أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1936

انتخابات «حماس» السرية تشير إلى صراع داخلي

إهود يعاري

متاح أيضاً في English

16 أيار/ مايو 2012


"ستؤدي انتخابات «حماس» الجارية إلى تقوية الجناح العسكري للحركة وتضعف خالد مشعل وتجعل المصالحة مع السلطة الفلسطينية أكثر صعوبة وتحافظ على تعاون وثيق مع إيران، وربما تصيغ علاقات أوثق مع مصر."

 

من المقرر أن تستمر الانتخابات السرية للهيئات القيادية الجديدة في «حماس» بشكل غير رسمي حتى أواخر هذا الشهر لكن يمكن الإشارة باطمئنان إلى بعض الاتجاهات الناشئة حيث تكافح الحركة من أجل التأقلم مع الجدل الحامي المتعلق بمسارها المستقبلي. فقد تم إضعاف القائد الأعلى خالد مشعل بشكل كبير في الوقت الذي كسب فيه منافسوه المزيد من النفوذ واضطلع قادة في الجناح العسكري بدور سياسي أكبر بكثير. ومن المرجح أن تسفر تلك التطورات عن المزيد من تعقيد جهود المصالحة المتعطلة بين الجماعة والسلطة الفلسطينية وتسريع تقدمها نحو تحقيق إنتاج ذاتي كبير للصواريخ الأطول مدى والأكثر دقة ومنع الطلاق السياسي - على الأقل في المستقبل المنظور - بينها وبين إيران.

تحول غير مسبوق

كقاعدة عامة لا تنشر «حماس» أية تفاصيل عن الانتخابات بما في ذلك أسماء المرشحين أو عدد الناخبين أو مواقع مراكز الإقتراع أو المؤسسات التي تُعقد الانتخابات من أجلها أو النتائج. وحيث استشهدت بــ "الاعتبارات الأمنية" فإن الجماعة تجعل مثل هذه المعلومات سرية وتحظر الحملات الدعائية. ورغم تلك الجهود، إلا أنه قد بدأت تتشكل بالفعل صورة شبه كاملة للصراع السياسي الداخلي القائم في الحركة. ووفقاً لأحد كبار المسؤولين في «حماس» فإن أكثر من ثلاثين في المائة من الأعضاء في مؤسسات القيادة المختلفة التابعة للمنظمة قد تم استبدالهم بوجوه جديدة مما يعد تغيراً جذرياً لحركة محافِظة كانت ترفض الإطاحة برموزها القديمة.

ومبدئياً كان من المقرر إجراء انتخابات منفصلة في كل منطقة من "المناطق" الأربعة المحددة للحركة، اثنان منها من المتوقع الآن أن تتخطى التصويت وبدلاً من ذلك تختار ممثليها عبر عملية من "المشاورات" (تعيينات، على سبيل المثال).

أولاً، لم يعد سجناء «حماس» يختارون مندوبيهم عبر نظام الاقتراع الشفهي المعقد كما كانوا يفعلون في الماضي. ولكن هؤلاء الذين يخدمون بالفعل بصفتهم "قيادة" لسجناء «حماس» - عادةً في التعاملات مع "مصلحة السجون الإسرائيلية" - سوف يتم ترشيحهم كأعضاء غيابياً للهيئات العليا للحركة. ومن بين هؤلاء المرشحين سيكون هناك كبار الإرهابيين المدانين مثل القائد السابق لـ "كتائب عز الدين القسام" في الضفة الغربية إبراهيم حامد، والعقل المدبر لمذبحة ليلة عيد الفصح في نتانيا عام 2002 عباس السيد، ومهندس التفجيرات الانتحارية للجماعة في التسعينات من القرن الماضي حسن سلامة، وقائد سابق في "كتائب القسام" في منطقة جنين جمال أبو الهيجا. وستكون مشاركاتهم في مداولات القيادة مقصورة على طلبات للحصول على آرائهم بين حين وآخر ويتم إرسالها عبر محاميهم والزوار من العائلة. إلا أنه ينبغي التوضيح هنا أنه خلال المفاوضات الأخيرة التي جرت لإنهاء الإضراب عن الطعام في السجون أملى أولئك القادة من "حركة السجناء" - كما تُعرف في المصطلحات السياسية الفلسطينية - بشكل جوهري على بقية قيادة «حماس» شروط عقد الاتفاق مع إسرائيل بوساطة المخابرات المصرية.

