المرصد السياسي 1941
المحادثات النووية في بغداد: ثلاث خطوات للمساعدة في إنجاح الدبلوماسية
متاح أيضاً في English
22 أيار/ مايو 2012
"على الرغم من رغبة واشنطن في الحفاظ على أي تقدم يمكن أن تحرزه خلال المحادثات النووية هذا الأسبوع، إلا أن الاتفاق الوحيد الذي يستحق السعي وراءه هو ذلك الذي يبدد مخاوف الغرب تجاه الأنشطة النووية الإيرانية مع الحد من تهديدات اندلاع صراع عسكري."
نظراً لعدم احتمالية أن تتمخض المحادثات النووية في بغداد يوم الأربعاء عن أي نتائج حاسمة، فإن التحدي الرئيسي أمام مفاوضي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) هو معالجة التوتر الناتج عن التقدم البطيء للعملية الدبلوماسية وما يقابله من تقدم سريع للبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الدولية، فضلاً عن الخطط العسكرية الإسرائيلية المحتملة لإحباط هذا البرنامج. وبالنسبة لواشنطن فإن التغلب على هذا التحدي يعني الإصرار على اتخاذ إيران تدابير تعمل على الوقف التام لتقدمها نحو تطوير أسلحة نووية، والعمل على استمرار التوسع في فرض العقوبات على إيران خلال المحادثات، والتنسيق الوثيق مع الحلفاء في المنطقة للوصول إلى نتائج مرضية.
ثلاثة سيناريوهات
أفادت التقارير أن المحادثات النووية التي أُجريت في اسطنبول في 13 و 14 نيسان/ أبريل اتسمت بـ "مناخ" إيجابي، ولكن المناقشات الجوهرية كانت محدودة، إن لم تكن معدومة من الأساس. فلم تتقدم مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + المانيا ولا إيران بأي مقترحات وكانت النتيجة الوحيدة التي تم الاتفاق عليها هي عقد جلسة محادثات ثانية مع القيام خلال تلك الفترة بإجراء مشاورات "على مستوى الخبراء" بين علي باقري - نائب المفاوض الايراني سعيد جليلي، وهيلغا شميد - نائبة الممثلة الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي البارونة كاثرين أشتون. ونظراً للطابع المؤقت لاجتماع اسطنبول والمشاورات اللاحقة فإن التوصل إلى اتفاق جذري حول البرنامج النووي - ناهيك عن التوصل إلى "صفقة شاملة" لجميع القضايا - لهو شيء مستبعد تماماً. ولكن هناك ثلاثة احتمالات قوية في المقابل:
• تعنت إيراني. على الرغم من صدور عدة إشارات متضاربة من طهران حول استعداد النظام الإيراني للتوصل إلى اتفاق بخصوص الملف النووي (انظر المرصد السياسي # 1939)، فحتى أولئك المسؤولين الإيرانيين الذين تحدثوا عن حل وسط قد أشاروا علانية إلى شروط يصعب على مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا قبولها، وهي الرفع الكامل للعقوبات التي فرضها الغرب على إيران مقابل التعليق الجزئي للأنشطة النووية في أحسن الأحوال. ويمكن ببساطة أن ترفض إيران - كما فعلت في تشرين الأول/ أكتوبر 2009 - "موافقة" مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية + ألمانيا على ذلك، كما يمكن أن ترفض الشروط التي قد يراها المحللون الغربيون سخية. ورغم أن ذلك قد يبدو مخالفاً للمنطق إلا أن طهران لديها الآن حوافز قوية للإبقاء على سير المحادثات إذا أرادت تجنب فرض عقوبات أكثر شدة. وفي ظل هذه الظروف، فقد أثبتت إيران في السابق ترددها الكبير في تغيير المسار في السياسات الأساسية - إن لم يكن عجزها على القيام بذلك. وبمعنى أن النظام الآن قد أثبت أنه أسوأ عدو لنفسه، وذلك بإبعاده الحلفاء المحتملين من خلال رفضه الانخراط حتى في استعراض إمكانية الوصول إلى حل أو تسوية.
