أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المجهر السياسي

دولة بلا جيش، جيش بلا دولة

تطور قوات أمن السلطة الفلسطينية، 1994-2018

نيري زيلبر و غيث العمري

متاح أيضاً في English

آذار/مارس 2018


ملخص تنفيذي

منذ تأسيسها عام 1994، يُنظر إلى السلطة الفلسطينية على أنها كيان مؤقت للحكم الذاتي، إلّا أنها اكتسبت الكثير من سمات الدولة، وبعضها - على غرار السلطة النقدية المركزية - [هي مؤسسات] فعالة؛ وأخرى - مثل الإعلانات الأحادية الجانب في المنتديات الدولية - تعكس انتصار الرمزية أكثر منها إلى الجوهر. ومع ذلك، لا تجسد أي مؤسسة تابعة للسلطة الفلسطينية، عملياً ورمزياً، التحرك نحو تقرير المصير الفلسطيني كقوات أمن السلطة الفلسطينية [قوات الأمن الفلسطينية]. وفي الواقع، لا تجمع أي مؤسسة تابعة للسلطة الفلسطينية صورة الاستقلال الحقيقي - رجال مسلحون يرتدون الزي العسكري - مع استمرار واقع الاحتلال.

وعلى أي حال، من المرجح أن تكون دولة فلسطين المستقبلية منزوعة السلاح. ومع ذلك، وإن كانت قوات الأمن الفلسطينية لا تمثل جيشاً ناشئاً لهذه الدولة المستقبلية، إلّا أنها ستشكّل كياناً أمنياً مكلفاً بالحفاظ على النظام والاستقرار. وعلى النقيض مما يدعي به المسؤولون الإسرائيليون بأنه "في أي اتفاق أو بدونه، سنُحافظ على السيطرة الأمنية على كامل أراضي غرب نهر الأردن"، يشير الواقع في العقدين الأخيرين إلى أن إسرائيل تخلّت عن السيطرة الأمنية على نسبة كبيرة من الجيوب الرئيسية للضفة الغربية. وسواء قامت إسرائيل بالتخلي عن المزيد من الأراضي في المستقبل كجزء من عملية سلام فعالة، وما إذا كانت السلطة الفلسطينية قادرة فعلاً على السيطرة على مثل هذه الأراضي، فإن ذلك سيتوقف على قدرات قوات الأمن الفلسطينية وكفاءتها.

وفي الواقع، كانت قوات الأمن الفلسطينية أول مؤسسة لهذه السلطة حيث تم إنشاؤها في أعقاب اتفاقات أوسلو. وتتألف من رجال شرطة وقوات أمن واستخبارات وخدمات الدفاع المدني. وقد لعبت هذه القوات دوراً حاسماً، في السراء والضراء، في كل فصل لاحق من الحياة السياسية الإسرائيلية والفلسطينية - من خلال تأثيرها على التطورات وتأثرها بها، والتي غالباً ما يُنظر إليها على أنها نزاع أبدي لا يتغير. ومع ذلك، لا يُعرف الكثير في المجال العام عن هذه المؤسسة الهامة التابعة للسلطة الفلسطينية، التي يبلغ عدد أفرادها حالياً نحو 30 ألف مسلّح - ما هي، ما الذي تفعله، وكيف تعمل في ظل السيطرة الأمنية الشاملة لإسرائيل على الضفة الغربية.

وانطلاقاً من هنا، يسعى هذا التقرير إلى سد هذه الفجوة في المعرفة، وكشف المراحل التطورية التي مرت بها قوات الأمن الفلسطينية منذ عام 1994 وحتى الوقت الحاضر، وفي سياق ذلك، سيتم الكشف عن تطور الروابط الأمنية الإسرائيلية الفلسطينية - وتراجعها في لحظات مهمة. ومن خلال هذا المقال، تَظهر ثلاث مراحل متميزة، تتوافق مع بروز قوات الأمن الفلسطينية وسقوطها، ونهوضها من جديد. واستشرافاً للمستقبل، يتناول التقرير احتمالات استمرار استدامة قوات الأمن الفلسطينية نظراً إلى الضغوط السياسية الكبيرة الناجمة عن السياسات الفلسطينية الداخلية والبيئة الدبلوماسية الدولية بنطاقها الأوسع.

ويتوافق الفصل الأول مع عصر اتفاقات أوسلو (1994-2000)، الذي حدد إنشاء قوات الأمن الفلسطينية مع عودة ياسر عرفات وعناصر من "جيش التحرير الفلسطيني" إلى الأراضي المحتلة. وأتاحت الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية" إقامة قوة أمن داخلية مسلحة لضمان سيادة القانون والنظام. ومع ذلك، فإن ما تم إقامته عملياً من خلال الأسلوب الشخصي والظرفي لعرفات قد اختلف بشكل حاد عما نصَّت عليه الاتفاقات. فقد انتشرت العديد من الأجهزة الأمنية المتنافسة، ولم تتم معاقبة الجماعات الإرهابية الرافضة مثل «حماس»، كما لم يتم احتكار وسائل العنف من قبل عرفات وحده كما اتضح. إن ما أضرّ بعملية السلام بشكل كبير، هو تقويض التعاون الأمني الوطيد بين إسرائيل والفلسطينيين كما حدث عدة مرات بسبب الصِدامات المسلحة بين قوات الأمن الفلسطينية والقوات الإسرائيلية.