ثانياً، ستتجاوز الضفة الغربية على الأرجح انتخابات «حماس» للمرة الأولى على الإطلاق بالنظر إلى الصعوبات التي تمثلها المضايقات المتواصلة واحتجاز أفراد الجماعة من قبل كل من السلطة الفلسطينية وأجهزة الأمن الاسرائيلية. إن الرجل الرئيسي في تحديد أعضاء «حماس»  في "المجلس التشريعي الفلسطيني" المنحل الذين سيتم اختيارهم لملء حصة هذه المنطقة في هيئات القيادة هو الآن صالح العاروري الذي أسس "كتائب القسام" في الضفة الغربية وأُفرج عنه من سجن إسرائيلي في آذار/ مارس 2010. وقد ظل العاروري يعمل لبعض الوقت من تركيا - بمباركة ضمنية من أنقرة - في محاولة لإحياء البنية التحتية لـ «حماس» في الضفة الغربية. وهو الآن يعتبر القائد الأعلى الفعلي للجماعة في الضفة الغربية وذلك على حساب الشخصيات السياسية المحلية المخضرمة، وبالتالي فقد اكتسب مكانة مهمة في التراتبية الجديدة لحركة «حماس».

وفي المنطقة الثالثة وهي غزة، تم إجراء الانتخابات في أواخر نيسان/ أبريل حيث أدلى 12000 ناخب بأصواتهم وحققوا هزيمة ساحقة لأنصار مشعل - رئيس اللجنة التنفيذية لحركة «حماس» (وهي هيئة أُنشئت في عام 2009 إلا أنها لم تعلن أبداً بأنها البديل الرسمي لـ "المكتب السياسي" القديم). وقد نجح القليل - هذا إن وجدوا أصلاً - من أنصار مشعل في المؤسسات المنتخبة المختلفة مثل العديد من مجالس الشورى في أحياء متنوعة، مثل "مجلس شورى غزة" البالغ عدد أعضائه سبعة وسبعين شخصاً (والذي تم توسيعه من تسعة وخمسين عضواً)، و"المكتب السياسي في غزة" البالغ عدد أعضائه خمسة عشر شخصاً (صلاح البردويل، محمد الجماسي، عصام دغلس، وأعضاء رئيسيين آخرين خسروا مقاعدهم في الهيئة الأخيرة). أما أولئك الذين يطلق عليهم معتدلين مثل أحمد يوسف وغازي حمد فقد هُزموا في الانتخابات، في حين فاز ألد خصوم مشعل وهو عماد العلمي - الرئيس السابق للجنة العسكرية (أو الانتفاضة) الذي عاد مؤخراً من دمشق بعد سنوات طويلة من التوتر مع مشعل - وانتخب نائباً لاسماعيل هنية (رئيس وزراء «حماس») في وظيفته الأخرى غير المعلنة وهي رئيس "المكتب السياسي" المحلي.

صعود عسكري

على الرغم من أن هنية قد أثبت مرة أخرى أنه القائد الأكثر شعبية في «حماس» في قطاع غزة إلا أنه يرفض تماماً المطالبة بقيادة عامة بل ويتجنب في الغالب الدخول في جدل ويترك لزملائه الأكثر صراحة يتحدثون عما يجول بخاطرهم. ويمثل العلمي - الذي يُنظر إليه بشكل واسع باعتباره خليفة مشعل المحتمل - بشكل أفضل الاتجاه الأكثر بروزاً وهو ما يمكن تسميته بـ "بَسْدرة" «حماس»: أي تحويلها إلى نموذج مماثل لـ "فيالق الحرس الثوري الإسلامي" (أو "الباسداران")، من ناحية تمكنها من السيطرة على أجهزة الدولة الإيرانية خلال العقد الماضي. ووفقاً لذلك يستحوذ الآن جناح «حماس» العسكري على المسار السياسي للحركة.

