أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

قضية التواضع

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

فورين پوليسي

2 تشرين الأول/أكتوبر 2012


"نظراً للقضايا الاستراتيجية على المحك وسجل واشنطن مع الدول النووية المارقة يجب على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تبقيا على خلافاتهما فيما بينهما."

 

في حديثه أمام الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 أيلول/سبتمبر استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قلماً أحمر لشحذ التركيز بصورة بيانية حول الحاجة إلى وضع "خط أحمر" لوقف البرنامج النووي الإيراني.

يخلط البعض بين مسألة الخطوط الحمراء وفكرة توجيه إنذار علني إلى إيران. لكن هذا أمر يخالف الصواب: إن وضع خطوط حمراء لا يتعلق بما يُقال علناً، بل بما تراه طهران قابلاً للتصديق - بغض النظر عن طريقة نقله.

هناك مؤشرات على أن نتنياهو والرئيس الامريكي باراك أوباما يجددان جهودهما للتوصل إلى تفهم هادئ حول هذه القضية الهامة منذ المكالمة الهاتفية بينهما التي استمرت ساعة. وفي خطابهما في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، ركز كلا الزعيمين على إيران- حتى في الوقت الذي تراجعا عن [احتمال قيام] مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

لقد كان هذا أوضح ما يكون في خطاب نتنياهو، حيث لم يظهر من حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الضربة الجوية الإسرائيلية وشيكة قبل موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر، ونَقًل المعايير بفطنة من النقاش حول نافذة العمل الآخذة في الانغلاق (التي يصفها المسؤولون الإسرائيليون بـ "منطقة الحصانة") إلى المرحلة التي تستطيع عندها إيران صنع وقود نووي للأسلحة بسهولة بالغة.

كما ذكر نتنياهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان حالياً "محادثات" حول موضوع إيران، مما يشير إلى أن كلا البلدين يركزان حالياً على الطريق الأمثل لضمان وقياس الهدف المشترك المتمثل في منع امتلاك الجمهورية الإسلامية لأسلحة نووية. بيد ليس هناك من ينكر بأن التوترات لا تزال قائمة بين البلدين الحليفين. فقد وصلت حرب التصريحات فيما بينهما إلى أوجها مؤخراً عندما أعلن نتنياهو - رداً على ما فسره كتوبيخ شخصي من قبل رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة - أنه إذا لا تضع الولايات المتحدة خطوطاً حمراء لمنع البرنامج النووي الإيراني، فهي لا تملك الحق الأخلاقي لوضع ضوء أحمر أمام هجوم إسرائيلي. وفي مقابلة أُجريت مع أوباما في برنامج "60 دقيقة"، بدا أن الرئيس الأمريكي يصرف النظر عن تلك التصريحات العلنية بوصفه إياها بأنها مجرد "ضوضاء". لقد حان الوقت للتقليل من حدة الخطاب. وفي الحقيقة يستطيع كلا الجانبين التحلي بقدر من التواضع قبل إطلاق التصريحات العلنية.

وبالنسبة لإسرائيل فإن التواضع مطلوب لأن المواجهة العلانية مع الولايات المتحدة لن يكون لها أي مغزى استراتيجي. وسيكون المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون أول من يقول إنه لا يوجد بديل للتقارب السياسي مع راعيهم في واشنطن. وعلاوة على ذلك عندما يكون هناك خلاف علني مع الولايات المتحدة بشأن مسألة البرنامج النووي فإن إيران هي المستفيدة الوحيدة. ولا بد أن تفسر طهران تلك الانقسامات باعتبارها تعكس غياب العزيمة.

ولكن بإمكان الولايات المتحدة أيضاً أن تستخدم بعض التواضع. أولاً، عليها أن تعترف بأن سجلها في منع البرامج النووية للدول المارقة هو سجل سيء بالفعل. ورغم أنها ربما قد لاقت نجاحاً في ليبيا لكنها لم توقف البرامج النووية لكوريا الشمالية وباكستان. وكما عبر عن ذلك النائب السابق لرئيس "وكالة الطاقة الذرية الإسرائيلية" أرييل ليفيت، الذي يعمل الآن في مؤسسة كارنيغي، بأن موقف الولايات المتحدة كان "من السابق لأوانه، من السابق لأوانه، عفواً، لقد فات الأوان."

ثانياً، لدى إسرائيل أسباب تاريخية قوية لكي تتشكك من الضمانات الدولية. ففي عشية حرب 1967 الملحمية، جاء وزير خارجية إسرائيل في ذلك الحين آبا إيبان إلى البيت الأبيض لكي يذكر الرئيس ليندون جونسون بالتزام الولايات المتحدة بالتدخل عسكرياً في حال إقدام مصر على إغلاق ممر مائي رئيسي - مضيق تيران - أمام الملاحة الإسرائيلية. لكن الولايات المتحدة كانت مشغولة [بالحرب في] فيتنام وقضايا أخرى وتركت إسرائيل بمفردها. وتلك اللحظة الصادمة عزّزت لدى الإسرائيليين مبدأ الاعتماد على النفس.

