أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2349

معركة الأفكار 2.0: مكافحة أيديولوجية تنظيم «الدولة الإسلامية» في الولايات المتحدة والخارج

الأمير زيد رعد الحسين, ماثيو ليفيت, و هدية ميراحمادي

متاح أيضاً في English

16 كانون الأول/ديسمبر 2014


"في 16 كانون الأول/ديسمبر، خاطب صاحب السمو الملكي الأمير زيد رعد الحسين من الأردن، وماثيو ليفيت، وهدية ميراحمادي  منتدى سياسي في معهد واشنطن. وصاحب السمو الملكي الأمير زيد هو "المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان". والسيد ليفيت هو زميل فورمان - ويكسلر في المعهد ومدير برنامج ستاين للاستخبارات و مكافحة الإرهاب. والسيدة ميراحمادي هي مديرة "المنظمة العالمية لتنمية الموارد والتعليم" (WORDE)، وهي منظمة غير ربحية تكرس عملها لمنع التطرف. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم."

 

صاحب السمو الملكي الأمير زيد رعد الحسين

هزّت الهجمات المروعة التي وقعت في 16 كانون الأول/ديسمبر في مدينة بيشاور العالم مرةً أخرى، حيث لم تكتفِ باستهداف المدنيين بل استهدفت طلاباً صغار أيضاً. وفي حين كانت حركة "طالبان" هي مرتكبة الهجمات هذه المرة، إلاّ أنّه لم يعد يهمّ تقريباً تمييز واحدة من هذه الجماعات المتطرفة عن الأخرى من حيث مفهوم حقوق الإنسان. فسواء تحدثنا عن جماعة «بوكو حرام» أو «جبهة النصرة» أو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية»، تتبع كلها أيديولوجية "تكفيرية" متشابهة.

وعلى دول الغرب أن تدرك النسيج الذي يربط كل هذه الجماعات المتطرفة معاً حيث أنها تبدي القدر عينه من القساوة والاستخفاف بالأرواح والتشويه الكامل لماهية الدين الإسلامي. فحالما تدرك ذلك، سيصبح من الممكن البدء بالعمل على إعداد الإطار الصحيح لمكافحة أيديولوجيتها. بالإضافة إلى ذلك، سيمنع فهم هذه المسألة بشكل أفضل السياسيين الأكثر تمثيلاً لآراء عامة الشعب من تأجيج المشاعر المعادية للإسلام إذ إنّ رد الفعل المبالغ لا يقوم سوى بتغذية القضية "التكفيرية". نرى الآن الإدانات تتدفق من العواصم العربية والإسلامية، لكنّ إظهار الشعب للاشمئزاز والرفض لم يكن كافياً حتى الآن.

لقد استغل تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل ذكي طموح الكثيرين من المسلمين غير "التكفيريين" إلى إقامة خلافة إسلامية وقام، من خلال حبك هذا الطموح بطريقة تفكير متطرفة، بخلق ما يمكن وصفه بقوة هائلة مدمّرة لا يمكن ردعها. فقد احتلت «داعش» قبل عام مدينة الفلوجة التي لا تزال تحت سيطرتها حتى اليوم- ما يبين أن لأيديولوجيتها قدرةً على الصمود. كما أنّها تتعلم حالياً كيف تحكم بدلاً من مجرد الانخراط في نشاطات إرهابية شاملة. بالنسبة للبعض، مثل المسيحيين أو اليزيديين، فالإرهاب هو بالتأكيد شاغلهم الرئيسي، غير أنّ تنظيم «داعش» يستجيب لاحتياجات أجزاءٍ معينة من المجتمع. ذلك يزيد من قدرتها على الصمود، ويدعو إلى اللجوء إلى استجابة متعددة الجوانب لا تقتصر على القنابل والبندقيات والحسابات المصرفية.

ويجدر الذكر أنّ الإعلام يؤدي دوراً هاماً في هذه المعركة إذ يقع على عاتق الإعلاميين إسماع صوت المسلمين العاديين المعتدلين وإعطائهم منصة أوسع. غير أنّ الإعلام غالباً ما يفضل عرض الصواريخ المنهمرة بدلاً من التركيز على الصعيد الأيديولوجي. فلم تغطِ سوى صحيفتان اثنتان أو ثلاثة صحف في دول الغرب كتاباً صدر عن 126 عالماً من العلماء المسلمين استنكروا فيه الخطبة التي ألقاها زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي في تموز/يوليو. من إمكان وسائل الإعلام الكبرى كما ومن واجبها إلقاء المزيد من الضوء على هذا الجانب.

