أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 1943

الانتخابات الرئاسية لن تنهي حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مصر

اريك تراجر

متاح أيضاً في English

22 أيار/ مايو 2012


"لا تملك واشنطن سوى نفوذاً محدوداً للتأثير على نتيجة انتخابات هذا الأسبوع، والتي يبدو أن جميع مرشحيها البارزين غير راغبين في الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة. لكن يمكنها تشجيع الجيش المصري على الحد من احتمالية وقوع انتفاضة أخرى."

 

على الرغم من الانفتاح النسبي وعدم القدرة على تنبؤ الانتخابات الرئاسية الأولى في مصر ما بعد مبارك التي ستجرى يومي الأربعاء والخميس، من المرجح أن تعزز النتيجة اتجاهين مقلقين. أولاً، هيمنة الأيديولوجيات المتطرفة على السياسات المصرية على نحو متزايد، مما يعمل على توجيه الدولة في اتجاه ثيوقراطي معادي للغرب. ثانياً، زيادة حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها مصر بشكل كبير، في الوقت الذي سيشق فيه الرئيس الجديد طريقه بجهد أمام مراكز القوى الأخرى، بما فيها الجيش والبرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون.

الخلفية

تأخذ الانتخابات شكل المنافسة بين أعضاء نظام مبارك السابقين والإسلاميين. ومن بين المرشحين الثلاثة عشر يُنظر إلى أربعة منهم كمنافسين فعليين وهم: الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى الذي شغل منصب وزير الخارجية في زمن حسني مبارك في الفترة 1991-2001 ؛ قائد القوات الجوية السابق أحمد شفيق الذي شغل منصب رئيس الوزراء الأخير في عهد مبارك؛ محمد مرسي الذي يرأس "حزب الحرية والعدالة" المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين»؛ عبد المنعم أبو الفتوح الذي كان سابقاً عضو في "مكتب الإرشاد" في جماعة «الإخوان المسلمين» والذي أطاحت به «الجماعة» العام الماضي عندما أعلن ترشيحه ضد رغبات المنظمة. (وهناك مرشح خامس وهو النائب الناصري السابق حمدين صباحي - الذي جاء في المرتبة الثانية في تصويت المغتربين الذي اختتم الأسبوع الماضي - ولكن يُنظر إليه على أنه مرشح يحظى بفرص غير مؤكدة للفوز).

ولم يظهر أي من هؤلاء المرشحين باعتباره صاحب الحظ الأوفر أثناء الحملات الانتخابية. وفي حين تشير استطلاعات الرأي إلى أن موسى يأتي في المقدمة وأن أبو الفتوح وشفيق يكتسبان قوة دفع وزخم، إلا أن معظم المصريين يبدون مترددين. إن انتصار الإسلاميين وحصولهم على نسبة 75 بالمائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي اختتمت في كانون الثاني/ يناير، يشير على ما يبدو إلى وجود دعم قوي لانتخاب رئيس إسلامي. إلا أن عدم الاستقرار المستمر قد أضر بشعبية الإسلاميين وزاد من حظوظ المرشحين المنتمين للنظام السابق الذين يستمدون شعبيتهم من الإعتقاد بأن بإمكانهم إعادة الأمن الداخلي. وعلاوة على ذلك، لا يمكن لاستطلاعات الرأي أن تعكس بدرجة كافية عوامل أخرى معينة، من بينها قدرات الحشد التي لا نظير لها لـ جماعة «الإخوان»، والتي ستعزز من أداء مرسي، ووصول شفيق إلى رؤساء العشائر الريفية المؤثرين - والكثير منهم دعموا سابقاً حزب مبارك الحاكم، واحتمال تدخل الجيش لدعم مرشح غير إسلامي مثل شفيق أو موسى. وإذا لم يفز أي من المرشحين بالأغلبية هذا الأسبوع، سوف يخوض المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات انتخابات الإعادة في 16- 17 حزيران/ يونيو.

