أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2792

جدول أعمال ترامب-عباس: الحث على اتخاذ خطوات متواضعة لتحقيق السلام

غيث العمري

متاح أيضاً في English

26 نيسان/أبريل 2017


في 3 أيار/ مايو سيجتمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أول زيارة يقوم بها للبيت الأبيض منذ عام 2014. وقد منحت الدعوة بحد ذاتها، كما أعطى الاهتمام الدولي المتجدد بعملية السلام مع إسرائيل بشكل عام، دعماً دبلوماسياً كبيراً لعباس. ومع ذلك، لا تزال مكانته الإقليمية والمحلية غير مستقرة، وقد لا يتمكن من تقديم نتائج ملموسة حول بعض المقترحات التي ستتوصل إليها القمة، ناهيك عن إبرام اتفاق سلام. وبناء على ذلك، ينبغي أن يطلق الاجتماع عملية مشاركة أمريكية متواصلة تحدّد معايير يستطيع عباس من خلالها إظهار استعداده على اتخاذ قرارات صعبة وقدرته على القيام بذلك. ومن خلال العمل معه على إيجاد أفضل السبل لبلوغ هذه المعايير، تستطيع واشنطن مساعدة النظام السياسي الفلسطيني الأوسع نطاقاً على تمكين نفسه من إعادة الانخراط في عملية سياسية بناءة.     

السياق السياسي والدبلوماسي

بعد انهيار المحادثات التي ترأستها الولايات المتحدة في أيار/ مايو 2014، وُضعت عملية السلام على هوامش الدبلوماسية الدولية، بينما احتلت مجموعة من القضايا الإقليمية الأكثر إلحاحاً مركز الصدارة [في العالم]. ومع ذلك فإن الاهتمام المستمر الذي أبداه الرئيس ترامب [بعملية السلام] منذ تنصيبه قد أعاد القضية إلى قائمة الأولويات الدبلوماسية العالمية والإقليمية. فقد تصدّرت هذه العملية جدول لقاءاته الأخيرة في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله - وكانت لجميعهم أولويات أخرى عديدة خلال زياراتهم. وبالمثل، حضر المبعوث الأمريكى للسلام جيسون غرينبلات القمة الأخيرة للجامعة العربية في الأردن، حيث تعاملت الجامعة مع القضية الفلسطينية على نحو مركزي وموضوعي، وهو أمر غير عادي لمثل هذه الإجتماعات.   

وترتبط حظوظ عباس الدبلوماسية والسياسية ارتباطاً وثيقاً بهذه التطورات. فقد أدى انهيار المحادثات في عام 2014 إلى فترة من التهميش - فعلى الرغم من بعض الإنجازات الدبلوماسية المتفرقة مثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334، إلّان أنّ عزلة عباس في المنطقة ازدادت مع تضاؤل خياراته. وبلغت مكانته الحضيض في الصيف الماضي عندما أفادت بعض التقارير أن ما يسمى بـ "اللجنة الرباعية العربية" (أي السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة) ضغطت عليه لاتخاذ خطوات سياسية صعبة.

بيد، إنّ تركيز ترامب على عملية السلام والتواصل مع رام الله قد غيّر هذا الوضع. فقد عادت علاقات عبّاس مع أبرز القادة العرب إلى سابق عهدها، وخاصة قبل القمة العربية وأثناءها. وبالمثل، ازدادت اتصالاته مع السيسي والملك عبدالله قبل اجتماعهما مع ترامب وبعدهما. ومع ذلك، فإن هذه الديناميات لا تزال هشة، حيث وُضعت المصادر الكامنة للتوترات بين عباس والدول العربية جانباً على نحو مؤقت ولم يتم إنهائها. وإذا لم يؤد الإهتمام الدولي المتجدد إلى الشروع بعملية دبلوماسية تكون مستدامة، فقد يجد نفسه بسرعة معزولاً مرة أخرى.

