المرصد السياسي 1993
إيران النووية: المشاكل الفنية تلقي بظلالها على المفاوضات
متاح أيضاً في English
23 تشرين الأول/أكتوبر 2012
ترتكز الدبلوماسية الدولية بشأن برنامج إيران النووي على عدم التزام النظام بالاتفاقيات التي وقعها لضمان عدم استخدام الأنشطة النووية السلمية كغطاء لتطوير الأسلحة. وتنكر طهران أن لديها أي نوايا عسكرية نووية، لكنها تواصل إعاقة جهود "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" الساعية للتحقق من تلك النوايا. ويكمن التحدي الذي تواجهه الدبلوماسية في كسر هذا الجمود وبسرعة.
ويتمثل مصدر القلق الرئيسي حالياً في جهود إيران لتخصيب اليورانيوم، التي تتم عن طريق الاستعانة بتقنية أجهزة الطرد المركزي التي تم الحصول عليها من باكستان في ثمانينيات القرن الماضي. ويكمن الخوف في أنه بدون تسوية الشكوك بشأن نوايا إيران، فإن النظام سيستطيع تجميع ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لكي يصنع على الأقل قنبلة واحدة في غضون أشهر. ويسمى هذا بالاختراق [أو "تجاوز العتبة"]. وللأسف، تتعثر الكثير من المناقشات العامة بشأن هذا السيناريو المحتمل لأن مستوى التخصيب الإيراني الحالي - الذي ينتج اليورانيوم بنسبة تخصيب أقل من 20 في المائة من النظائر القابلة للانشطار U-235 - يبدو بعيداً كل البعد عن الوصول إلى مستوى 90 في المائة المطلوب لتصنيع قنبلة. لكن الأمر ليس كذلك. وأثناء خطابه في أيلول/سبتمبر حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يوضح السبب في الرسم الذي عرضه أمام الأمم المتحدة، لكنه فشل إلى حد بعيد.
فهم معنى التخصيب
في الواقع أن معظم أعمال إنتاج المواد التي تتيح صنع أسلحة نووية تكون قد أُنجزت بمجرد الوصول إلى نسبة تخصيب تبلغ 20 في المائة. وفي اليورانيوم الطبيعي، تكون نسبة اليورانيوم U-235 (المادة المطلوبة لتصنيع قنبلة ذرية) 0.7 في المائة فقط، مقارنة باليورانيوم 238-U السائد. وبمعنى آخر، فإنه في كل ألف ذرة من اليورانيوم تكون نسبة اليورانيوم U-235 إلى اليورانيوم U-238 7:993. وفي اليورانيوم المخصب حتى 20 في المائة، تكون النسبة 7:28 - بمعنى أن 965 ذرة يورانيوم U-238 قد تم نزعها من مادة اليورانيوم الأولية الغازية في أجهزة الطرد المركزي. وللحصول على المواد التي تتيح صنع أسلحة نووية بنسبة تخصيب تبلغ نحو 90 في المائة -- نسبة 1:7 -- يلزم إزالة 27 ذرة أخرى فقط من اليورانيوم U-238.
هناك شقان لمشكلة السماح لإيران بمتابعة أي أعمال تخصيب بدون مؤشرات واضحة بأنها تخلت عن أي طموحات عسكرية نووية. أولاً، من المرجح أن تتحسن كفاءتها في تقنية أجهزة الطرد المركزي، وثانياً، سوف تقوم في النهاية بتطوير أجهزة طرد مركزي مُحسّنة لاستبدال أجهزتها الحالية منخفضة الفعالية، بما يسمح لها إنتاج كميات كبيرة من مواد تصنيع الأسلحة بسرعة كبيرة. وهي بالفعل تجري تجارب مع مختلف "شلالات" أجهزة الطرد المركزي وتعمل على نماذج أكثر تقدماً. ورغم صعوبة الوقوف على النجاح المحقق حالياً، إلا أنه ليس من المرجح أن يستمر هذا العائق لفترة طويلة. فقد استخدمت باكستان - المورد الأولي لأجهزة الطرد المركزي منخفضة المستوى إلى إيران - نوعاً أكثر فعالية من الجيل الثاني منذ ثمانينيات القرن الماضي، كما أن كوريا الشمالية - التي تمد إيران بمجموعة الصواريخ النووية متوسطة المدى - كان لديها أجهزة طرد مركزي متقدمة منذ سنوات عديدة. وقد تغلب كلا البلدين على الضوابط الدولية الصارمة على الواردات الحساسة من المواد والتقنية لتحقيق هذه التقدمات.
