أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1982

سوريا في أتون الحرب: وجهات نظر من الحدود التركية واللبنانية

أندرو جيه. تابلر و جيفري وايت

متاح أيضاً في English

13 أيلول/سبتمبر 2012


"في 10 أيلول/سبتمبر 2012، خاطب أندرو جيه. تابلر وجيفري وايت منتدى سياسي في معهد واشنطن لمناقشة رحلتهما الأخيرة إلى لبنان وتركيا. والسيد تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في المعهد، يركز على سوريا وسياسة الولايات المتحدة في دول المشرق العربي. والسيد وايت هو زميل دفاع في المعهد، ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية لبلدان المشرق العربي وإيران. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما."

 

أندرو جيه. تابلر

في الوقت الذي يمتد فيه الصراع الطاحن بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة، يبدو نظام الأسد متوجهاً نحو الانكماش والاندحار في النهاية. وبالتأكيد من المستحيل التنبؤ بالإطار الزمني لهذه العملية وآلياتها لاسيما وأن النظام ما يزال مسلحاً بشكل جيد وقادراً على الهجوم في جميع أنحاء البلاد. لكن تلك القدرات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، ولا يستطيع الأسد السيطرة على سوريا إلى أجل غير مسمى.

وحيث ينكمش النظام وينهار في النهاية يستعد مقاتلو المعارضة على الأرض لتحديد مسار السياسات السورية، ويتنامى نفوذ العناصر المسلحة. وفي حين تتطور هياكلهم السياسية يصبح التمييز بين المقاتلين والنشطاء غير المسلحين أمراً صعباً. ومقارنة بما كان عليه الوضع قبل ستة أشهر فقط فقد اصطف المزيد والمزيد من النشطاء إلى جانب الجماعات المسلحة وأصبحت المعارضة العسكرية أكثر تنظيماً. وعموماً، ما تزال المعارضة غير متجانسة في تكوينها حيث تختلف الجماعات من محافظة إلى أخرى، بل حتى على مستوى المدينة أو القرية.

ورغم تعقيدها وتنوعها إلا أنه لا شك أن هذه العناصر سوف تكون في صدارة أية فترة انتقالية في سوريا ما بعد الأسد. وبناءاً على ذلك، يجب على واشنطن أن تدرك أهميتها وتبني المعرفة والعلاقات التي تمكن الولايات المتحدة من لعب دور في مسار الأحداث. وقد انصب تركيز الحكومة الأمريكية حتى الآن على العناصر الخارجية كـ "المجلس الوطني السوري". صحيح أن تلك العناصر الخارجية ربما تحوز تأثيراً لكن هذا الأمر محدود بمدى اتصالها المباشر مع العناصر التي تقود المعركة في الداخل.

وعلاوة على ذلك، ركز التخطيط الأمريكي على نوع الهيكل السياسي الذي ينبغي أن يأتي بعد الأسد، وهو ما يتجاهل حقيقة حاسمة هي أن النظام ما يزال قائماً، وأن طريقة دحره - بما ستستلزمه بخصوص من سيُعجل بهذا السقوط - ستكون هي المحددات الأساسية لمستقبل سوريا السياسي. وقد عبَّرت عناصر المعارضة المسلحة على الأرض عن إحباط متنام من "المجلس الوطني السوري" وعناصر أخرى خارجية لما أسموه دعماً غير كاف. ورغم أن تلك المشاعر قد أدت إلى قيام استياء متزايد تجاه الولايات المتحدة إلا أن هذا الاتجاه يمكن عكسه. لكن ذلك سيتطلب جهداً كاملاً من الحكومة الأمريكية والمجتمع البحثي في واشنطن لتطوير معرفة مفصلة عن عناصر المعارضة تلك والتعاطي مع بعضها.

وينبغي أن يكون هذا الجهد أيضاً ذا بُعد استراتيجي بالنسبة لصناع السياسة الأمريكيين لأن الأزمة السورية الآخذة في التدهور كفيلة وحدها باستثارة صراع طائفي يزعزع استقرار المنطقة بأسرها. فالتوترات بين السنة والشيعة خاصة في شمال لبنان ملموسة بالفعل. كما أن المحادثات مع المقاتلين في تلك المناطق تُظهر صبغة طائفية أكثر من أي وقت مضى، حيث أن هناك أفراداً يعترفون صراحة أنهم لا يحاربون الأسد فحسب بل أيضاً شيعة إيران و «حزب الله» بل والعراق. وفي علامة أخرى على التوسع المحتمل للصراع كانت قوات الأسد تقصف وادي نهر الكبير في شمال لبنان لوقف حركة اللاجئين والمقاتلين عبر الحدود.

وعلى الرغم من أن التوترات الطائفية بين العلويين والسنة واضحة في تركيا أيضاً إلا أن المشكلة الأكبر هي الطريقة التي يتحرك بها مقاتلو المعارضة المسلحة بحرية في الجزء الجنوبي من البلاد. وحيث أصبحت الحدود التركية أكثر عرضة للاختراق فإنه ليس بوسع أنقرة أن تحدد بسهولة أي المقاتلين هم أصدقاء، مما قد يفرض تهديداً على استقرار تركيا نفسها. وقد أدى تجدد الفوران مؤخراً في صراع الحكومة القائم منذ عقود مع "حزب العمال الكردستاني" إلى إثارة مخاوف تجاه ما قد تفرزه الأحوال على الحدود من عنف واضطراب.

 

جيفري وايت

 يمكن اختبار جماعات المعارضة السورية على العديد من المستويات المختلفة، ويكشف كل واحد منها اختلافات جوهرية. فالفرق بين المقاتلين على الأرض والعناصر الخارجية مثل "المجلس الوطني السوري" هو أحد مستويات التحليل. والطبقة الأيديولوجية - الطيف الذي يتراوح من العلمانيين الأقحاح إلى الإسلاميين المتطرفين - هو مستوى آخر. كما أن الموقع يشكل عامل مهم حيث تختلف الجماعات حسب المحافظة، وما إذا كانت من أصل ريفي أو حضري. بل إن الوحدات الفردية المقاتلة والقادة يُظهرون خصالاً فريدة من المهم إدراكها.

إن الوحدة الأساسية لـ "الجيش السوري الحر" هي الكتيبة - وهي مجموعة متماسكة من المقاتلين يمكن أن يتراوح عددهم ما بين 50 إلى أكثر من 200 شخص. وتقع تلك الوحدات بصورة عامة تحت نفوذ أو سلطة مجلس عسكري أو لواء. وتحدد العلاقة بين الكتائب وتشكيلاتها الأكبر ما إذا كانت الهياكل القيادية المتماسكة تنبع من وحدات المعارضة المتفرقة وغير المتجانسة أم لا. إن القيادة هي أكثر من مجرد نفوذ. فهي قادرة على إعطاء الأوامر التي سيتبعها المرؤوسون بصفة ثابتة. وبالنسبة لـ "الجيش السوري الحر" يشكل تطوير هيكل قيادة فعالٍ أمرٌ مهم ليس لمقاتلة الأسد فحسب بل أيضاً تحسباً لأية فترة انتقالية مرتقبة.

وفي اللاذقية على الساحل الغربي من سوريا يبدو أن المجلس العسكري يمارس النفوذ على الكتائب المحلية. وربما كان هذا هو الحال أيضاً في دير الزور في الشرق. ومع ذلك، فإن المجلس العسكري في حلب يمارس فقط نفوذاً على الوحدات المحلية وليست لديه القدرة على إصدار أوامر.

وربما ساهمت تشكيلات الألوية الناشئة في مساعدة المعارضة على توسيع سلطتها القيادية. فالألوية متنوعة في الحجم والهيكل حيث يدعي قائد واحد السيطرة على ثلاث كتائب فقط بينما يدعي آخر السيطرة على ما قد يصل إلى ست عشرة كتيبة. واللافت للنظر هو أن قادة الكتائب والألوية يبدو أنهم يقرون سوياً بعلاقتهم التراتبية حيث تعتمد القيادة في تلك الوحدات عادة على الهيبة الشخصية التي ترتبط غالباً بأسرة القائد وأدوار قبيلته أو عائلته. كما أن الخبرة العسكرية تضفي على صاحبها هيبة أيضاً.

ومن حيث القدرات يُظهر مقاتلو المعارضة نقاط قوى مادية ومعنوية. فالقدرات اللوجستية لـ "الجيش السوري الحر" يبدو أنها تتنوع من موقع إلى آخر حيث تتشكى بعض الوحدات من نقص الذخيرة فيما تؤكد أخرى أنها تتلقى جميع العتاد الذي تحتاج إليه من مصادر من داخل النظام. ويبدو أن المجلس العسكري في حلب متطور جداً في هذا السياق. ووفقاً لصحفي محل ثقة في المنطقة، يجهز المجلس العسكري الوحدات المحلية لـ "الجيش السوري الحر" بصورة منتظمة بأسلحة وذخيرة بما في ذلك طلقات الرشاشات الآلية الخفيفة PKC وطلقات الرشاشات من طراز AK-47 وقذائف صاروخية.

وفضلاً عن تلك القدرات المادية فإن موقف المعارضة المسلحة واستعدادها على المثابرة سيكون حاسماً في تحديد مصير المعركة. ويُظهر المتمردون في الوقت الحالي درجة عالية من الثقة، ولا يبدو أنهم يرتدعون من قدرات النظام المدرعة والجوية. ووفقاً لصحفي ملحق بوحدة تابعة لـ "الجيش السوري الحر" أثناء العمليات في حلب، انتقل مقاتلو "الجيش السوري الحر" بالشاحنة إلى مواقعهم وانتظروا الأوامر للهجوم، وتلقوا تلك الأوامر عبر اللاسلكي. وفي أثناء القتال قدم لهم السكان المحليون الطعام والماء ومعلومات عن التضاريس. وطوال العملية لاحظ الصحفي الثقة العالية بين المقاتلين حتى على الرغم من قيام طائرات النظام (بشن غارات) على مواقعهم.

وعلى نحو أعم، يبدو أن مقاتلي المعارضة يُظهرون تماسكاً وانضباطاً قوياً نسبياً على مستوى الكتائب في أثناء المعركة. وهم على استعداد لمواصلة القتال في اشتباكات متواصلة حتى وهم يرون رفاقهم يُقتلون ويُصابون بجراح من حولهم. كما يبذلون قصارى جهدهم لمساعدة الجرحى واستعادة جثث رفاقهم القتلى بغرض دفنها. وقد جاء هذا التماسك جزئياً ثمرة لمنشأهم المحلي المشترك وعلاقاتهم الشخصية. وفي الغالب تتشكل وحدات القتال تلقائياً حيث يتوحد القاطنون في المدينة معاً ضد تهديد النظام لهم أو رداً على فظائعه.

وأما عن الحرب نفسها فما تزال في معظمها غير محسومة، حيث تقع مناطق تحت سيطرة المعارضة ثم تستعيدها قوات الحكومة بتكلفة عالية. وحتى عندما تستولي قوات المعارضة على منطقة لبعض الوقت، إلا أنها لا تكون حصينة أبداً ضد هجوم جوي أو مدفعي. وفي نظرة إلى المستقبل سوف يسقط نظام الأسد عندما تنهار قواته - والجيش السوري هو في طريقه إلى الانهيار بالفعل. وما تزال الحكومة عازمة على السيطرة على البلاد بكاملها، وهذا الالتزام المفرط يضع ضغوطاً هائلة على قدراتها. وفي غضون ذلك، ولسوء الحظ، يُلحق النظام عمداً إصابات بالمدنيين في محاولة لقطع الاتصال بين الجماهير والمعارضة المسلحة. ولو نجح النظام في هذا الجهد حتى لو كان ذلك على المستوى المحلي فقط فسيكون قد أحرز مكسباً مهماً.

 

أعد هذا الملخص المقرر تايلر إيفانز

إقرأ أيضاً - من على موقع منتدى فكرة (FikraForum.com)- مشاكل "الجيش السوري الحر" في تركيا، وهو تقرير أعده أونفر أكين استاذ في جامعة برينستون وباحث مشارك سابق في معهد واشنطن.