أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2233

إعادة النظر في الجهود الأمريكية المرتبطة بمكافحة التطرف العنيف بعد عام من تفجيرات بوسطن

جون كوهين

متاح أيضاً في English

28 آذار/مارس 2014


"في 26 آذار/مارس 2014، خاطب وكيل وزارة الأمن الوطني الأمريكية لشؤون الاستخبارات والتحليل/المنسق لمكافحة الأرهاب جون كوهين، منتدى سياسي خاص في معهد واشنطن. وفيما يلي ملخص المقرران لملاحظاته."

 

يتسم التهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة من جانب التطرف العنيف في الوقت الحالي بطبيعته المتغيرة. ففي أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر مباشرة، كان الاهتمام الأساسي ينصب على منع الهجمات التي تشنها منظمات إرهابية مركزية مثل تنظيم «القاعدة». وكانت سمة تلك الهجمات أنها تأتي من الخارج وأن دوافعها أيديولوجية. وفي حين أن منع الهجمات التي تشنها «القاعدة» والجماعات التي تدور في فلكها يظل أولوية جوهرية، فقد تعلمنا على مدار السنين أن الهجمات التي تخلف خسائر بشرية كبيرة يمكن أن يجري تنفيذها أيضاً داخل الولايات المتحدة، من قبل فاعلين محليين ربما تكون لديهم شكوى أو مظلمة ما ضد أماكن عملهم أو أي أفراد آخرين، رغم أنهم غالباً ما يستخدمون التكتيكات ذاتها. وربما من المناسب الحديث هنا عن هذا الموضوع بعد عام من تفجير ماراثون بوسطن، ذلك الحدث الذي يصور بيئة التهديد الحالية من عدة جوانب، مع إظهار كيف ينبغي تطوير طرق مواجهة التطرف العنيف بشكل مستمر. ومع ذلك، فإن الإرهابيين، والإرهابيين المحتملين، يتأقلمون أيضاً مع الأوضاع بشكل مستمر، من خلال مراجعة ما تفعله الولايات المتحدة وكيفية تجاوبها مع الأحداث.

مخاوف اليوم

لا تزال التهديدات القادمة من خارج الحدود الأمريكية مثار اهتمام بالغ. فها هي «القاعدة»، سواء في شبه الجزيرة العربية أو شمال أفريقيا أو في مكان آخر، لا تزال تستهدف ضرب البنية التحتية للطيران والأهداف الأمريكية في الخارج، ولا يزال تركيز أعضائها منصباً على شن الهجمات على الولايات المتحدة. كما أصبحت سوريا هي الأخرى مثار قلق كبير، وستظل تحتل أولوية قصوى. وبسبب الصراع الدائر فيها، أصبحت بلاد الشام نقطة تلاقي للمتطرفين ذوي التوجهات العنيفة من جميع أنحاء العالم، مما يتيح لهم الفرصة لتأسيس شبكات غير رسمية للتواصل الاجتماعي مع أفراد يتبنون الفكر ذاته. إذ يمكن غرس الأفكار في أذهان المقاتلين الأجانب، وتزويدهم بالتدريب، وتحسين قدراتهم هناك، قبل أن يعودوا من جديد إلى بلدانهم في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا. لهذا، يعدّ أولئك القادمون من البلدان التي يمكن دخولها دون تأشيرة مثار قلق خاص، على الرغم من أن إمكانية رجوع أي شخص متطرف من ذوي التوجهات العنيفة إلى الولايات المتحدة وبقائه على اتصال مع شبكة العملاء المتمرسين التي ينتمي إليها، سوف يمثل مشكلة فريدة من نوعها وتحدياً لسلطات مكافحة الإرهاب.

وبناء على ذلك، يعد التعاون مع المجتمعات المحلية من الأمور ذات الأولوية القصوى، حيث إن الأدوات التقليدية مثل الجهات الاستخباراتية والقوة العسكرية والعلاقات مع قوات إنفاذ القانون الدولية، لا تكون دائماً هي الوسائل الأفضل لتحديد المقاتلين الأجانب الذين يشكلون تهديداً أو لمنع الهجمات قبل مغادرتهم الولايات المتحدة أو فور عودتهم إلى أرض الوطن. وسوف تستمر وزارة الأمن الوطني الأمريكية في العمل مع جميع شركائها ذوي الصلة، بما في ذلك السلطات الدولية والاتحادية، والحكومية الخاصة بالولاية، والمحلية والقبلية والإقليمية، فضلاً عن منظمات القطاع الخاص والمنظمات العقائدية، من أجل حل مسألة المتطرفين أصحاب الفكر العنيف ممن يسافرون إلى سوريا ويمثلون تهديداً على الولايات المتحدة.

المنظور المحلي                                      

يتعين على الحكومة الأمريكية أيضاً الاعتماد على القدرات المختلفة لاكتشاف وتخفيف التهديدات التي تنشأ داخل الولايات المتحدة، والتي قد لا يرتبط بعضها بعلاقة عملياتية مباشرة مع إرهابيين أجانب. وقد يضم هذا النوع من التهديد أشخاصاً يعيشون في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة أو ولدوا فيها. وقد تمكنت الحكومة الأمريكية من إحراز تقدم كبير في الكشف والتخفيف من التهديدات خارج الولايات المتحدة، إلا أنه لا بد لها أن تستخدم مجموعة مختلفة من الأدوات داخل أمريكا، وعليها أن تعمل وفقاً لمجموعة مختلفة من القوانين وتضمن تنفيذ جهود تخفيف التهديدات بطريقة تحمي حقوق الخصوصية والحريات المدنية.

وفي الوقت الراهن، ينصب تركيز جهود وزارة الأمن الوطني على المجتمعات المحلية، التي يجب تمكينها لمنع شن هجمات عنيفة من خلال إدراك المؤشرات التحذيرية للتهديدات وتقييم الخطر القائم واستخدام الأدوات المحلية الحالية المتعددة للتخفيف من التهديدات. ومن بين تلك الأدوات تحقيقات "مكتب التحقيق الفيدرالي" أو وكالات إنفاذ القانون المحلية، لكن ذلك يمكن أن يشمل أيضاً - اعتماداً على التهديد - التدخل من قِبَل متخصصين في الصحة العقلية، أو الشخصيات الدينية، أو الآباء، أو الأصدقاء، أو الأشقاء. وعندما تلتحم المجتمعات معاً ويكون لديها الوعي والمقدرة الكافيان للتعرف على التهديدات المحتملة واستخدام أساليب متعددة الجوانب لمواجهتها، فعندئذ تكون أكثر قدرة على منع وقوع حوادث عنيفة مثل إطلاق النار في المدارس وعنف العصابات والهجمات بدافع من الأيديولوجيات المتطرفة.

لقد ثبت نجاح هذا النوع من التعاون مع أفراد المجتمع في مجال إنفاذ القانون المحلي. وتشمل الأمثلة على ذلك، جهود مكافحة التطرف العنيف في مقاطعة مونتغومري بولاية ماريلاند، ولوس أنجلوس، ومينيابوليس/سانت باول- وفي الحالة الأخيرة، جرت الاستفادة من الانخراط المجتمعي في مواجهة كل من عنف العصابات وتجنيد الأفراد الذين يسعون للانضمام إلى حركة "الشباب" في الصومال. وفي مثل تلك الحالات، أدى إنفاذ القانون المحلي إلى تأسيس شراكة قائمة على الالتزام مع المجتمع، فضلاً عن خلق منصة للتعامل مع مسألة الوقاية من العنف.

ومن جانبها، قالت الجاليات الأمريكية المسلمة والعربية، بالإضافة إلى المجموعات العقائدية الأخرى، للسلطات "لا تأتوا إلينا لتقولوا إنكم فقط تريدون العمل معنا بشأن مشكلة التطرف العنيف؛ فهذا يجعل الأمر يبدو كما لو كنا جزءاً من المشكلة". وتدرك وزارة الأمن الوطني أن تلك المجتمعات إنما تشكل جزءاً من الحل- وتعمل كشركاء لجعل المجتمعات الأمريكية أكثر أمناً ويعني ذلك العمل من أجل تحقيق هدف متبادل. وهذا الأمر له مغزى من الناحية العملياتية ويرسل رسالة بالغة القوة. وفي حين أن مثل تلك الشراكات تقوم على المسؤولية الجماعية، فإنها تصبح قوية بما يكفي للتعامل مع مجموعة كبيرة من مشاكل المجتمع. لذا ففي الواقع أن أسلوب الولايات المتحدة للتعامل على مكافحة التطرف العنيف يتمثل في تمكين المجتمعات المحلية من أجل فهم التهديدات التي تواجهها بشكل أفضل، والعمل معاً لاستخدام مواردها الحالية لمنع وقوع أحداث عنف بغض النظر عن الأيديولوجيا.