ربما كان قادة "كتائب القسام" وشركائهم السياسيين أكبر الفائزين في انتخابات غزة (حيث توضع عادة صناديق الإقتراع في المساجد أو الجمعيات الخيرية). فعلى سبيل المثال، إن محمد الضيف - المسؤول عن "كتائب القسام" وراء الكواليس والذي ما يزال يتعافى من إصابات خطيرة تعرض لها خلال محاولة اغتيال إسرائيلية قبل عشر سنوات - لم يقم بترشيح نفسه مفضلاً أن يحتفظ بحضور اعتاد أن يكون محدوداً. غير أن آخرين قد فازوا بانتصارات مثيرة للإعجاب في طريقهم إلى "المكتب السياسي" وهم: زعماء "كتائب القسام" مثل أحمد الجعبري ومروان عيسى ويحي السنوار وروحي مشتهى وقادة من "كتائب القسام" أفرج عنهم من السجون الإسرائيلية في إطار صفقة جلعاد شليط، ووزير داخلية «حماس» فتحي حماد وهو متعاون وثيق مع القادة العسكريين. وفضلاً عن محمود الزهار (الذي استطاع التغلب على المحاولات العسكرية لإفساد ترشحه) فإن جميع الـ "مدنيين" المنتخبين الآخرين قد تم دعمهم بنسبة كبيرة من الأصوات التي تتحكم بها "كتائب القسام"، بما في ذلك شخصيات مثل خليل الحية و نزار عوض الله.

الأعضاء "الخارجيون" ما يزالون يصوتون

في الوقت الحاضر، ما تزال «حماس» تجري انتخابات في المنطقة الرابعة التي تتكون من بضعة آلاف من الأعضاء "في الخارج" (بما في ذلك نحو ألف عضو من المقر الرئيسي المنحل لجماعة دمشق، المنتشرين حالياً في مختلف البلدان العربية والإسلامية). ويجري التصويت في فروع «حماس» في دول الخليج الفارسي ولبنان والسودان واليمن وأوروبا، وتشير التوقعات إلى أن البعض على الأقل من مساعدي مشعل قد يخسرون مقاعدهم في المكتب السياسي "الخارجي" البالغ عدد أعضائه خمسة عشر عضواً. كما أن أحد البارزين من الخارج - وهو مصطفى اللداوي، أحد قادة «حماس» من الجيل الأول الذي أبعدته إسرائيل من قطاع غزة - كان أول من تحدث علناً ​​ضد مشعل. وفي وقت لاحق تم اختطاف اللداوي، من منزله في مخيم اليرموك للاجئين بالقرب من دمشق، لبضعة أيام في أواخر نيسان/ أبريل. ويعتقد على نطاق واسع أن المسلحين المجهولين الذين ألقوا القبض عليه كانوا من التنفيذيين الذين وظفهم بقايا حاشية مشعل.

ويأتي التحدي الرئيسي لفصيل خالد مشعل في خارج المنطقة من نائبه ومنافسه موسى أبو مرزوق، الذي سمحت له السلطات المصرية بأن يستقر في القاهرة بعد حل المقر في دمشق، في حين اضطر مشعل إلى "نصب خيمته" في العاصمة القطرية الدوحة. وكونه مواطن من مدينة رفح في جنوب قطاع غزة حقق أبو مرزوق علاقات أوثق مع القيادة في غزة أكثر مما قد يأمل خالد مشعل (في الأصل من قرية في الضفة الغربية) في تحقيقه. ولا ينبع التنافس بين الاثنين من الخلافات الأيديولوجية، ولكن بصورة رئيسية من المنافسة الشخصية القائمة بين الإثنين منذ فترة طويلة، [وبالذات] منذ أن حل مشعل محل أبو مرزوق كرئيس «حماس» عندما اعتُقل الأخير في الولايات المتحدة.

الدلالات

في النهاية من المرجح أن يسيطر مزيج من جيش غزة ومعسكر أبو مرزوق على مؤسسات القيادة العليا، أي "مجلس شورى «حماس» العام" الذي يتكوّن من ستين عضواً من جميع المناطق و"اللجنة التنفيذية" المكونة من تسعة عشر عضواً التي تدير الشؤون اليومية للجماعة.