ويتوافق الفصل الثاني مع فترة الانتفاضة الثانية وتداعياتها، التي شملت سقوط غزة (2000-2007)، من خلال تحديد فقدان السيطرة كما اتضح بعد اندلاع الأعمال العدائية الجماعية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. فلم يتخلَّ عرفات بتاتاً عن الخيار العسكري خلال تعامله مع إسرائيل. كما أن قوات الأمن الفلسطينية، إلى جانب عناصر أخرى من حركة «فتح»، قد تورطت مباشرة في حملة الإرهاب التي تلت ذلك. وقد ردت إسرائيل فوراً، وأعادت احتلال الضفة الغربية ودفعت قوات الأمن الفلسطينية إلى حافة الانهيار. وفي أعقاب الانتفاضة الثانية، التي انتهت عام 2005، ركزت جهود الإصلاح على قطاع الأمن، ومع ذلك لم يكن بوسعها إحباط سيطرة «حماس» على قطاع غزة. وما لم يساعد الأمور هو تسجيل انتصار تشريعي لـ «حماس» في عام 2006، مما أرغم المجتمع الدولي على تجاوز العديد من أجهزة الأمن الرسمية الفلسطينية. وهنا، أكثر من أي وقت مضى، أنقسمت مختلف أجهزة قوات الأمن الفلسطينية فيما بينها إلى حد كبير. وبينما كان سقوط غزة مروعاً بسبب التفوق العددي لقوات السلطة الفلسطينية على [عناصر] «حماس»، إلّا أنه كان من جوانب عديدة - أو ربما كان يجب أن يكون - واقعاً قد تم التكهن به، بالنظر إلى الضعف المؤسسي والعملياتي الذي كانت تعاني منه قوات الأمن الفلسطينية في ذلك الوقت.

ويتوافق الفصل الثالث مع إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية وإضفاء الطابع الاحترافي عليها حتى يومنا هذا (2007-2018)، وتحديد حملات الإصلاح الحقيقية التي قامت بها السلطة الفلسطينية تحت قيادة رئيس الوزراء سلام فياض وبمساعدة بعثة التنسيق الأمني ​​الأمريكي في القدس، من بين جهات فاعلة دولية أخرى. كما يقدم هذا الفصل لمحة عامة عن البنية العسكرية، ووظائفها، وقيادتها لكل من الخدمات الثمانية - قوات الأمن الوطنية، والشرطة المدنية، والحرس الرئاسي، والمخابرات العامة، والأمن الوقائي، والاستخبارات العسكرية، ومكتب تنسيق المناطق، والدفاع المدني - فضلاً عن مناطق العمليات الرئيسية للأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وإعادة تأكيد السلطة المركزية للسلطة الفلسطينية، وتحسين سيادة القانون والنظام، وإزالة المسلحين من الشوارع (بما في ذلك من صفوف «فتح»)، وقمع «حماس». وتشير كافة التقارير إلى أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أحرزت نجاحاً هائلاً في جهودها خلال العقد الماضي، وأصبحت أكثر تماسكاً وانضباطاً واحترافاً. ويُعزى هذا النجاح إلى التنسيق الأمني ​​الوثيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل - الذي يعتمد، على النقيض مما [اتُبع في عهد]عرفات، على سياسة اللاعنف التي ينتهجها الرئيس محمود عباس. ويمكن تقسيم مصطلح "التنسيق الأمني" الجامع إلى أجزائه التأسيسية، مما يوضح مدى اعتماد استقرار الضفة الغربية على الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مجالات الحوار وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب، وتجنب المواجهة خلال الغارات العسكرية الإسرائيلية على المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، والعودة الآمنة للمواطنين الإسرائيليين، ومكافحة الشغب، والدفاع المدني.

