أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2237

الرأي العام الفلسطيني يمنح عباس مساحة كافية للمناورة

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

9 نيسان/أبريل 2014


"في 4 أبريل 2014، خاطب ديفيد بولوك، دينيس روس، وروبرت ساتلوف منتدى سياسي في معهد واشنطن. ويستند المرصد السياسي التالي على تصريحات السيد بولوك؛ إنقر هنا لقراءة ملخص تصريحات السيد روس أو شاهد عرض الفيديو للمناسبة بأكملها. وسيتم نشر ملاحظات السيد ساتلوف بشكل منفصل."

 

بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة نحو إنقاذ محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية، أضحى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر استعداداً لقبول تنازلات دبلوماسية مما تشير إليه المواقف الرسمية أو توجهات النخبة. ويشير عدد من استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً من قبل مختلف خبراء رأي فلسطينيين في هذا المجال، إلى جانب المناقشات المتعمقة مع باحثين فلسطينيين وغيرهم في أواخر آذار/مارس، إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتمتع بقدر أكبر من الحرية لعقد صفقات عما كان متصوراً في الغالب. وتأتي استطلاعات الرأي المذكورة هنا من "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" و "مركز العالم العربي للبحوث والتنمية"، اللذيْن مقرهما في رام الله، و "المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي"، الذي مقره في بيت لحم.

"الشارع" الفلسطيني أكثر مرونة من نخبته

في اجتماعات خاصة عُقدت مؤخراً بين سياسيين وخبراء فلسطينيين في رام الله في أواخر آذار/مارس، أوضحت مناقشات دائرة حول استطلاعات الرأي الجديدة غير المنشورة ولكنها تحظى بقدر كبير من الموثوقية، أن عموم السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة غالباً ما يكونون أكثر ميلاً نوعاً ما نحو تقديم تنازلات عما تقدمه كبار شخصياتهم السياسية والإعلامية والمهنية والأكاديمية. على سبيل المثال، أظهرت مقارنة عقدت بين نتائج اثنين من استطلاعات "مركز العالم العربي للبحوث والتنمية" ["أوراد"] أجريت في شباط/فبراير و آذار/مارس أن 49% من عموم المستطلعين يؤيدون "المفاوضات المستمرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل" مقابل 39% من النخبة. وبالمثل، قال 44% من عموم المستطلعين، ولكن 31٪ فقط من النخبة، أنهم "قد" يقبلون بوجود عسكري إسرائيلي مؤقت في وادي الأردن.

وفيما يتعلق ببعض القضايا، يشير التباين إلى الاتجاه المعاكس؛ فعلى سبيل المثال، في استطلاع رأي حول إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح أجاب نصف النخبة الذين شملهم الاستطلاع بـ "ربما"، لكن الخُمس فقط ممن شملهم الاستطلاع من الشارع الفلسطيني أعطى الإجابة نفسها. ومع ذلك، وعند استطلاع رأي الشارع بخصوص حزمة شاملة تضم هذه التنازلات وغيرها، نجد أن 48% من الشارع يوافق عليها، بالمقارنة مع 41٪ فقط من النخبة الفلسطينية. ويؤيد استطلاع منفصل لـ "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" جرى بين 20-22 آذار/مارس، هذا التحليل لشريحة أكثر مرونة من الجمهور. ومن بين خريجي الجامعات، عارض 72% توسيع نطاق محادثات السلام؛ ولكن هذه النسبة كانت أقل من ذلك بكثير بين صفوف الأميين حيث بلغت 54%.

قضية الدولة اليهودية مسببة للشقاق بصفة خاصة، لكن عموم السكان أقل معارضةً لها

إن التفاوت بين توجهات النخبة وعموم السكان واضح بشكل خاص بشأن مسألة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. ففي اثنين من الاستطلاعات التي أجريت مؤخراً، رأى 15% فقط من النخبة أنهم "قد" يقبلون هذا الاقتراح - بيد أن 40% من عموم السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة أعربوا عن ذات الرأي. وقد أظهرت إحدى الدراسات المسحية أنه في حين يرفض ثلثا خريجي الجامعات إبرام صفقة تتضمن الاعتراف بالدولة اليهودية، إلا أن 43% فقط من الأميين يتبنون هذا الرأي. وقد أظهرت استطلاعات أخرى للرأي أنه منذ عام 2006 قبل ما يصل إلى ثلثي عموم الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة، الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، إلا أن هذا الرقم قد انخفض منذ ذلك الحين إلى نطاق 40%.