 ومن الواضح أنّ الكثيرين ممن يقصدون مناطق النزاع في سوريا والعراق بالكاد يعرفون القليل عن الأيديولوجية "التكفيرية". فهم يرونها كآلية ومنفذ للاحتجاجات العنيفة، الأمر الذي لم يعد متاحاً في أوروبا. أضف إلى ذلك أن العالم لا يزال يتخذ خطوات متعثّرة في ما يخصّ محاسبة أفظع الجرائم – إذ إنّ الكل يستنكر هذه الجرائم ولكن ما من مجهود موحد يُبذل في سبيل وضع حد لإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب. يمكن القول يطريقة ما إنّه يتم الإفراط في تعريض الجمهور لأخبار سفك الدماء والقتل وقد أصبح هذا الجمهور بالتالي ميتاً من الداخل ومخدراً تجاهها، تماماً كما يتضايق طلاب الطبّ من رائحة مواد الفورمالدهيد المحنطة عند تشريح الجثة الأولى ومن ثم يعتادون على الرائحة بحلول تشريح الجثة الثانية أو الثالثة. إنّ عدد المرات التي اضطر فيها مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان على إحاطة مجلس الأمن بقضايا انتهاكات هذه الحقوق يثير القلق. نحن نتوجه الآن باندفاع نحو حالة طارئة عالمية لا نعرف ملامحها الواضحة بعد.

ولا يكفي، لوضع حد نهائي للنزاعات، إطلاق مشاريع البناء التنموية أو تدريب الجيش والشرطة والمسؤولين المحليين. فلن نتوصل إلى صيغة تسمح بالمصالحة وبتصفية الحسابات العميقة سوى عند فهم الحالة النفسية الجماعية والتاريخ والروايات المتباينة للشعب. من دون ذلك، جل ما سنفعله هو الجري من أزمة إلى أخرى محاولين معرفة ما الخطأ الذي ارتكبناه وكيف يمكننا تصحيحه.

 

ماثيو ليفيت

الوقت الآن هو الأنسب بشكلٍ خاص لإطلاق مناقشات حول مواجهة التطرف العنيف سواء في الولايات المتحدة أو خارجها نظراً إلى تخطيط البيت الأبيض لعقد قمة حول هذا الموضوع. فيتأرجح اهتمام الحكومة في هذا الموضوع هبوطاً ونزولاً لكنه يحظى اليوم بالاهتمام لأنه يشكل واحداً من أصعدة العمل الخمسة في استراتيجية الحكومة الأمريكية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». غير أنّ العوامل الدافعة للتشدد لا تقتصر على «داعش». فعلى البرامج الأميركية أن تغطي القضية انطلاقاً من الشكاوى الشخصية المحلية وصولاً إلى قضايا السياسة الخارجية مثل وحشية نظام بشار الأسد في سوريا.

أما على صعيد جهود مواجهة التطرف العنيف، فثمة ثلاثة مقالق رئيسة. فتتطلب أولاً جهود مواجهة التطرف العنيف الفعالة كلا إشراك المجتمع والرد على الأسس الأيديولوجية للتطرف، بما فيها الخطابات المضادة. إنّ الحفاظ على علاقات سليمة مع المجتمعات المسلمة أمر هام بشكل استثنائي، سواء للحكومة أو للمجتمعات. كما وأنّ المجتمعات المحلية مؤهلة بشكلٍ فريد لمواجهة المسائل الدينية - إذ يجب على الحكومة ألا تورط نفسها في نقاشات دينية. غير أنّ إشراك المجتمع وحده ليس كافياً. فالبرامج أمثال برنامج "جلسات إحاطة توعية المجتمع المدني" الذي ينفذه المركز القومي الأمريكي لمكافحة الإرهاب والذي يوضح نظرة المركز إلى التهديدات الإرهابية، في غاية الأهمية. ومهما كان موضوع الأيديولوجيات مزعجاً، لا بد من التطرق إليه إذ عندما يكون لدى الشخص فراغ معرفي يمكن ملؤه بهذا التطرف العنيف، على أحدٍ أن يتدخل ليزوده بسيناريوهات وأفكار بديلة.

 لكن تعاني الحكومة الأميركية لسوء الحظ من عجزٍ هيكلي وبرمجي في ما يتعلق بمنع ومكافحة التطرف العنيف. فلا وزارة في الولايات المتحدة للمجتمعات والحكومة المحلية أو لا وزارة داخلية شبيهة للنلك في بريطانيا تعمل الحكومة الفدرالية من خلالها مع المجتمعات المحلية. ولقد تم إدراج مواجهة التطرف العنيف في إنفاذ القانون لعدم توفير أي بديل. يزيد ذلك من خطر إنشاء "شرطة فكر" كما في رواية "1964" لجورج أورويل، غير أنّه لا يمكننا الانتظار إلى أن تُرتكب الأعمال العنيفة إذ علينا أن نحدث نقلةً نوعية في مرحلة أبكر من مراحل عملية التشدد. والخبر السار هنا هو أنّ لدى الولايات المتحدة حالياً ثلاثة برامج تجريبية كبيرة في إطار مواجهة التطرف العنيف في بوسطن ومينيابوليس ولوس أنجلوس. غير أنّه يجب تقييم قيمة هذه البرامج بالاستناد إلى مستويات تمويلها وإلى ما إذا كانت تتصدى إلى الأيديولوجية المتطرفة وتسهّل الوصول إلى المجتمعات المحلية.