ويركز الفصل الرابع على المستقبل والخيارات السياسية التي تواجه السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمجتمع الدولي فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية الفلسطينية. وفي الوقت الذي ثبت فيه مراراً وتكراراً خطأ التنبؤات حول انهيار السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، إلّا أن مسألة استدامة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تشكل أمراً بالغ الأهمية في ظل الضغوط السياسية المنبثقة من الداخل والخارج. وربما الأمر الأكثر بروزاً هو التوتر بين المقاومة التكتيكية والعملياتية لأجهزة الأمن الفلسطينية، من جهة، والركود السياسي الشامل المحيط بعملية السلام المحتضرة، من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يلقى التنسيق الأمني، على وجه الخصوص، انتقادات متواصلة في المجتمع الفلسطيني، حيث يُنظر إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية  كمتعاونة مع احتلال لا ينتهي. ولا يزال الإسرائيليون يعيشون مع سابقة الانسحاب من غزة، تلك الخطوة التي مهدت الطريق أمام [تحوّل القطاع إلى] "حماستان". بالإضافة إلى ذلك، أدّى تسييس الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والذي شمل تقليص الحيز السياسي في السلطة الفلسطينية، إلى تقويض الشرعية الشعبية لهذه المؤسسة. وتتعلق بوادر القلق أيضاً بالبرنامج الشامل لإصلاح القطاع الأمني والاستدامة الهيكلية للأجهزة الأمنية الفلسطينية. وفي هذه الحالة، فإن رد الأجهزة الأمنية الفلسطينية على الأوضاع السياسية ما بعد فترة حكم عباس والنزاع المحتمل على الخلافة سيكونا حاسمين.

وربما يكون الأمر الأكثر إلحاحاً هو التوتر الأخير بين إدارة ترامب والسلطة الفلسطينية حول اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمةً لإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2017. وقد أدّت هذه الخطوة، التي هي جزء من الخلافات السياسية العرضية بين واشنطن ورام الله، إلى أثارة شبح قطع العلاقات الأمريكية -الفلسطينية فعلاً، وهو تهديد أثاره الجانبان. وفي ظل هذه التطورات، أصبح من الصعب تقييم أثر هذه الأزمة الدبلوماسية على الجهود الأمريكية في مجال الأمن الفلسطيني. ومع ذلك، من المهم التأكيد بأن هذه الجهود قد ساعدت على تحقيق الاستقرار في الضفة الغربية، ليس فقط لأنها تعود بالفائدة على السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ولكن أيضاً لأنها تخدم كثيراً المصالح القومية للولايات المتحدة. وبالتالي، سيظل الدور الأمريكي حاسماً في التأثير على جميع المعضلات الأمنية التي تمت الإشارة إليها للتو، إيجابياً كان أو سلبياً.

وتختتم الدراسة بقائمة من التوصيات تهدف إلى إعلام صانعي السياسة في الولايات المتحدة بما يجب فعله بصورة أكثر للحفاظ على الإنجازات الحقيقية للغاية التي تحققت على مدى السنوات الأخيرة والبناء عليها. وقبل كل شيء، لا يمكن السماح للتطورات القائمة على المسار الدبلوماسي الرفيع المستوى، ومن بينها الهدف البعيد المنال لاستئناف محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، بالتسرب إلى القاعدة الشعبية والتأثير سلباً على الاستقرار على الصعيد الميداني. وبالفعل، يشكل التنسيق الأمني الإسرائيلي -الفلسطيني، في كثير من النواحي، الجانب الأكثر نجاحاً في عملية السلام برمتها. ويُعتبر التطور الإيجابي الذي يطال الأجهزة الأمنية الفلسطينية في السنوات الأخيرة - في الضفة الغربية فقط باعتراف الجميع - سبباً رئيسياً لهذا النجاح.

لقد بُنيت عملية السلام برمتها على رهان واضح نوعاً ما، وهو أن إسرائيل قد تمنح الأراضي، بينما قد يُمنح السلام من قبل الفلسطينيين. لكن أصبح من الواضح أنه لا يمكن إقامة دولة فلسطينية إذا لم يتم ضمان المصالح الأمنية لإسرائيل - وقد يجادل البعض، عكس ذلك، بأن إسرائيل لن تكن أبداً آمنة حقاً في غياب دولة فلسطينية. ويقف جهاز الأمن الفلسطيني في صلب العناصر التي تضم الأرض والسلام، والأمن والدولة. لذلك، يتوقف الكثير حول ما إذا كانت قوات الأمن الفلسطينية ستبقى مهنية ومتماسكة وفعالة في مكافحتها للإرهاب (ضد إسرائيل)، وتوفيرها القانون، والنظام، والأمن (للفلسطينيين)، وضمانها استقرار فلسطين [كدولة] ديمقراطية وفعالة.

وكما هو الحال منذ عام 1994، لا تزال قوات الأمن الفلسطينية الجهة الفاعلة الرئيسية التي تؤثر على قيام دولة فلسطين في المستقبل أم لا. واستناداً إلى بحوث ومقابلات مكثفة مع مسؤولين من جميع الأطراف وعلى كافة المستويات، يسعى هذا التقرير إلى تقديم تقييم شامل وواقعي لتطور قوات الأمن الفلسطينية على مر السنين. إن أي تحليل نزيه ومحايد لحالة الأمن في الضفة الغربية - ولا سيما التنسيق الأمني - قد لا يوفر سوى القوة الدافعة للانتقال من مجرد [أمور] رمزية إلى جوهرية لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

 

نيري زيلبر صحفي مقره في تل أبيب وزميل مساعد في معهد واشنطن. غيث العمري هو زميل أقدم في المعهد، وشغل سابقاً مناصب استشارية مختلفة مع السلطة الفلسطينية.