ومن المحتمل أن يعود سبب هذا الانخفاض إلى عدة عوامل وهي: إصرار الحكومة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة على هذا الشرط؛ والرفض الصارم من جانب الحكومة الفلسطينية له؛ والتراجع العام في الثقة الشعبية بشأن عملية السلام. وعلى الرغم من جميع هذه الإشارات السلبية الجديدة، فلا تزال تجدر الإشارة إلى أن هذه الأقلية الكبيرة من الشعب الفلسطيني تستمر في قوبل المفهوم المثير للجدل المتمثل في الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وعلاوة على ذلك، فمن المثير للدهشة أن المعارضة الأقوى لا تبدو متمركزة بين صفوف الجماهير، بل في الطبقات العليا.

القضايا الداخلية، وليس إسرائيل، تحظى بأولوية قصوى

من بين النتائج الأكثر إثارة للدهشة الواردة في أحدث تقارير هذه الدراسة المسحية أن أياً من القضايا المشار إليها سابقاً لا تتقدم في سُلّم الاهتمامات على الأولويات المحلية. وبالأحرى، فإن الفلسطينيين، مثلهم مثل معظم الناس في معظم الأماكن، يولون اهتماماً أكبر بالشؤون الداخلية من تلك الخارجية. وعندما طُلب ممن شملهم الاستطلاع اختيار "المشكلة الأخطر التي تواجه المجتمع الفلسطيني اليوم"، اختار نحو الثلثين القضايا الداخلية: الفقر والبطالة (27٪)؛ انعدام الوحدة الوطنية (21٪)؛ أو "الفساد في بعض المؤسسات العامة" (10٪). واختار رُبع واحد فقط منهم "استمرار الاحتلال وأنشطة الاستيطان" باعتبارها أكثر المشاكل التي يواجهونها خطورةً، في حين استشهد 10٪ بـ "الحصار وإغلاق المعابر الحدودية في غزة."

قضية السجناء أكثر إثارة للخلاف من المستوطنات

من المثير للاهتمام، أن آخر استطلاعات "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" يشير أيضاً إلى أن قضية السجناء هي أكثر بروزاً، وربما أكثر أهمية للجهود الرامية إلى إحياء محادثات السلام، من بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وسوف تتحول الآراء حول توسيع نطاق تلك المحادثات من نسبة الإجابة بالنفي التي بلغت 55% لتصل نسبة الموافقة إلى 51% إذا وافقت إسرائيل على تجميد بناء المستوطنات بشكل جزئي. ولكن الدعم لاستمرار المفاوضات سوف يقفز إلى 65٪ إذا فرجت إسرائيل عن المزيد من السجناء. وحتى أن أكثر من (68٪) من الذين شملهم الإستطلاع سيوافق على تأجيل الانضمام إلى هيئات دولية إضافية في مقابل إطلاق سراح وجبة جديدة من السجناء. وعلى نفس المنوال، أظهرت نتائج أحد استطلاعات "المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي" التي جرت في آذار/مارس أن ثلاثة أرباع الفلسطينيين يرون أن الإفراج عن السجناء قضية محورية للحفاظ على استمرارية محادثات السلام. ورداً على أحد الأسئلة المفتوحة، حصلت قضية السجناء على نسبة أعلى من قضية المستوطنات (35% مقابل 33%) كشرط لاستمرار المفاوضات.

تأييد واسع لبديل الأمم المتحدة؛ ربع ... سوف يختار "حل الدولة الواحدة"

أظهرت دراسة أجريت مؤخراً وجود دعم شعبي عارم (86%) يؤيد اتخاذ السلطة الفلسطينية خطوات أحادية الجانب للانضمام إلى المنظمات الدولية. واستفاضة في هذه النقطة، تشير دراسات أخرى إلى أن هذا التأييد سينخفض بشكل كبير، ليصل إلى حوالي 60%، إذا نجم عن هذا القرار فرض عقوبات اقتصادية أمريكية.