إجماع سياسي جذري

على الرغم من أن عدم إمكانية تنبؤ نتائج الانتخابات يعكس القدرة التنافسية النسبية للسياسة في مرحلة ما بعد مبارك، إلا أن تقارب المرشحين حول المسائل المتعلقة بالسياسات الرئيسية يدل على الإجماع المصري حول اتباع موقف معادي للغرب وللأجانب، وعلى نظام قانوني قائم على الشريعة الإسلامية. وفي الواقع، تعكس مغزى الحملات الانتخابية دعماً قوياً لسياسات معادية للمصالح الغربية، حيث يدعو معظم المرشحين الرئيسيين إلى التعاطي مع إيران، كما أن المرشحين الإسلاميين يلقون خطابات أكثر عنفاً ومناهِضة للولايات المتحدة من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

فعلى سبيل المثال، وصف أبو الفتوح عملية اغتيال أسامة بن لادن بأنها "إرهاب من قبل دولة" واتهم واشنطن بالتآمر لـ "ضرب مصالح المسلمين". ويحظى أبو الفتوح بدعم العديد من الجماعات السلفية الرئيسية، بما في ذلك "الجماعة الإسلامية" المصنفة من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية. كما أن مرشح جماعة «الإخوان» مرسي قد تعهد في حال انتخابه، بأن يطالب الولايات المتحدة بالإفراج عن عمر عبد الرحمن، الملقّب بـ "الشيخ الضرير" والمُدان بتورطه في تفجير "مركز التجارة العالمي" عام 1993.

وكانت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل هي الهدف الأكثر شيوعاً للسياسة الخارجية للمرشحين الإسلاميين وغير الإسلاميين على حد سواء. فقد وصف أبو الفتوح اتفاقية كامب ديفيد بأنها تشكل "تهديداً للأمن القومي"، وخلال نقاش مع موسى وصف إسرائيل بأنها "عدو". ورد موسى بقوله - على الرغم من أنه عادة أكثر حذراً بشأن هذه القضية - إن إسرائيل "خصم" واتفق على ضرورة إعادة النظر في الاتفاقيات. ورغم أن أياً من المرشحين لم يدعوا إلى إلغاء الاتفاقية تماماً، أشار الإسلاميون إلى أنهم لن يتعاملوا مع القادة الإسرائيليين في حالة انتخابهم.

ويتقارب المرشحون على نحو مماثل في مسألة دعم نظام قانوني قائم على الشريعة. إذ دعا كل من مرسي وأبو الفتوح إلى "تطبيق الشريعة" وهو منهج أكثر صرامة من المنهج التفسيري في تطبيق الشريعة الذي تبنوه سابقاً. وفي غضون ذلك، فحتى موسى غير الإسلامي يؤيد الحفاظ على المادة الثانية من الدستور الحالي عندما صرح بأن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".

ويعد أحمد شفيق المرشح الوحيد الذي لا ينتهج أسلوباً معادياً للغرب ومؤيداً للشريعة. فقد ذكر رئيس الوزراء السابق أن تطبيق الشريعة "أمر صعب" متهماً الإسلاميين "باحتكار الدين لتمرير أجندتهم السياسية الخاصة" وأعرب عن تشككه حيال بدء علاقات مع إيران. كما دعَمَ قيام علاقات قوية مع الولايات المتحدة، وأكد حرصه على المحافظة على اتفاقية كامب ديفيد. ولكن انتخابه قد يعمِّق الاضطرابات الداخلية في مصر، ويخلق كابوساً سياسياً مختلفاً بالنسبة لواشنطن.

سوف تستمر حالة عدم الاستقرار في مصر

من غير المرجح أن تعمل الانتخابات على استعادة الاستقرار السياسي حتى وإن اتسمت عملية التصويت هذا الأسبوع بالنزاهة والمصداقية. وبداية، سوف تبقى صلاحيات الرئيس الجديد غير محددة بصورة واضحة في ظل عدم وجود دستور جديد، وسوف يخوض صراعاً على السلطة مع البرلمان الذي يهيمن عليه الاسلاميون ومع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة". وفي غضون ذلك، فحتى في حالة انتخاب شخصية عسكرية مثل شفيق، ليست هناك آلية ترغم "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على تحمل المسؤولية أمامه. ومن ثم قد يبقى الجيش مستقلاً في المستقبل المنظور، ويتدخل في السياسة متى خشي أن مصالحه الضيقة معرضة للتهديد.