ثالثاً،على الولايات المتحدة أن تقبل بوجود أسئلة مشروعة حول ما إذا كان بوسعها أن تكتشف بكل ثقة اندفاع إيران نحو امتلاك الأسلحة النووية. ففي ملاحظاته أمام الأمم المتحدة، أشار نتنياهو إلى قدرة إيران على الوصول إلى مستوى من التخصيب بحلول الصيف القادم يقربها جداً من صنع وقود نووي يُستخدم في الأسلحة في أقل من شهر أو شهرين. وإذا أقبلت الجمهورية الإسلامية على تلك الخطوة، فهل ستكتشفها واشنطن بسرعة كافية تتيح لها اتخاذ إجراء حيال هذا الأمر؟

تسمح طهران لكاميرات الفيديو بالتصوير في مواقعها تحت الأرض على مدار الساعة، إلا أن مفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" لا يزورون سوى منشأتي فوردو وناتانز للتخصيب بصفة شهرية لجمع الصور - على الرغم من أنه بالإمكان أن تكون هناك تفتيشات إضافية مفاجئة. وإذا منعت طهران زيارة ممثلي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أو عرقلت نطاق جهودهم، فقد تظهر أزمة متكاملة الأركان: فهذا سيعني أن العالم لا يستطيع أن يعلم ما إذا كانت إيران تقوم بتوسيع جهود التخصيب التي تقوم بها لإنتاج يورانيوم يُستخدم في تصنيع الأسلحة أم لا. وعلاوة على ذلك، لا يزال من الممكن أن تقوم ايران بتثبيت الجيل القادم من أجهزة الطرد المركزي، مما يسمح لها بإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب حتى بصورة أسرع. وفي الواقع أنه بعد صيف 2013 ببعض الوقت قد لا نعرف ما تستطيع إيران فعله.

رابعاً، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في عمليات الاكتشاف، فهل ستتخذ واشنطن إجراءات بناءً على هذه المعلومات في الوقت المناسب؟

وفقاً لافتتاحية من قبل رئيس "وكالة المخابرات المركزية" السابق مايكل هايدن، فإنه حتى عندما تأكدت الولايات المتحدة بأن سوريا تبني مفاعلاً نووياً لأغراض عسكرية في عام 2007، فإن مجتمع الاستخبارات لم يوصي باتخاذ إجراء عسكري لأنه لم يستطع العثور على محطة إعادة المعالجة المطلوبة للتسليح. وفي مذكراته، أشار الرئيس جورج دبليو بوش أيضاً بأن هذا هو السبب وراء عدم اتخاذ إجراءات من قبل الولايات المتحدة.

وعلاوة على ذلك، انشغل كبار المسؤولين الأمريكيين مثل وزير الدفاع روبرت غيتس بمبادرات أخرى مثل جيشان القوات الأمريكية في العراق، كما ركزت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس على المحادثات مع كوريا الشمالية. ونتيجة لذلك، تصرفت إسرائيل وحدها - وتم تدمير المفاعل. في حين أن هناك اختلافات أكثر من وجود أوجه شبه مع الحالة الإيرانية، فإن الوضع في سوريا كان مثالاً مفيداً آخر لإسرائيل بأن أن حليفتها القوة العظمى مشغولة أحياناً في مكان آخر.

وأخيراً، تجدر الإشارة بالأمر الواضح للعيان، وهو: أن إسرائيل مهددة من قبل القيادة الإيرانية بـ "الإبادة الشاملة"، على حد تعبير رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء الركن حسن فيروز أبادي، وتُسمّى بشكل روتيني ورم سرطاني يجب إزالته. وبذلك ترى إسرائيل أن هامش الخطأ أمامها محدود عن ذلك المتاح لقوة عظمى لها مصالح عالمية راسخة بطول الأرض وعرضها.

وبطبيعة الحال، تأمل جميع الأطراف أن يتم تسوية القضية النووية مع إيران سلمياً عن طريق مزيج من الدبلوماسية والعقوبات. ورغم ذلك، ماذا لو لم يفلح ذلك المزيج؟ وحيث أن المخاطر عالية جداً، من المهم أن كلاً من أوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني أن يوضح بالتفصيل إلى الرأي العام الأمريكي كيف يمكن للولايات المتحدة أن تمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. ونظراً للسجل الأمريكي الحافل، سيكون من المفيد بالنسبة للولايات المتحدة أن تبدأ بإظهار التواضع.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.