المرصد السياسي 1956
بروز سيناء كتهديد استراتيجي لإسرائيل
متاح أيضاً في English
21 حزيران/يونيو 2012
إذا لم يستحث الوعي الدولي اتخاذ السلطات المصرية إجراءاً فورياً لمعالجة الفراغ الأمني المتزايد والحوادث الإرهابية المتنامية على الحدود مع إسرائيل فإن برميل البارود في سيناء سوف ينفجر قريباً.
في العشرين من حزيران/يونيو 2012 شنت إسرائيل هجوماً جوياً على غزة استهدف وقتل ناشطاً جهادياً تقول إسرائيل إن له صلة بالهجوم الذي وقع عبر الحدود من سيناء في الثامن عشر من حزيران/يونيو. وقد أسفر هجوم يوم الإثنين عن مقتل عامل إسرائيلي كان منخرطاً في بناء السور الحدودي بين إسرائيل ومصر. وقد تبنت جماعة جهادية المسؤولية عن الحادث بقولها إن مصرياً وسعودياً كانوا من بين مرتكبي الجريمة. وفي التاسع عشر من حزيران/يونيو تم إطلاق صاروخين من طراز "غراد" عيار 122 ملم من شبه الجزيرة فوقعا بالقرب من مدينة وقاعدة عسكرية في عمق جنوب إسرائيل. وقد ألقت هاتان الحادثتان الضوء عن انحطاط سيناء وانتقالها إلى جبهة إرهابية نشطة وتشكيلها تحدياً استراتيجياً لإسرائيل - وهو تطور قد يقوض العلاقات الهشة مع مصر.
ويأتي الحادث الأخير باعتباره رابع هجوم إرهابي خطير من سيناء ضد إسرائيل في أقل من عام. ففي آب/أغسطس 2011 قُتل ثمانية إسرائيليين قرب ميناء إيلات على البحر الأحمر في هجوم عبر الحدود خططت له جماعة إسلامية فلسطينية ونفذه بدوي. وفي مطلع نيسان/أبريل 2012، أُطلقت ثلاثة صواريخ من طراز "غراد" عيار 122 ملم من سيناء إلى داخل موقع لبناء مجمعات سكنية في إيلات، ولكن لم تقع إصابات. وفي ذلك الشهر نفسه، كشف مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي اللواء أفيف كوخافي النقاب عن أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد أحبط خلال الشهرين السابقين أكثر من عشرة مخططات إرهابية كان مصدرها من شبه الجزيرة. ووفقاً لمؤسسة الدفاع الإسرائيلية فإن حجم المعلومات عن التهديد المتصل بسيناء قد أصبح الآن مماثلاً لنظيره المتعلق بغزة.
فراغ في السلطة في سيناء
خلال الانتفاضات التي أسفرت عن الإطاحة بحسني مبارك نشأ فراغ أمني في سيناء، والذي سرعان ما ملأه جهاديون من مناطق مصر الرئيسية [غرب قناة السويس] وقطاع غزة المجاورة. وقد انضم أولئك الجهاديون إلى البدو المحليين الذين شعر الكثير منهم بالنفور من الحكومة المركزية، وحداهم الأمل في تحسين ظروفهم الإقتصادية في منطقتهم المتخلفة من خلال القيام بأنشطة متنوعة كالتهريب عبر الحدود. كما أن البدو - لا سيما أولئك في شمال شرقي البلاد والمناطق الجبلية الوسطى - قد أصبحوا مسلحين جيداً ويتأثرون بشكل متزايد بالأيديولوجية الإسلامية/السلفية. فهم يتعاونون بشكل وثيق مع «حماس» وغيرها من الجماعات الإرهابية الفلسطينية من قطاع غزة التي أنشأت لها موطئ قدم في سيناء وجندت على إثره رجال القبائل المحليين لمختلف العمليات.
ومن الواضح أن السلطات المصرية قد فقدت السيطرة القوية على أجزاء كبيرة من سيناء فأصبحت شبه الجزيرة مساحة يكتنفها الغموض. ففي الأشهر الثمانية عشرة الماضية هاجمت جماعات مصرية وفلسطينية مسلحة العشرات من مراكز الشرطة ونقاط التفتيش والمؤسسات الحكومية هناك مما أدى إلى مقتل عدد من رجال الشرطة، بينما تم تخريب خط أانابيب الغاز بين مصر وإسرائيل في شمال سيناء أربع عشرة مرة. وفي أواخر الشهر الماضي اختطف البدو مؤقتاً سائحان أمريكيان كانا في زيارة لمدينة نويبع - المنتجع المصري على البحر الأحمر - وطالبوا بالإفراج عن أحد رجال قبائلهم.
وفي الوقت نفسه يتعرض أفراد «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين» - وهي الهيئة في سيناء المكلفة بمراقبة الأحكام الأمنية لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية - لهجمات متواصلة. ووفقاً لقائدها اللواء وارن وايتينغ، تعرض أفراد «القوة» للاستهداف في 187 حادثة إطلاق رصاص بالذخيرة الحية ما بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو من هذا العام.