وأخيراً، في حين تلعب عوامل محلية هامة دوراً في التشدّد، ثمة أيضاً عنصر كبير متصل بالسياسة. ففي حين أنّ بعض المسلمين ينجذبون إلى فكرة إنشاء خلافة إسلامية، إلاّ أنّ الوحشية التي يرتكبها نظام الأسد ضد المدنيين السوريين، وما يرافقها من انعدام استجابة حكومات دول الغرب تشكل واحداً من أبرز العوامل التي دفعت بالسنّة للانضمام إلى القتال في سوريا. وانخرطت الولايات المتحدة عسكرياً في المسألة أولاً لحماية مواطنيها ومن ثم لحماية الأقليات، ولكن، ليس لحماية السنّة بتاتاً. وساعد التصور الناتج عن ذلك لسياسة الولايات المتحدة على خلق حالة خطرة للغاية حيث يسافر آلاف المنتمين إلى الطائفة السنية إلى سوريا ويؤججون التوترات الطائفية في المنطقة. فما دام بشار الأسد في السلطة، سيبقى عامل جذب للمقاتلين الأجانب الذين يعارضون حكمه.

 

هدية ميراحمادي

يؤثر نظام «داعش» كما النزاع في سوريا في المجتمعات المحلية الأميركية إلى درجة تفوق بكثير، بطريقة ما، ما شهدناه في إطار تجنيد «القاعدة» أو غيرها من الجماعات الجهادية للمتطوعين. إذ كان التلقين الأيديولوجي لـ تنظيم «القاعدة» أشد تطرفاً بكثير – حيث سعت الجماعة إلى إقناع مناصريها أنّ الغرب عدو لدود. أما تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيدعي أنّه يسعى لبناء مجتمع فاضل وإنقاذ المسلمين من مذابح نظام بشار الأسد. ووفقاً للدعاية التي تنشرها «داعش»، هي جماعة قانونية لها زعماء شرعيين ضمن دولة قائمة ذات سيادة. وهنا يتعين على العلماء المسلمين دحض هذه الادعاءات، كما يمكن للمعتدلين تلقيح الوسط الإسلامي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وذلك يحصل الآن للمرة الأولى قط إذ قال الإمام يوسف القرضاوي ذو النفوذ البالغ إنّ «داعش» لا تستوفي شروط إنشاء دولة إسلامية، لا من الناحية الاجتماعية ولا من الناحية اللاهوتية. وهذه رسائل قوية جداً يجدر أن تذاع بصوت أعلى وأن يتم إيصالها للمزيد من الناس.

بإمكان الشيوخ أنّ يؤثروا في الكثير من الشباب والراشدين الذين يسعون للحصول على مبررات لاهوتية للأنشطة الجهادية. غير أنّه ما زال يصعب الوصول إلى الاطفال الأصغر سناً ما زال. تعمل المنظمة العالمية لتنمية الموارد والتعليم في مقاطعة مونتغومري في ولاية ماريلاند مع الحكومة المحلية لتوجيه الشباب نحو أشكال تعبير أكثر أخلاقية وأقل عنفاً قبل أن يتم تلقينهم أفكاراً متشددة. ويجب تمكين فئة الشباب، فالكثير منهم يواجهون صعوبةً في احترام السلطة، ومن الصعب غرس القيم الهامة من حيث ما من احترام. يعمل العاملون في منظمة المنظمة العالمية لتنمية الموارد والتعليم على مساعدة الشباب على فهم الجذور التي ينبع منها شعورهم بالعجز واليأس.

والأمر هنا ليس عبارة عن برنامج متركز حول الإسلام بل هو يطال المجتمع بأكمله، إذ يتوفير لدى المجتمع ككل الإطار الأنسب لفهم عوامل الخطر المرتبطة بالسلوك المتطرف وكيفية التدخل، من أساتذة المدارس والمسؤولين عن إنفاذ القوانين وصولاً إلى الشخصيات الدينية. وفي الوقت عينه، يُفترض بالعملية أن تصبح أسهل بكثير إذا ساهم المسؤولون الفدراليون بتقديم المزيد من التوجيه. ونموذج مقاطعة مونتغومري ممتاز هنا، ولكن، من دون الحصول على توجيهات من أعلى الإدارة من أجل تنسيق مواجهة التطرف العنيف والتشديد على أهميته، سوف تُضطر كل مقاطعة إلى خلق برنامجها الخاص بمفردها.

 

أعدت هذا الملخص المقررة كيلسي سيغاوا