة تدعمها بعض الشخصيات مثل نبيل شعث وياسر عبد ربه، ومحمود العالول. وهناك أخرون - مثل الدكتور ساري نسيبة الذي يحظى باحترام كبير - قد اقترحوا تشكيل نظام تصبح معه السلطة الفلسطينية مركزاً يتمتع بحكم ذاتي داخل دولة كونفدرالية. ومع ذلك، لا تحظى هذه الفكرة بتأييد كبير بين المثقفين الفلسطينيين أو على المستوى الشعبي. وقد اقترح بعض الفلسطينيين أن تحصر السلطة الفلسطينية مسؤولياتها على الضفة الغربية وتقبل نظاماً كونفيدرالياً مع قطاع غزة، وهذا من شأنه أن يحسن الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، نظراً لأن رئيس الوزراء فياض يدّعي الآن بأن السلطة الفسطينية تنفق 58 بالمائة من ميزانيتها في غزة. وأخيراً، وفي ضوء الاضطرابات المتوقعة في الأردن بدأ البعض يناقش إمكانية إعادة ربط الضفة الغربية والأردن من خلال ترتيب خاص تصبح فيه الضفة الغربية ولاية أردنية شبه مستقلة. وقد اقترح بعض المسؤولين الأردنيين الانفتاح على هذه الفكرة.

كما أن تصريحات الرئيس عباس الأخيرة بشأن احتمال استقالته قد أثارت تساؤلات حول من يخلفه. فنصف أعضاء اللجنة المركزية لحركة «فتح» يرون أنفسهم منافسين محتملين، بما في ذلك محمد دحلان الموجود الآن في المنفى في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي ركزت حملته على الفساد المزعوم لعباس؛ ومحمود العالول الذي يأتي من جهاز المتشددين الإرهابيين لحركة «فتح»، ومروان البرغوثي الذي يقبع في السجن ولا ينظر إليه بأنه مرشحاً جدياً ولكن يمكن اختياره "كرئيس غائب"، ومحمد غنيم ["أبو ماهر"] أو سلطان ابو العينين وكلاهما عارض اتفاقية أوسلو منذ البداية.

ورغم كآبة المشهد والمؤشرات، إلا أن الحفاظ على السلطة الفلسطينية لا غنى عنه للتوصل إلى حل الدولتين، ويجب على إسرائيل أن تمنع انهيارها. وقد تؤدي الانتخابات الإسرائيلية القادمة إلى تشكيل حكومة أكثر وسطية يمكن أن تكون منفتحة على اتخاذ خطوات هامة مثل تحسين وضع السلطة الفلسطينية أو توسيع نطاق أنشطتها - يحتمل قيام ائتلاف بين "الليكود" و "حزب العمل". وبدلاً من السعي إلى الوصول إلى اتفاق حول الوضع النهائي، يمكن لإسرائيل أن تحقق تقدماً بصورة أفضل من خلال التوصل إلى اتفاق مرحلي سخي أو "هدنة" مع الفلسطينيين. وهناك عدد من القادة السياسيين الإسرائيليين، مثل رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت أو وزير الدفاع ايهود باراك، الذين من الممكن أن يفضلوا مثل هذا الحل.

 

ناثان براون

من وجهة النظر الفلسطينية، كان الهدف دوماً أن تكون السلطة الفلسطينية نواة لدولة فلسطينية. وأولئك الذين انتقدوا تأسيسها فعلوا ذلك إما لأنه كان يساورهم الشك في حل الدولتين بشكل عام - جاء ذلك في المقام الأول من «حماس» - أو لأنهم كانوا يؤمنون بأن السلطة الفلسطينية نفسها لن تؤدي سوى إلى خطة للحكم الذاتي الداخلي بدلاً من دولة متكاملة الأركان. وعندما فشلت الجهود الدولية في إحداث صدى لدى الشعب الفلسطيني خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، اكتسب هذا النقد الثاني زخماً وتبلور في نقد ثالث أشار إلى أنه من خلال السلطة الفلسطينية حصل الفلسطينيون على جميع سمات الحكومات السلطوية العربية ولم يحصلوا على أي من ميزات الدولة. بيد أنه خلال الانتفاضة الثانية سعت القيادة الفلسطينية إلى الإصلاح إدراكاً منها لتداعيات هذا النقد وخوفاً من الانهيار الوشيك للسلطة الفلسطينية. وقد وصل ذلك ذروته في النهاية في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2006 والحرب الأهلية التي تلتها بين «حماس» و «فتح». وقد مثّلت حكومة فياض محاولة للاستجابة لتلك المستجدات.

تصورت الأطراف الخارجية أن فياض يمثل رمزاً لاعتماد الفلسطينيين على أنفسهم ووسيلة لبناء المؤسسات. بيد لم تحظ تلك التصورات سوى بقدر ضئيل من المصداقية على الساحة الداخلية. فلم تكن حكومة فياض فقط معتمدة على غيرها بالكامل من الناحية المالية، بل كانت الأطراف الخارجية مهتمة فقط بالتعامل مع فياض دون غيره. ورغم ذلك نجح فياض في تصحيح الإجراءات المالية وإصلاح إشارات المرور ودفع الرواتب في الوقت المحدد. ولكن لم تكن تلك التدابير سوى مجرد تعافي من الانتفاضة الثانية ولم ترقى إلى مستوى بناء الدولة. بيد أن هناك عدد لا حصر له من المنازل يعتمد على مؤسسات السلطة الفلسطينية، وسوف يكون لانهيارها تأثير كبير.

إن أحد الجوانب الأكثر بروزاً في المناقشات الحالية بين الفلسطينيين هو أنها لا تعد رفضاً لحل الدولتين بل بمثابة انتقال في العقلية من النظرة الإيجابية إلى السلبية، حيث يتساءل الناس عما سيحدث لهم وليس ما يمكنهم عمله لإحداث التغيير. وقد انعكست تلك العقلية في غياب استراتيجية طويلة الأجل في الضفة الغربية. وهناك عقلية مماثلة في غزة حيث اختارت «حماس» أن تتربص وتنتظر أن تسنح لها فرصة أفضل. ومن المثير للسخرية أن ذلك يعني أن كلا الحركتين اللتين تأسستا من أجل إتاحة خيارات للشعب الفلسطيني، اختارتا الانتظار حتى قدوم فاعل خارجي لتغيير الوضع الراهن.

وقد ظهرت أسئلة عديدة إضافية مع الانتفاضات العربية التي اجتاحت الشرق الأوسط. ورغم انتشار المظاهرات على نطاق واسع، إلا أن ثورة مماثلة لم تقم في السياق الفلسطيني لأسباب عديدة، من بينها الإجهاد الذي لا تزال آثاره باقية من الانتفاضة الثانية وعدم وجود هدف محدد للاحتجاجات وغياب التركيز التكتيكي. وعلى النقيض من العديد من البلدان التي شهدت انتفاضات، لم تنهار الساحة السياسية في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهذا يعني أن الدعوات للقيام بمظاهرات يُنظر إليها على أنها سياسية وليست ثورية. ومن ثم فإن الاضطرابات بين صفوف الفلسطينيين تُوجت بجهود المصالحة في عام 2011، وليس بتغيير أوسع نطاقاً في النظام.

 

أعد هذا الملخص المقرر كوري فيلدر.