ويبدو أن السلطات المصرية تقف عاجزة في وجه هذه الفوضى حيث تَركز اهتمام القاهرة ومواردها على المناطق الرئيسية للبلاد [غرب قناة السويس]، بينما هناك القليل من القوات الأقل كفاءة ترتكز في شبه الجزيرة وبالتالي ليس باستطاعتها حل المشكلة بصورة تامة. وتشن هذه القوات - بين وقت لآخر - عمليات ضد مسلحي سيناء وسط ضجة كبيرة ولكن بتأثير كلي محدود. وعادة تتركز مثل هذه الجهود على تهديدات تخص الأمن القومي المصري على وجه التحديد والتي تصدر بعضها من قطاع غزة.
وتدرك القاهرة أيضاً أنه ليس بوسع القوة وحدها معالجة الموقف، ذلك أن الحوار طويل الأمد مع القبائل المحلية والاستثمار الإقتصادي الكبير في شبه الجزيرة هما أمران ضروريان أيضاً. ولكن نظراً للأزمة الاقتصادية فى المناطق الرئيسية للبلاد [غرب قناة السويس] فمن غير المرجح تواجد مثل هذه الاستثمارات في المستقبل المنظور. وحتى أن الجيش قد يئس أساساً من استعادة الأمن في سيناء فاكتفى بنشر جزء صغير فقط من الكتائب السبع الإضافية التي وافقت عليها إسرائيل كاستثناء مؤقت لبنود معاهدة السلام. (للإطلاع على مقالة أكثر تفصيلاً عن الوقائع المتطورة في شبه الجزيرة، راجع "مذكرات سياسية" بقلم إهود يعاري، بعنوان سيناء: جبهة جديدة.)
التبعات بالنسبة لإسرائيل
تواجه إسرائيل واقعاً جديداً وهو أن حدودها مع مصر التي كانت سلمية ذات مرة قد تحولت إلى بقعة ملتهبة حيث إن التحصن الإسلامي الفوضوي والعنيف في سيناء يجعل من شبه الجزيرة تهديداً أمنياً متصاعداً ضد إسرائيل على عدة جبهات.
أولاً، إن الموقف في شبه الجزيرة يسمح بتزايد تهريب الأسلحة إلى داخل غزة. والواضح أكثر في هذا الصدد هو القطع التي تم أخذها من مستودعات الأسلحة الضخمة والغير مضمونة في ليبيا ما بعد الحرب، بما في ذلك صواريخ أرض جو متقدمة من طراز "سام 24" تطلق من الكتف. وفي هذا الصدد وصف مؤخراً رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شين بيت) يورام كوهين، مستودعات الأسلحة في ليبيا بأنها "بوابة جديدة إلى الجحيم".
والأهم من ذلك تحولت سيناء إلى منصة لإطلاق الهجمات الإرهابية، كما هو موضح أعلاه. وتؤمن الاستخبارات الإسرائيلية أن معظم، إن لم يكن جميع، تلك الهجمات التي وقعت خلال العام الماضي قد خططتها جماعات من غزة تستغل البدو من سيناء. وبالنسبة للجماعات الفلسطينية توفر شبه الجزيرة فوائد عدة وهي: سهولة الوصول نسبياً إلى إسرائيل، والغطاء للبنية التحتية العملياتية (بما في ذلك اختبار إطلاق صاروخ إيراني من غزة إلى سيناء قبل عدة أشهر)، وسبيلاً للتمويه عن منشأ الهجمات وبالتالي تخفيض احتمالات القيام بعمل انتقامي إسرائيلي في غزة، ومناعة ضد الإجراءات الوقائية والثأرية الإسرائيلية في سيناء نفسها، نظراً لقيام معاهدة سلام مع مصر.
وتخلق سيناء أيضاً مشاكل أخرى خطيرة لإسرائيل. ففي السنوات الأخيرة عبَر عشرات الألوف من الأفارقة الحدود بصورة غير قانونية إلى إسرائيل للحصول على عمل. وهناك مئات آلاف آخرين ينتظرون العبور أيضاً. وهذا التدفق إنما يضع ضغوطاً هائلة على النسيج المحلي لإسرائيل وسياسات الهجرة التي تتبعها البلاد.
وفي ضوء هذه القضايا تقوم إسرائيل بالتكيف مع الواقع الجديد على حدودها الجنوبية. وفي المرحلة اللاحقة عليها أن تحسّن الاستخبارات المتعلقة بمنطقة كانت في السابق سلمية ورعوية ولم تكن تمثل محط اهتمام منذ توقيع معاهدة السلام مع مصر عام 1979. وهذا بالفعل يشكل تحدٍ إذا نظرنا إلى طبيعة التضاريس والعناصر التي تعمل بداخلها والوقت الذي يستغرقه بناء شبكة استخبارات فعالة.