ما تقوم به وزارة الأمن الوطني

قامت وزارة الأمن الوطني الأمريكية - بشراكة مع "مكتب التحقيقات الفيدرالي"، و "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب"، وغيره من المنظمات - بإجراء تحليل موسع بشأن الحالات الماضية للهجمات المتطرفة العنيفة، وذلك من خلال فحص المسار الذي يسلكه الأفراد عند اتخاذهم قراراً بشأن الرد بعنف على شكوى أو مظلمة معينة، سواء أكانت أيديولوجية أم لا. وتبحث وزارة الأمن الوطني في السلوكيات والمؤشرات التي تمت ملاحظتها من جانب أفراد الأسرة أو أعضاء المجتمع، أو غيرهم. كما تدرس أيضاً الأساليب المتخصصة - أي كيفية إعداد أولئك الأشخاص لشن الهجمات أو الكيفية التي تم بموجبها تعطيل مخططاتهم أو ما الذي غاب عنهم وسمح لهم بمتابعة مخططاتهم. وعندئذ تكون الوزارة في وضعية أفضل تتيح لها مساعدة المجتمعات لتصبح على دراية بالمؤشرات التي ينبغي عليهم البحث عنها خلال سعيها لمنع وقوع أعمال عنف.

وقامت وزارة الأمن الوطني أيضاً بعمل أبحاث عن العوامل المجتمعية والبيئية التي قد تسهل انخراط شخص ما في المسار نحو العنف القائم على دوافع أيديولوجية. وحتى الآن، أظهر هذا البحث أنه قد يكون لدى مجموعة فرعية من سكان أمريكا، استعداد لتبني السلوك العنيف لأسباب مختلفة، وأن ثمة مجموعة أصغر من أولئك الأشخاص يمرون بعملية تطور حتى يصبحوا مستعدين فعلياً لارتكاب أعمال عنف للتعويض عن شكاية أو ظلم يتعرضون له. وبصرف النظر عن دوافعهم المحددة، اكتشفت وزارة الأمن الوطني عدداً متزايداً من الأفراد ذوي التوجهات العنيفة ممن يتخذون مسارات مشابهة ويتبنون أسلوباً تكتيكياً مشابهاً في الإعداد لأعمال العنف وتنفيذها. على سبيل المثال، انخرط المسلح النرويجي اندرس بريفيك والمسلح جيمس هولمز من كولورادو في مسارات تطورية مشابهة، وكانت لديهما خلفيات نفسية مماثلة، وعاشا في بيئات مشابهة. وقد كانت شكاواهما مختلفة جداً، إلا أن خططهما تضمنت أساليب غاية في التشابه.

لقد عمل الدور المتطور للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي على زيادة عدد الأفراد المنخرطين في هذا المسار. ففي السابق، كان على المتطرفين ذوي الميول العنيفة التعاون على أرض الواقع وليس في العالم الافتراضي، لكن شبكة الإنترنت أتاحت تسهيل رحلتهم من التطرف إلى العنف، والتواصل بسهولة أكبر مع الآخرين الذين يشاطروهم [نفس] الأيديولوجيات، وتجنيد الأعضاء المحتملين لمنظمة متطرفة عنيفة، والحصول على المعرفة والمواد للقيام بهجمات، والأهم من ذلك كله، الإعداد للهجمات حتى دون ترك منازلهم.

من المنظور الوقائي، يغير هذا الأمر من النموذج النمطي بشكل جوهري. فالسلوكيات التي كان يمكن ملاحظتها والإبلاغ عنها في العالم الفعلي قد لا يمكن ملاحظتها في العالم الافتراضي. والسؤال الذي يطرح نفسه على وزارة الأمن الوطني: ما هي أفضل طريقة لتضمين السلوك على الإنترنت في جهود الوقاية.

دعم الجهود المحلية

سعت وزارة الأمن الوطني أيضاً إلى بناء علاقات مع المنظمات الدينية الوطنية، بما يساعد في إقامة لجنة استشارية متعددة الأديان. وكان الغرض من هذه اللجنة في البداية أن تكون عبارة عن قناة لمشاركة المعلومات، إلا أنها تطورت منذ ذلك الحين إلى أن أصبحت مجموعة تساعد على التخفيف من الحوادث التي يمكن أن تؤدي إلى حدوث توترات في المجتمعات، وبالتالي إلى حالات يحتمل أن تكون عنيفة.

وتقوم وزارة الأمن الوطني أيضاً بالانخراط مع السلطات المحلية في جميع أنحاء الولايات المتحدة. إذ تتولى تدريب سلطات إنفاذ القانون المحلية بهدف التعرف على السلوكيات والمؤشرات المرتبطة بتهديدات معينة مصاحبة للتطرف العنيف والإرهاب والنشاط الإجرامي، فضلاً عن السلوكيات التي تعد جزءاً من النشاط الديني أو الثقافي المكفول دستورياً. وهذا الأمر من شأنه أن يساعد المسؤولين في الصفوف الأمامية على التمييز بين السلوكيات الإجرامية وتلك التي يحميها الدستور. وبشكل إجمالي، تم إحراز تقدم كبير في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت اليوم الروابط بين الحكومة الفيدرالية والمجتمعات المحلية أكثر قوة.

 

أعد هذا الملخص المقرران جوناثان بروخوف و كيلسي سيغاوا