• مفاوضات لا تنتهي. يمكن أن تصل جولة المحادثات في بغداد، على غرار محادثات اسطنبول، إلى نتائج غير حاسمة مما سيترتب عليه عقد جولات إضافية من المحادثات. وكما هو مبين أعلاه، فإن هذا يتناسب مع الإستراتيجية الإيرانية في المحافظة على تظاهرها بالتعاون الدبلوماسي من أجل كسب الوقت واستنزاف النشاط القوي من حملات الضغط الدولية، مع تجنب تقديم تنازلات أو التزامات. كما يتماشى أيضاً مع أي اعتقاد في طهران بأن الانتخابات الأمريكية والأوروبية القادمة سينتج عنها تغيير في السياسات أو بأن ذروة الطلب على النفط في فصل الصيف سوف تضعف من الحماس الناتج عن فرض عقوبات إضافية. وعلى الرغم من أن الترحيب بنتيجة مماثلة من قبل قد بدت وكأنها إيجابية - مع كونها غير جوهرية في الحقيقة باعتبارها مؤشر على إحراز تقدم في اسطنبول - إلا أن واشنطن وبعض حلفائها ستعتبر مثل هذه النتيجة فشلاً في بغداد.
• اتفاق مؤقت. النتيجة الأكثر موضوعية التي يمكن توقعها من محادثات بغداد هي التوصل إلى اتفاق مؤقت من نوع ما. وبصفة عامة يمكن أن تخذ صفقة كهذه ثلاثة أشكال: (1) الاتفاق على "مبادئ" أساسية للمفاوضات المستقبلية لا تُلزم الطرفين بالقيام بخطوات محددة؛ (2) وضع "خطة عمل" لمعالجة المسائل العالقة المرتبطة بـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من دون الإشارة إلى القضايا الأكثر صعوبة؛ (3) البدء في المرحلة الأولى من اتفاق متعدد المراحل لحل النزاع النووي الذي يتناول على وجه التحديد القضايا الثلاث الصعبة التي ذكرت للتو، وهذه هي الصفقة الأكثر تفاؤلاً. ومثل ذلك الاتفاق يخلق مشاكل تتعلق بالالتزام والمتابعة - فيمكن أن تسيء إيران أو تخفق بقصد في تنفيذ شروط الصفقة، أو من الممكن للترتيب المؤقت أن يصبح فعلاً اتفاقاً نهائياً دون أن يتطرق إلى مخاوف واشنطن الأساسية.
ونظراً لأن أكثر هذه السيناريوهات تفاؤلاً لا يتعدى كونه خطوة نحو الوصول إلى تسوية للنزاع النووي، فستواجه إدارة أوباما تحدياً صعباً في مرحلة ما بعد بغداد. إن تنفيذ أي اتفاقية - ناهيك عن متابعة العمل بموجبها - من المحتمل أن يستغرق وقتاً طويلاً، خاصة مع ميول طهران إلى المماطلة. وفي غضون ذلك من المفترض أن يستمر توسع البرنامج النووي حتى يتم التوصل إلى اتفاق، وحتى حينها يمكن أن تظل أجزاء منه دون قيود. وبالتوازي مع ذلك التطور، سيتم تفعيل العقوبات الإضافية المُعدَّة بالفعل من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في نهاية شهر حزيران/ يونيو، كما يرجح أن يعمد الكونغرس الأمريكي على توسيع نطاق تلك العقوبات في غياب انفراجة. والأخطر من ذلك تفيد التقارير أن إسرائيل تفكر في القيام بعمل عسكري على المدى القريب ومن غير المرجح أن ترضى بأي من النتائج أعلاه.
كيفية مزامنة الساعات
لكسب الوقت حتى نجاح الحل الدبلوماسي، يجب على إدارة أوباما اتخاذ خطوات تجعل الدبلوماسية أكثر صعوبة، وهو الأمر الذي يبدو متناقضاً. ورغم ذلك فإن الاتفاق الوحيد الذي يستحق التوصل إليه هو ذلك الذي يبدد المخاوف الغربية حول الأنشطة النووية الإيرانية ويحد من تهديد اندلاع صراع عسكري. إن التوصل إلى اتفاق يسمح لطهران باستمرار امتلاك قدرات كبيرة لتصنيع السلاح النووي أو يخفق في معالجة مخاوف إسرائيل بحيث يؤدي بها إلى التفكير في توجيه ضربة عسكرية قد يكون أسهل وأيسر، بيد لن تكون له قيمة تذكر.