وفي الوقت نفسه تعمل إسرائيل على إنهاء إقامة سياج أمني معقد على حدودها مع مصر والتي يبلغ طولها 150 ميل. وقد اكتمل ثلثا السياج بالفعل ومن المقرر أن ينتهي بناؤه في غضون عدة أشهر. وبالإضافة إلى ذلك فقد حسّن جيش الدفاع الإسرائيلي من جهود الاستخبارات التي بقوم بها وزاد من انتشاره على طول الحدود بما في ذلك ضمه لوحدات النخبة والمعدات المطورة. كما يدرس الجيش أيضاً نشر نظام الدفاع الصاروخي "القبة الحديدية" في المستقبل قرب إيلات، وكذلك أنظمة الإنذار المبكر التي من شأنها أن تنبه السكان هناك عن الصواريخ القادمة.
ومع هذا تشعر إسرائيل أن أيديها مكبّلة جزئياً في مواجهة التهديدات القادمة من سيناء. فهي لا تريد أن تنتهك السيادة المصرية أو بنود اتفاقية السلام، إلا أنه يبدو أن القاهرة غير قادرة على السيطرة على الوضع. وحتى الآن اتخذت إسرائيل إجراءات وقائية أو ثأرية في غزة، وليس في سيناء، وهو ما يؤدي في العادة إلى صدامات عنيفة مع مسلحي غزة. غير أن الهجوم المدمر عبر الحدود يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إجبار إسرائيل على العمل في شبه الجزيرة نفسها، وهو السيناريو الذي سيضع ضغطاً هائلاً على العلاقات الإسرائيلية المصرية الهشة بالفعل.
كما أن السياق المصري المحلي إنما يفاقم هذا التحدي. وما تزال إسرائيل تتمتع بعلاقات عملياتية طيبة مع الجيش المصري لكن هذا الأخير مقيد بصورة كبيرة بمشاعر شعبية معادية لإسرائيل و بـ «الإخوان المسلمين» الذين هم في صعود سياسي. وعلى الرغم من أن قادة «الإخوان» قد ذكروا أنهم سوف يحترمون التزامات مصر الدولية السابقة، إلا أنهم قد وعدوا أيضاً بمراجعة مضمون اتفاقية السلام مع إسرائيل. وتحديداً فقد قصدوا الملحق العسكري الذي يشترط نزع السلاح في سيناء والذي يتم تصويره على أنه ينتهك السيادة المصرية. وليس واضحاً ما إذا كان باستطاعة الحكومة التي سيقودها «الإخوان» نزع فتيل الأزمة على الحدود، أو إذا كانت ترغب بذلك، من خلال علاقاتها الجيدة مع «حماس» أم لا. غير أنه إذا اندلعت توترات بين إسرائيل ومسلحين في غزة أو سيناء فإن الضغط من أجل تعديل الاتفاقية سوف يتصدر المشهد بما يهدد العلاقات الثنائية بين إسرائيل ومصر.
الخاتمة
ينبغي على إسرائيل أن تطلب من واشنطن والمجتمع الدولي إيلاء الاهتمام الكافي للواقع الذي يكتنف هذه المنطقة الكبيرة الفاشلة في مصر التي هي بالفعل مضطربة، وهو الأمر الذي سرعان ما سيخلق مصدراً لعدم الاستقرار وتهديداً لاتفاقية السلام الإسرائيلية المصرية. ويجب تشجيع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" والإدارة المدنية الجديدة في القاهرة على اتخاذ العديد من الإجراءات الفورية في سيناء كما يلي:
تعزيز القوات المصرية كماً وكيفاً على طول الحدود مع إسرائيل
- تعزيز الجهود لمحاربة التهريب بما في ذلك تحسين السيطرة على قناة السويس وطرق البر الرئيسية من المناطق الرئيسية لمصر [غرب القناة] إلى سيناء
- توفير الحماية لأفراد "القوة متعددة الجنسيات والمراقبين" وتعديل دورهم
- مواصلة التنسيق مع إسرائيل وراء الكواليس
واستشرافاً للمستقبل، ينبغي تشجيع السلطات المصرية أيضاً على معالجة الموقف في شبه الجزيرة عبر وسائل غير عسكرية مثل الدمج الأفضل للبدو المحليين والاستثمار الاقتصادي لصالحهم، وهو ما يمكن للمجتمع الدولي أن يقدم له دعماً خاصاً. وبدون إجراء فوري على هذه الجبهات فإن برميل البارود في سيناء سوف ينفجر قريباً.
العميد (المتقاعد) مايكل هيرتسوغ هو زميل ميلتون فاين الدولي في معهد واشنطن، ومقره في اسرائيل. وقد شغل سابقاً منصب رئيس شعبة التخطيط الاستراتيجي في جيش الدفاع الإسرائيلي ورئيس موظفي مكتب وزير الدفاع.