ويواجه عباس أيضاً سلسلة من التحديات السياسية المحلية. وكانت بعض هذه المشاكل موجودة من قبل وازدادت حدّتها عندما انهارت المحادثات عام 2014. وأصبح الانقسام بينه وبين حركة «حماس» أكثر تعمقاً من أي وقت مضى، وأظهرت استطلاعات الرأي أن ما يقرب من ثلثي الجمهور الفلسطيني يعتقد إنه عليه أن يتنحى. وقد ظهرت مشاكل أكثر خطورة داخل حركة «فتح» التي يترأسها، حيث تحداه بعض أعضائها الرئيسيين تحدياً علنياً وسرياً في حين عزّز آخرون مكانتهم لخلافة الرئيس البالغ من العمر اثنين وثمانين عاماً.   

ومن أجل التغلّب على هذه التحديات، عقد عباس مؤتمراً عاماً لحركة «فتح» طال انتظاره في أواخر العام الماضي، وعزّز مكانته كقائد للحركة واستبعد خصومه، وأبرزهم عضو اللجنة المركزية السابق محمد دحلان. إلّا أنّ المؤتمر لم يسفر عن أي رؤية جديدة لـ «فتح» فيما يتخطى استراتيجية دبلوماسية ضعيفة لم تلقَ أصداء عامة تُذكر. وبدلاً من اجتذابه الأعضاء الأصغر سناً، وطّد عباس سلطته من خلال انتخاب الموالين له مما أبعد بالتالي دوائر رئيسية وزاد من تقلّص قاعدة «فتح». ومن أبرز الأمثلة على ذلك استبعاد مروان البرغوثي - زعيم في حركة «فتح» الذي يحظى بشعبية واسعة ويقضي خمسة أحكام مؤبدة في السجون الإسرائيلية في قضايا تتعلق بالإرهاب والقتل – وذلك خلال تخصيص حقائب اللجنة المركزية على الرغم من حصول البرغوثي على أكبر عدد من الأصوات في المؤتمر، ولم يتم انتخاب أي من أنصاره لمناصب هامة. وفي 17 نيسان/ إبريل، دعا البرغوثي إلى إضراب عن الطعام واسع النطاق، لم يقتصر فقط على توجيه ضربة للسلطات الإسرائيلية، بل كان بمثابة عرض للقوة ضد عباس، مما يدل على أهميته السياسية المستمرة. 

ديناميكيات القمة

يُدرك عباس أن أهميته الجديدة تعتمد بشكل حصري تقريباً على مدى استمرار واشنطن في جعل عملية السلام أولوية، مما يمنح ترامب نفوذاً هائلاً خلال القمة. ويدرك عباس أيضاً أن ضعفه الداخلي ورصيده الدبلوماسي الإقليمي المحدود سيحدّان من قدرته على الوفاء بأي مطالب أمريكية.   

وعندما اجتمع نتنياهو مع ترامب، طُلب منه "وقف النشاط الاستيطاني" - وهو طلب لم يستوف الشروط الفلسطينية بالتجميد التام لبناء المستوطنات ولكنه شكّل تحدياً كبيراً بالنسبة لرئيس الوزراء نظراً للحالة الراهنة للسياسة الداخلية الإسرائيلية. ويمكن أن يتوقع عباس تقديم ترامب مطالب جوهرية مماثلة له. ويمكن تسليط الضوء على ثلاث مسائل على وجه الخصوص هي:      

1. وقف تعويضات "الشهيد". إن قيام السلطة الفلسطينية بدفع الأموال للأفراد الذين يمارسون أعمال العنف ولعائلاتهم يشكل ثانية مصدر قلق رئيسي في واشنطن، لا سيما بعد مقتل الجندي السابق في الجيش الأمريكي تايلور فورس على يد فلسطيني في تل أبيب في العام الماضي. وتصدرت هذه القضية محادثات ترامب مع نتنياهو، ومن المحتمل أن يُطلب من عباس وقف هذه المدفوعات في الأسبوع القادم. وسيشكّل القيام بذلك تحدياً سياسياً بالنسبة له تحت أي ظرف من الظروف، وخصوصاً هذه الأيام في خضم الإضراب عن الطعام الذي يقوده البرغوثي.     

2. الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. أُثيرت هذه القضية أولاً كمسألة تفاوضية مركزية من جانب إسرائيل خلال عملية أنابوليس عام 2007، وأصبحت نقطة خلاف علنية رئيسية بين القادة من الجانبين. وناقش ترامب ونتنياهو هذه المسألة مطولاً في شباط/ فراير، وأفادت بعض التقارير أن المسؤولين الأمريكيين أشاروا إليها في الاجتماعات الأخيرة مع عباس. وفي حين تشير استطلاعات الرأي إلى [وجود] مرونة محتملة حول هذه القضية في صفوف الفلسطينيين، إلّا أنّ عباس قد يتعرّض لهجوم من قبل خصومه السياسيين إذا تبيّن لهم أنه يُدلي بمثل هذا التصريح تحت ضغط أمريكي.  

3. تبنّي نهج إقليمي لعملية السلام. غالباً ما يُشار إليه بأنه نهجاً "من الخارج إلى الداخل" ويتضمن قيام الدول العربية بدور أكبر في عملية السلام، يشمل انخراط إسرائيل الواضح. وبالفعل، لفت ترامب إلى أن مثل هذه الخطوات قد تساعد على "توسيع الآفاق". ومع ذلك، ففي حين رحّب الفلسطينيون تقليدياً بالدعم العربي خلال عملية السلام، إلّا أنّ أي دور ينطوي على المزيد من الضغط من قبل القادة العرب يشكّل مصدر قلق لعباس نظراً للتوترات الأخيرة بينه وبين هؤلاء الزعماء. وبالإضافة إلى ذلك، يخشى بعض الفلسطينيين من أن يؤدي هذا النهج إلى إضعاف مركزية قضيتهم لصالح المخاوف العربية - الإسرائيلية الأوسع نطاقاً. 

وحتى الآن، سعى عباس إلى استباق هذه المطالب وأية مهام صعبة أخرى من خلال تحويل تركيز القمة على مواضيع أقل تطلّباً. فمن جهة، يشير ضمه للواء ماجد فرج إلى الوفد الفلسطيني إلى رغبته في مناقشة المسائل الأمنية. وهذا من شأنه أن يسمح له ذلك بالارتكاز على قصة نجاح مؤكدة، حيث أُحرز تقدماً ملحوظاً في هذا القطاع بمساعدة المنسق الأمني الأمريكي بين إسرائيل والسلطات الفلسطينية. وبالمثل، فإن ضم رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني محمد مصطفى هو بلا شك محاولة للاستفادة من اهتمام إدارة ترامب بتنمية الاقتصاد الفلسطيني، كما اتضح من انخراط غرينبلات المتكرر مع القطاع الخاص الفلسطيني.    

ودبلوماسياً، قد يقول عباس لترامب إنه سيوقف الجهود الفلسطينية لتدويل الصراع عن طريق الأمم المتحدة وغيرها من المحافل أو يحد منها. وقد فقدت استراتيجية التدويل وجهتها والزخم الشعبي في الأشهر الأخيرة، لذلك فهو يستطيع تقديم هذا التنازل مع تداعيات سياسية قابلة للتحكم.

وقد تقوم بادرة دبلوماسية أكثر فعالية على عرض استئناف محادثات السلام الثنائية مع إسرائيل تحت رعاية أمريكية. ففي 19 نيسان/ إبريل، أشار عباس إلى أنه "مستعد للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي في أي وقت في واشنطن برعاية الرئيس ترامب". وسيكون عقْد أي اجتماع من هذا القبيل مكلفاً سياسياً بالنسبة للرئيس الفلسطيني، خاصة إذا عُقد دون الحصول على تجميد استيطاني كامل وإطلاق سراح المزيد من السجناء مسبقاً، إلا أن الضرر السياسي سيبقى أقل مما ستتسبّب به القضايا الأخرى التي قد يثيرها ترامب. بالإضافة إلى ذلك، إن عباس على دراية بالمفاوضات الثنائية وواثق من قدرته على المناورة في هذا الإطار.

التداعيات على السياسة الأمريكية                 

على الرغم من أن الإعلان عن عقد اجتماع قمة بين القادة الفلسطينيين والإسرائيليين، اللذين لم يلتقوا منذ عام 2010، سيشكّل تطوراً إيجابياً، إلا أن إطلاق عملية تفاوض من دون تغيير السياق يخاطر بتكرار نمط خطير. فالمحادثات بين القادة غير الراغبين إلى التوصل إلى اتفاق أو غير القادرين على ذلك مصيرها الفشل، حيث أن كلا الجانبين سيركزان على تبادل اللوم بدلاً من [إجرائهما محادثات جدية]. ولهذا الفشل ثمن [باهظ] سواء من ناحية ترسيخ الشكوك بين الطرفين، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل مصداقية الدبلوماسية بين جمهورهما، أو حتى التسبب بانهيار أمني علماً بأن هذا السيناريو مغالى فيه ولكنه ليس غريباً.  

ويتطلّب إنشاء سياق جديد [قيام] العديد من المكونات، وإحداها محادثات واشنطن الجارية مع إسرائيل حول المستوطنات، وكذلك سياسات إدارة ترامب الجديدة بشأن القضايا الأخرى التي تهم المنطقة، وخاصة إيران.

ولكن يجب على الفلسطينيين أيضاً أن يساعدوا على إنشاء هذا الإطار الجديد من خلال بدء العمل على بعض التغييرات المحددة المذكورة أعلاه. وربما لا يستطيع عباس تحقيقها على الفور، ولكن إذا ترافقت المطالب الأمريكية مع جزرة الانخراط المستمر مع السلطة الفلسطينية، والوعد بنتائج في المجالين الأمني والاقتصادي، سيكون من الصعب على عباس رفضها - خاصة إذا عُرضت عصا الإهمال كبديل. ويمكن لاجتماع 3 أيار/ مايو إطلاق عملية تتحقق فيها واشنطن من قدرة السلطة الفلسطينية على تقديم هذه الحلول الوسط، وفي النهاية، اتخاذ الخطوات الأكثر صعوبة التي ينطوي عليها اتفاق السلام. وسيشمل جزء من تلك العملية الثنائية وضع آليات وتحديد مواعيد زمنية لبلوغ هذه الأهداف.     

بإمكان الدول العربية الرئيسية أيضاً المشاركة في هذه العملية، وتقديم محفزات سياسية ومالية، والضغط، عند الضرورة، على الفلسطينين. وسيكون لذلك فائدة إضافية تتمثل بالسماح لواشنطن بمعرفة ما يمكن توقعه من هذه الدول إذا أُطلقت عملية سلام كاملة "من الخارج إلى الداخل".

ومع ذلك، ففي الوقت الراهن، إن احتمال إجراء مفاوضات فلسطينية -إسرائيلية بشأن الوضع النهائي يبدو سابقاً لأوانه. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تنظر واشنطن في عملية تدفع الأطراف إلى إعادة تنظيم سياساتها من خلال إشراكها في خطوات محدودة بل هامة نحو السلام، جنباً إلى جنب مع استراتيجية إقليمية أوسع نطاقاً تزيد من نفوذ الولايات المتحدة على الجهات الفاعلة الأخرى. ويمكن لهذا النهج أن يرسي الأسس لعملية سلام تملك فعلاً فرصة للنجاح في المستقبل غير البعيد. 

 

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومؤلف تقريره الأخير "الحوكمة كمسار نحو التجدد السياسي الفلسطيني". وقد عمل سابقاً في مناصب استشارية مختلفة مع السلطة الفلسطينية.