أولاً، يجب أن يشمل أي اتفاق على ضرورة وقف إيران الكامل لأعمال تطوير الأسلحة النووية، وسيضمن ذلك أن لا تكون المحادثات اللاحقة مجرد غطاء يسمح لإيران بالاستمرار في هذا التطوير. إن هذا يعني الإصرار على امتثال إيران لجميع القرارات ذات الصلة - والتي اعتمدت من قبل مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ["الوكالة"] - من خلال تعليقها الكامل لأعمال تخصيب اليورانيوم وأنشطة إعادة المعالجة والتعاون بشكل كامل مع مفتشي "الوكالة"، بالإضافة إلى اتخاذها خطوات إضافية مثل تفكيك موقع فوردو وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب.
بيد، أشار بعض المحللين إلى عدم واقعية مثل هذه الخطوات. ومع ذلك لا تزال مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية + ألمانيا مستعدة لإمداد مفاعل إيران البحثي بالوقود، كما أن روسيا تقدم بالفعل وقود لمفاعل بوشهر للطاقة، لذلك ليس هناك سبب في امتلاك إيران برنامج لتخصيب اليورانيوم. ولكن العائق الوحيد الآن أمام التعليق الكامل لهذا البرنامج هو اعتراض طهران، وهذا تحديداً يمثل الأمر الذي تهدف الدبلوماسية الغربية والعقوبات إلى التغلب عليه. وبطبيعة الحال قد يستغرق وقتاً أطول لإقناع النظام على تقديم هذه التنازلات مما كان سيستغرقه ضمان الوصول إلى اتفاق حول قيود نووية متواضعة. ولحث إيران والتعجيل باختيارها، يجب على الإدارة الأمريكية أن توضح للجانب الإيراني أن البديل يمكن أن يكون القيام بعمل عسكري من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل. كما ينبغي عليها أن تتوقف عن إصدار تصريحات تبدو كما لو أنها تعارض هذا التهديد أو تقوّضه.
ثانياً، إلى أن يمكن التوصل إلى وقف مُرضِ وكامل - لا رجعة فيه - للبرنامج النووي الإيراني، يجب على إدارة أوباما أن لا تعارض التنفيذ الكامل للعقوبات، وحتى توسيعها، من قبل الاتحاد الأوروبي والكونغرس الأمريكي - في الواقع ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تدعم مثل هذه الأعمال. وهذ من شأنه أن ينبه طهران بأنه ليس هناك حل سوى ذلك الذي يُتفق عليه بصورة متبادلة، وليس العملية الدبلوماسية نفسها، الذي يمكنه أن يخفف عنها هذه الضغوط.
ثالثاً، ينبغي على واشنطن أن تتشاور عن كثب وبشكل متكرر مع إسرائيل ودول الخليج والحلفاء المعنيين الآخرين قبل [استمرار] المفاوضات. ونظراً لإمكانية جر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية مع إيران بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق بين طهران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا، فمن المهم أن يعمل أيضاً أي اتفاق من هذا القبيل على تبديد مخاوف الحلفاء في هذا الصدد. ومن المهم بصفة خاصة أن توافق واشنطن وإسرائيل سلفاً على [المواضيع والتفاصيل] التي يشكلها التوصل إلى اتفاق مقبول مع إيران. بالإضافة إلى ذلك سوف يزيد التنسيق من احتمالية إعراب الحلفاء عن دعمهم لاستراتيجية الولايات المتحدة قبل المحادثات وبعدها، وهو الأمر الذي كان غائباً بشكل كامل بعد جولة اسطنبول عندما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحادثات بأنها "هدية ترويجية" لإيران، مما دفع بالرئيس أوباما إلى توجيه توبيخ علني. إن ذلك الإظهار العام للانشقاقات في صفوف الحلفاء لن يعمل سوى على تقوية النظام الإيراني الذي سعى في الماضي إلى زرع بذور الخلافات بين الدول الخامس دائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا.
مايكل سينغ هو المدير الإداري لمعهد واشنطن.