ومن جانبه سوف يتمتع مشعل بدعم معظم (ولكن ليس جميع) ممثلي الضفة الغربية، إلا أنه لن يحظى بأغلبية. وثمة بعض الدلائل التي تشير بأنه ربما يعاد انتخابه كرئيس لـ "اللجنة التنفيذية" على الرغم من أنه أعلن في لقاء سري لـ «حماس» في الخرطوم في وقت مبكر من هذا العام بأنه لا ينوي الترشح لولاية ثالثة. وكان يأمل على ما يبدو أن يناشده زملاؤه بأن يغير رأيه لكن ذلك لم يحدث. ومع هذا، لا يسعى منافسيه إلى الإطاحة به بل يريدون أن يحدّوا من قدرته على المناورة وإخضاعه لحكم الأغلبية. وليست لديهم مصلحة في خلق انقسام علني في الحركة، وحتى أشد منتقديه يدركون مدى شعبيته بين الفلسطينيين.

لقد سعى مشعل قبل الانتخابات إلى قيادة «حماس» باتجاه اتفاق مصالحة شامل مع «فتح» وكان مستعداً للتضحية باحتكار الحركة للسلطة في غزة لتحقيق هذه الغاية. وكان أمله الفوز في انتخابات مقبلة في الضفة الغربية والاستيلاء على "منظمة التحرير الفلسطينية." وتم بشدة رفض هذه السياسة وفي النهاية أحبطها خصومه في غزة حيث رفضوا تفكيك حكومة «حماس» هناك معتبرين القطاع "حصناً" تم الاستيلاء عليه ويجب عدم التخلي عنه مطلقاً وأنه - وفقاً لكلام هنية - "أقصر طريق إلى المسجد الأقصى".

وعلاوة على ذلك، بينما يتطلع مشعل إلى إعادة صياغة «حماس» باعتبارها حركة «إخوان مسلمين» فلسطينية تمشياً مع اتجاه "الربيع العربي" في بلدان أخرى، يريد خصومه الحفاظ على مكانة الحركة كمقاومة مسلحة. ومثله مثل بعض أعضاء غزة، يؤمن مشعل أيضاً بأنه ينبغي على «حماس» أن تحتفظ بمسافة بينها وبين إيران على الرغم من أنها تتلقى نحو 400 مليون دولار سنوياً من طهران. غير أن الجناح العسكري - وبالتأكيد العَلَمي - لا يرى بديلاً لقيام تعاون وثيق مع الجمهورية الإسلامية كونها المورد الرئيسي لهم. ويريدون أيضاً الحد من الدعم الإيراني المكثف لتعزيز حركة "الجهاد الإسلامي الفلسطيني" من الناحية العسكرية للمنافسة مع "كتائب القسام".

وقبل أن يقرر مغادرة دمشق، كان مشعل يتمتع بالميزة على مسؤولي «حماس» في غزة، بسبب تحكمه في الأمور المالية وإشرافه على تهريب الأسلحة إلى القطاع. وقد تحول مركز الثقل الآن مرة أخرى إلى القيادة في غزة، القادرة على تطوير شبكة الدعم الخارجي الخاصة بها نظراً للاضطرابات في مصر المجاورة.

ونتيجة لذلك فإن قدرة مشعل على قيادة الحركة قد ضعفت بشكل حاد، فلم يعد هو الأول بين مناظريه بقدر ما يبقى مجرد رئيس صوري. وأي خطوة يخطوها من الآن فصاعداً يجب الموافقة عليها سلفاً من قبل شركائه في غزة، وستكون المصالح العسكرية هي الغالبة على الأرجح في الحسابات السياسية في كثير من الحالات.

وفيما يتعلق بقضايا محددة، ليس هناك شك بأن «حماس» ستستأنف الحوار مع محمود عباس، لكن سيلزم الآن التوصل إلى مصالحة وفق شروط غزة. وتميل الجماعة أيضاً إلى أن تكون أكثر انتباهاً إلى الأولويات المصرية، وخاصة في الحفاظ على وقف إطلاق النار الفعلي مع إسرائيل، وتجنب المواجهات المفتوحة مع مصالح القاهرة في سيناء. وربما يفترض المرء أيضاً أن يتنامى نفوذ قطر لا سيما وأن مساهماتها لخزانة «حماس» قد وصلت في العام الماضي إلى أكثر من 200 مليون دولار. وأخيراً وعلى نحو يشبه كثيراً الطريقة التي أزاحت بها مؤسسة السلطة الفلسطينية "منظمة التحرير الفلسطينية" فإن قيادة غزة المحلية تكسب الآن أرضاً على حساب القيادة الخارجية.

 

إهود يعاري هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن ومقره في إسرائيل.