و"المجلس الأعلى للقوات المسلحة" يتصرف بالفعل بهذه الطريقة. فقد ذكرت وسائل الإعلام المصرية المملوكة للدولة يوم الجمعة الماضي، أن المجلس سوف يصدر "إعلاناً دستورياً" معدَّلاً يتيح له الاحتفاظ بصلاحيات مطلقة في مراجعة شؤونه، بما في ذلك ميزانيته. كما أفادت التقارير بأن الإعلان الدستوري سيوسع من نطاق صلاحيات الرئيس، بما في ذلك سلطة حل البرلمان. وقد جاء ذلك عقب انتشار شائعات بأن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" يحاول حل البرلمان عن طريق أمر من المحكمة - وهو احتمال يمكن أن يشعل مواجهة حادة بين الجيش والاسلاميين.

كما أن الانتخابات لن توقف انزلاق مصر نحو الإفلاس أيضاً. فعلى الرغم من ازدياد احتياطي العملات الأجنبية بصورة طفيفة في الشهر الماضي، إلا أنها انخفضت بما يصل إلى 21 مليار دولار منذ اندلاع الثورة في العام الماضي وتقدر الآن بـ 15.2 مليار دولار فقط. وحدوث هبوط إضافي في هذه الاحتياطات قد يهدد الدعم للمواد الغذائية، الأمر الذي سيطلق العنان لفوضى لم يسبق لها مثيل نظراً لأن ما لا يقل عن 40 في المائة من المصريين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد.

وتمثل الانتخابات المرحلة التالية في عملية التحول فيما بعد عهد مبارك، لكن هناك مساحة ضئيلة للتفاؤل في واشنطن. ويبدو أن معظم المرشحين الرئاسيين البارزين غير راغبين في الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة، كما أن تدهور اتفاقات كامب ديفيد - التي تشكل عنصراً أساسياً في سياسة الولايات المتحدة في المنطقة لأكثر من ثلاثة عقود - هو أمر ممكن. وربما النقطة الأكثر إثارة للقلق هي أن الانتخابات لن تحل حالة عدم الاستقرار السياسي المستمرة في مصر، بل ربما تؤدي إلى تفاقمها نظراً لأن سلطات الرئيس لم تحدد دستورياً.

وللأسف، لا تحظى واشنطن سوى بنفوذ محدود للتأثير على النتيجة، ومن ثم فإن قرار إدارة أوباما بعدم الإعلان عن دعمها لأي مرشح فردي كان قراراً حكيماً. لكن بوسع واشنطن - ويجب عليها - أن تؤثر على المدى الذي تعمل معه الانتخابات على زيادة حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد. وعلى وجه التحديد، يتعين على الإدارة الأمريكية استخدام اتصالاتها المستمرة مع قادة مصر العسكريين للإصرار على أن تجري عملية التصويت بإنصاف. ومنذ أواخر آذار/ مارس، اتهمت جماعة «الإخوان المسلمين» الجيش بأنه يحاول التلاعب في الانتخابات، كما أن فرض قيود مشددة على مراقبي الانتخابات قد غذت هذه المخاوف. إن التصور القائم بأن شفيق يحظى بدعم الجيش قد يؤدي إلى وضع بالغ الحساسية في حالة كونه أحد المرشحَيْن اللذين سيخوضان جولة الإعادة.

يجب على واشنطن أن تضغط على "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لكي يتبنى عملية أكثر موثوقية لصياغة الدستور بدلاً من إصدار إملاءات تضمن دوراً رائداً للجيش. وإذا لم يحدث ذلك فإن الجيش سيمهِّد الطريق لقيام جولة جديدة من احتجاجات جماهيرية حاشدة من شأنها أن تعرقل بشدة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن الداخلي وعكس الوضع الاقتصادي المتردي بشكل متزايد في مصر.

وبالنظر إلى مصلحة الولايات المتحدة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، يجب أن تمثل احتمالات الفوضى في أعقاب الانتخابات المصرية تحذيراً قوياً لصناع السياسة. ومن ثم ينبغي على واشنطن أن تستخدم مساعداتها العسكرية البالغة 1.3 مليار دولار كوسيلة للتأثير، وتشجيع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على إدارة الفترة القادمة على نحو يقلل من احتمالية اندلاع انتفاضة أخرى - والتي يرجح أن يلعب فيها الإسلاميون دوراً رائداً.

 

إريك تراغر هو زميل الجيل التالي في معهد واشنطن.