وهناك احتمال بديل أو أطول مدى يتمثل في العمل من أجل إقامة دولة واحدة تجمع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتمنحهم حقوقاً متساوية، وهو الاحتمال الذي يجذب حالياً تأييداً من ما يقرب من ربع عموم السكان، ويشمل ذلك حوالي 30٪ من سكان الضفة الغربية. وفي حين أن هذا لا يزال يمثل رأي أقلية، إلا أنه يمثل زيادة كبيرة على مدار السنوات الماضية. والأسباب الأكثر احتمالاً هي مزيج من تزايد خيبة الأمل الشعبية حول احتمالات التوصل إلى حل الدولتين، وتجديد التصورات حول التحدي الديموغرافي الفلسطيني لإسرائيل في النهاية، وزيادة الوعي تدريجياً بحركة نزع الشرعية عن إسرائيل باعتبارها "دولة فصل عنصري". 

الانتفاضة المسلحة لن تحوز سوى على تأييد الأقلية

عندما سُئل الفلسطينيون عما إذا كانوا سيدعمون شخصياً المعارضة المسلحة ضد إسرائيل، كانت إجابة حوالي الثلث منهم بالإيجاب (وبنسبة أعلى نوعاً ما في غزة). لكن هناك إحصائية أخرى من المحتمل أن تكون أكثر تبياناً، نظراً لأنها أقل ارتباطاً بالشحن السياسي. فحين سؤالهم حول "ما الذي يعتقدون حدوثه على الأرجح حال فشل الجولة الحالية من المفاوضات"، يرى 25% فقط من الفلسطينيين اندلاع "انتفاضة أخرى". وتقول نسبة متساوية من االمجيبين أن "الرئيس عباس سيعود إلى الأمم المتحدة"؛ ويتوقع 11% انهيار السلطة الفلسطينية تماماً. بيد أن الرد الأكثر شيوعاً (34%) حول الذي سيحدث كان "لا شيء".

ما يقرب من نصف سكان الضفة الغربية يوافقون على الاتصالات العملية مع إسرائيل

من بين النتائج الأكثر أهمية التي انطوت عليها هذه الاستطلاعات الأخيرة هي الردود على أشكال مختلفة من التعاون العملي مع الإسرائيليين. على الرغم من الحملة شبه الرسمية التي تشنها حركة «فتح» ضد "التطبيع"، إلا أن سكان الضفة الغربية هم في الواقع منقسمون بشكل قوي جداً حول أشكال عديدة للتواصل مع الإسرائيليين. إذ يرى ما بين 43% و49% أنه من المقبول الترحيب بزيارة الإسرائيليين، وإجراء مناقشات سياسية معهم، والتحدث الى صحفيين إسرائيليين، وتحسين العلاقات التجارية مع إسرائيل، والتعاون في مجال المشاريع العلمية أو البيئية أو الصحية. ولكن فقط عندما يتعلق الأمر بالرياضة أو الفعاليات الثقافية ترفض أغلبية كبيرة (66%) مثل هذه الاتصالات بشدة. والمعارضة الشعبية لجميع هذه الخيارات أعلى نوعاً ما في غزة، لكن القيود الأمنية تجعل مثل هذه الاتصالات شبه مستحيلة هناك على أي حال.

التداعيات السياسية

الخلاصة الرئيسية من هذا التحليل هي أنه خلافاً للمفاهيم الخاطئة الشائعة، يوفر الرأي العام الفلسطيني مجالات للمسؤولين الأمريكيين أثناء سعيهم لصياغة السياسات بشأن القضايا الأساسية. فالتركيز على إطلاق سراح السجناء، أكثر من التركيز على تجميد الاستيطان، يتفق بصورة أفضل في الواقع مع المطالب الشعبية الفلسطينية وتفضيلات الحكومة الإسرائيلية على حد سواء. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يؤدي إعداد عقوبات أمريكية - ضد أي تحركات أحادية إضافية من جانب السلطة الفلسطينية - إلى خفض التأييد الشعبي الفلسطيني لمثل هذه الخطوات. وربما يواجه حث السلطة الفلسطينية على تقديم تنازلات بشأن قضية الدولة اليهودية، كجزء من صفقة سلام، مقاومة شعبية ضئيلة بدرجة مدهشة. وفي هذا الأثناء، قد يلقى الدعم الأمريكي للتنمية الفلسطينية الاقتصادية - بل ودعمها للتعاطي الإسرائيلي الفلسطيني ذو المنفعة المتبادلة باعتباره بديلاً أكثر شعبية من المواجهة العنيفة - صدى واسعاً بشكل غير متوقع في صفوف المجتمع الفلسطيني.

 

ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة.