أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2331

تأملات في الإسلام السياسي: من «الإخوان المسلمين» إلى «الدولة الإسلامية»

المحاضرة السنوية التذكارية السابعة لإحياء ذكرى زيئيف شيف - عام 2014

شمعون شمير

متاح أيضاً في English

29 تشرين الأول/أكتوبر 2014


"في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2014، ألقى البروفيسور شمعون شمير من جامعة تل أبيب الكلمة الرئيسية في المحاضرة السنوية التذكارية في معهد واشنطن لإحياء ذكرى زيئيف شيف لعام 2014. وتقام هذه المحاضرة سنوياً تكريماً للمراسل الموقر للشؤون الدفاعية والمفكر الأستراتيجي والصديق القديم للمعهد.  وفيما يلي ملخص المقررة لكلمة البروفيسور شمير وجلسة الأسئلة والأجوبة التي تبعتها. بإمكانك قراءة خطابه كاملاً من خلال تحميل ملف الـ "پي.دي.إف". "

الإسلام السياسي هو من الناحية التاريخية حركة حديثة. وفي حين يدّعي أتباع هذه الحركة أنها عبارة عن جهد محلي بحت يهدف إلى تطهير العناصر الأجنبية التي اخترقت الإسلام في العصر الحديث، فإن المفارقة هي أن الإسلام السياسي نفسه وُلد جراء الاحتكاك ما بين الولاءات الدينية والوقائع الحديثة التي يهيمن عليها الغرب. ومنذ البداية، ازدهرت الحركة في الأماكن التي سادت فيها السلطة والثقافة الغربية، إذ إن العديد من النشطاء الإسلاميين هم من المتخصصين الذين لقوا تعليمهم في الغرب وأمضوا سنوات في أوروبا أو الولايات المتحدة، في حين تم تشكيل العديد من الخلايا الإرهابية من قبل مسلمين يعيشون في مدن ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا. وهذا الإرتباط بالغرب سهّل عليهم استيعاب الأساليب والأدوات الحديثة، بما فيها الأسلحة واتصالات الإنترنت والطائرات والأنظمة المصرفية والهواتف الذكية، وهكذا دواليك.

في بداية الثلاثينات، أنشأت جماعة «الإخوان المسلمين» بعض العناصر الأساسية للإسلام السياسي وهي: اعتبار تطبيق الشريعة الهدف المطلق، وإعلان الجهاد، والسماح بالاغتيالات السياسية، واعتبار الأمة الإسلامية أهم من الدولة القومية، وخلق قيادة سياسية روحية ملزمة. وفي العقود التي تلت ذلك، شهدت الحركات الإسلامية ثلاثة تطورات رئيسية هي: التطرف، والعولمة، والأقلمة.

وفي البداية، ألهم المفكرون الشعبيون - مثل سيد قطب في مصر - الإسلاميين على التشديد على الجهاد الهجومي بدلاً من الجهاد الدفاعي، والتركيز على الغرب - والمسلمين من حلفاء الغرب - كأهداف لهم. في وقت لاحق، لعبت العولمة دوراً في هذا الإطار عندما توافد المجاهدون من جميع أنحاء العالم الإسلامي للمشاركة في الصراعات الدائرة في أفغانستان والبوسنة، ليعودوا بعد ذلك إلى أوطانهم مدربين جيداً ومقتبسين الأفكار والعقائد، ويكونوا على استعداد لتشكيل شبكات واسعة من النشاط الإسلامي السياسي. ويُذكر أن تنظيم «الدولة الإسلامية»/«الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») يشكّل المثال الأحدث على الاتجاه الثالث ألا وهو: سيطرة الإسلاميين على أراضٍ خاصة بهم تكون لهم فيها حرية إنشاء المؤسسات، وتطبيق الشريعة كقانون للدولة، وتشكيل الجيوش النظامية، واستخدام المدارس ووسائل الإعلام لنشر أيديولوجيتهم، فضلاً عن تجنيد المزيد من الأتباع والتدخل في بلدان أخرى.

أما بالنسبة إلى سبب ظهور الإسلام السياسي ونموه في المقام الأول، فقد كان إلى حد كبير نتاج الارتباك والإذلال والإحباط، وهي عوامل نتجت عن الغزو الغربي لأراضي المسلمين وعن الاكتشاف اللاحق بأن الغرب يمتلك ثروة أكبر، وعلوم وتقنية أكثر تقدماً، وصناعات مزدهرة، ومؤسسات سياسية مثيرة للإعجاب، وأفكار مبتكرة. ولم تؤدِ عملية تحرير هذه الأراضي في النهاية سوى إلى اشتداد الأزمة، ذلك لأنها كشفت عن أن مشاكلها لم تنتج فقط عن الاحتلال كما أدُعي، ولكنها كانت أيضاً مشاكل داخلية. ومنذ ذلك الحين استمرت هذه المشاكل، إذ أظهرت نتائج الخبراء العرب الذين أعدّوا "تقرير التنمية الإنسانية العربية" الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2002، أن دول المنطقة تتخلف عن معظم دول العالم في جميع أبعاد التنمية: الأقتصادية والأجتماعية والمدنية والسياسية والثقافية.

وعلى مر السنين، تحول الإحباط في صفوف العديد من المسلمين بسبب ظروفهم إلى شعور بالغضب، وأتى الإسلاميون ليعبروا عن هذا الشعور ويضخموه ويستمدوا قوتهم ونفوذهم من انتشاره. وإلى جانب إلقاء اللوم على الخارج، تخطت عقائدهم هذه الفكرة بخطوة: إذا كان الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، هو مصدر المآزق للمسلمين، فمن ثم يجب تعبئة المسلمين للجهاد ضده. والملاحظ أن هذه العقلية من الإسلام السياسي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، ويعززها الاقتناع المتزايد بأن حظوظ الغرب في تضاؤل. وفي الوقت نفسه، أثبت الإسلام السياسي متانته، لذا يتعين على صانعي القرار أن يعيدوا النظر في توقعاتهم القائلة بأن "الحرب على الإرهاب" وحدها ستقضي على التهديد الذي يطرحه. واليوم اتخذ الإسلام السياسي موقعه حرفياً على الخارطة ويجب التعامل معه وفقاً لذلك.

ومع ذلك، لا يدرك عدد كبير جداً من الغربيين - وخاصة في أوروبا - أبعاد الإسلام السياسي كاملة، وحقيقة أن أتباعه يكرهون الغرب ليس فقط من جراء أفعاله، ولكن أيضاً بسبب ما هو عليه. إن سوء الفهم هذا وغيره يعرقل صياغة سياسات فعّالة للتعامل مع التحدي الذي يطرحه الإسلام السياسي. على سبيل المثال، عندما ظهرت حركة «حماس» للمرة الأولى في قطاع غزة في الثمانينات، لم تكترث السلطات الإسرائيلية بدراسة علاقتها بجماعة «الإخوان المسلمين»، التي كانت ستظهر لها غياب الفصل الحقيقي ما بين الأهداف الاجتماعية -الدينية والسياسية والعسكرية للحركة. ولم تقم السلطات بحظر الحركة سوى في وقت لاحق، بعد أن نمت قوتها بشكل ملحوظ.

وفي الآونة الأخيرة، أجرى مسؤولون أمريكيون حسابات خاطئة مشابهة في سياق تعاملهم مع جماعة «الإخوان» في مصر. فإذا كانت واشنطن قد فهمت الواقعية السياسية المؤقتة لـ «الإخوان» بشكل أفضل، كانت سترى على الأرجح أن «الجماعة» هي كما كانت دوماً - أي حركة ظهرت كرد متشدد على الغرب ولا تزال ملتزمة بفرض الشريعة في مصر. إن سوء الفهم هذا قد أثار الدهشة ليس فقط بين العديد من المصريين، ولكن في الأردن والمملكة العربية السعودية، اللتان بدأ زعماؤهما يشككون في مصداقية الشراكة مع الولايات المتحدة بعد عام 2011.

إن العبرة من هذا الوضع تبدو واضحة: ففي حالات مشابهة لقيام الثورة المصرية، على الطرف الخارجي الذي لا يألف وضع المجتمع المختلف، ولا يلم بشكل كافٍ بثقافته، ولا يدرك بدقة طبيعة القوى المشاركة في اللعبة، ألا ينحاز إلى أي طرف. وفقط إذا برزت إحدى هذه القوى كتهديد خطر لمصالحه الحيوية، يجب على هذا الطرف الخارجي أن يتدخل - كما هو الحال بالتأكيد مع «داعش» في سوريا والعراق في  الوقت الراهن.

من جلسة الأسئلة والأجوبة

يجدر بالولايات المتحدة والغرب أن يفهما أن توقعاتهما حول مجتمع الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون نفسها المتعلقة بالمجتمع الغربي. ويقيناً، أن الشكوك حول ما إذا كانت البلدان الإسلامية قادرة على أن تكون دولاً ديمقراطية هي شكوك خاطئة تماماً مثل تلك التي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي حول ما إذا كانت البلدان الكاثوليكية قادرة على أن تكون دولاً ديمقراطية. إن بعض عناصر الإسلام تدعم الديمقراطية، بينما لا يدعمها البعض الآخر. وفي النهاية، يعتمد ذلك على الشعب وعلى كيفية تفسيره للإسلام.

بيد أن الافتراض السائد في الغرب - بأنه عندما يتم إقصاء ديكتاتور ما، سيتم إرساء الديمقراطية بعد ذلك - لا يعكس الواقع. فالانتخابات لا تعني الديمقراطية ما لم تنتج عن القاعدة الشعبية، الأمر الذي لم يحدث بعد في معظم المجتمعات العربية. إلى جانب ذلك، فإن الدور الذي تلعبه الأيديولوجيات الدينية أقوى بكثير من ما يمكن أن يُفهم بناءً على التجربة الغربية. فالفصل ما بين الدين والدولة، الذي يشكل موضوعاً جوهرياً في الغرب، ليس مقبولاً لدى معظم المسلمين العرب.

إن العديد من هذه القضايا واضحة بسهولة في مصر، حيث أطاح الشعب بالرئيس السابق حسني مبارك، وأجرى انتخابات حرة، وصوّت لصالح وصول الإسلاميين إلى السلطة، وبعد ذلك، عندما اكتشف أن ما حصل كان خطأً، بحث عن بديل كان بشكل أو بآخر يشبه الرئيس السابق مبارك في طريقة الحكم، وهو الرئيس عبد الفتاح السيسي، القائد الذي أتى من خلفية عسكرية مثله مثل الرئيسين السابقين جمال عبد الناصر وأنور السادات. وعلى الرغم من شكوك الغربيين من السياسة التي لا تتطابق مع توقعاتهم الديمقراطية، عليهم أن يدركوا أن هذا ما يمكن للمصريين، ومعظم [شعوب] الدول العربية الأخرى، المحافظة عليه في هذه المرحلة من تاريخهم.

وفي المرحلة القادمة، من مصلحة الولايات المتحدة تطوير التعاون مع مصر قدر المستطاع، لأنها الدولة الأكثر أهمية في العالم العربي. إن الحكومة الحالية في القاهرة واقعية، ومستعدة للعمل مع الغرب ومنفتحة على التعاون مع إسرائيل في المسائل الأمنية.

وفي مكان آخر، تشكّل الحملة التي تقودها الولايات المتحدة في مواجهة «داعش» علامة إيجابية، إلا أن الانطباع العام السائد هو أن أمريكا مرهقة من تدخلاتها في جميع أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، اختارت واشنطن على ما يبدو مقاربة وسطية: قصف أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية»  من دون الالتزام بالمشاركة في قوات برية. إلا أن الخطر يكمن في فكرة أن حملة القصف الجوي تؤكد صحة إدعاءات التنظيم حول حربه ضد الغرب، مما يعزز جهود التجنيد التي تقوم بها هذه الجماعة الجهادية. وبالتالي، يتجلى العامل الرئيسي لهزيمة «داعش» أيديولوجياً في هزيمتها عسكرياً، لأن التنظيم يستمد شرعيته من النجاح العسكري.

ومن جانبها، تنظر إسرائيل إلى «الدولة الإسلامية» كونها تنظيم يشكل تهديداً خطيراً للغاية. فمقاتلو الجماعة موجودون على خط وقف إطلاق النار في الجولان، إلى جانب «جبهة النصرة» - ذراع تنظيم «القاعدة». كما يقلق الإسرائيليون كذلك من الأردن، حيث تحتشد «داعش» على حدودها أيضاً وتنظر إلى النظام الهاشمي بأنه غير شرعي. و في سيناء، يندفع التنظيم الإرهابي «جماعة أنصار بيت المقدس» نحو مسار «داعش».

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فمن المهم أن نتذكر الدور المحوري الذي تلعبه الأيديولوجية في سياسة الشرق الأوسط. فأيديولوجية منظمة التحرير الفلسطينية هي فكر سياسي، وبالتالي فمن الممكن التوصل إلى حل وسط إذا ما اختاره مؤيديها. ومع ذلك، تشكّل الأيديولوجية الدينية مسألة مختلفة: فزعمها بالشرعية هي حكمة إلهية، وليست إرادة شعبية، لذا لا يمكنها تغيير الأهداف، على الرغم من أنه يمكنها أن توافق على تقديم تنازلات مؤقتة مثل وقف إطلاق النار. ويُشار إلى أن للحركة الفلسطينية تاريخ طويل في الجمع ما بين الأيديولوجية السياسية والدينية. فـ «حماس» على سبيل المثال، تتمتع بأيديولوجية إسلامية سياسية ومع ذلك لا تزال تطمح إلى تمثيل القومية الفلسطينية. ولكن مثل هذه التناقضات شائعة بين الحركات السياسية، وينبغي ألا تحجب الطبيعة الباطنية للجماعات مثل «حماس».

 

أعدت هذا الملخص علا عبد الحميد الرفاعي.