الجدول الزمني للاختراق النووي الإيراني
لدى إيران بالفعل نحو 240 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة - وهي كمية تكفي في حالة تخصيبها إلى مستويات أعلى لإنتاج 27 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب حتى نسبة 90 في المائة وهي الكمية المطلوبة لتصنيع قنبلة نووية بسيطة ("كمية كبيرة" وفقاً لمصطلحات "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"). كما أن تصميمات الأسلحة الأكثر تقدماً ستتطلب يورانيوم أقل من ذلك - فهناك اعتقاد بأن القنابل الباكستانية، القائمة على تصميم صيني، تحتوي على 15 كيلوغرام، بينما يرجح أن أفضل التصميمات الأمريكية تستخدم نحو 7 كيلوغرامات.
ومع استمرار أعمال التخصيب، قد تفكر إيران في العديد من سيناريوهات "تجاوز العتبة" النووية التي تشمل محطاتها القائمة لأجهزة الطرد المركزي في "ناتانز" و "فوردو" أو كليهما. ورغم أن بعض مخزون اليورانيوم الذي بحوزتها قد تم تحويله إلى ألواح وقود لمفاعل أبحاث، إلا أنه يمكن تحويل هذه المواد إلى مخزون يستعمل في أجهزة الطرد المركزي في غضون أشهر قليلة. ووفقاً لذلك، تشير التقديرات الحالية إلى أن إيران تستطيع أن تنتج ما يصل إلى أربع "كميات كبيرة" من اليورانيوم المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية خلال تسعة أشهر فقط من الآن. وسوف تُختصر هذه الفترة الزمنية مع إنتاج 20 بالمائة أخرى من اليورانيوم - وبمجرد أن تصل إيران إلى 960 كيلوغرام، سوف يُقاس وقت الاختراق المحتمل بالأسابيع وليس بالأشهر. ولو تمكن النظام من بناء محطة جديدة لأجهزة الطرد المركزي بصورة سرية (مثلما حاول بالفعل في "فوردو") واستخدام أجهزة طرد مركزي مُحسنة، فسوف تتقلص هذه النافذة أكثر فأكثر.
وتصر واشنطن حالياً على أنه لا توجد أدلة على أن إيران قررت بالفعل تصنيع قنبلة نووية. إلا أنه لو أرادت طهران الإعداد لتفجير تجريبي في جزء بعيد من البلاد، فيمكنها أن تفعل ذلك بسهولة نسبية بمجرد أن تمتلك ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب. ورغم أن تصنيع قنبلة صغيرة بما يكفي لنقلها من خلال صاروخ أو طائرة سيمثل تحديات كبيرة، إلا أنه يمكن القول بأن إجراء اختبار واحد ناجح من جهاز حتى لو كان أولياً سوف يغير على الأرجح منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير، حيث سيرغم جيران إيران والولايات المتحدة على إعادة ضبط التوازن الجغرافي السياسي.
قد ترى إدارة أوباما فرصة للتفاوض في تصريحاتها المتكررة بشأن عدم السماح بتصنيع سلاح نووي إيراني، مما يعني أن ذلك السلاح يلزم أن يكون قابلاً للإنجاز ويمكنه تجاوز خط واشنطن الأحمر. بيد أن آخرين، ومن بينهم إسرائيل، يرون خطورة في تطوير إيران لأي قدرات لتصنيع الأسلحة - وهذه عتبة أقل [مرونة] تحول دون قيام النظام حتى ببناء جهاز غير متطور.
دروس من التاريخ؟
لقد تم إقناع بعض الدول بالتخلي عن أسلحتها النووية في الماضي، مثل أوكرانيا وروسيا البيضاء عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وجنوب أفريقيا في نهاية نظام الاضطهاد العنصري. كما أن دولاً أخرى قررت عدم المضي قدماً في برامج تصنيع الأسلحة، سواء بسبب ضغوط دبلوماسية أو عمليات إعادة تقييم خاصة بها (مثل السويد وسويسرا في ستينيات القرن الماضي، والبرازيل والأرجنتين في الثمانينيات).
ولكن من الصعب أن نرى إيران تحذو حذو تلك الدول. وفي الواقع أن النظام هو على الأرجح أكثر حذراً مما حدث لمعمر القذافي وصدام حسين، حيث تم في النهاية الإطاحة بكليهما بعد التجاوب مع الضغوط الدولية وتفكيك برامجهما النووية. وعلاوة على ذلك، من الواضح أن إيران لا تقارن مع دول مثل السويد أو سويسرا. فعلى سبيل المثال أدانت محكمة أمريكية الأسبوع الماضي مسؤولين إيرانيين في مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عام 2011.
وحتى يمكن التوصل إلى تسوية، هناك مسألة دبلوماسية ذات حساسية خاصة يجب تسويتها وهي إلى أي مدى سيتم إرغام إيران على الاعتراف بأنها عملت على صنع أسلحة نووية. ومثل ذلك الاتفاق سوف يتطلب اعتراف النظام بتصريحاته الزائفة السابقة من أجل تعزيز تعهداته بالتحلي بالصراحة في المستقبل.
وبالإضافة إلى ذلك، ففي حين أشار بعض المراقبين إلى أنه ينبغي السماح لطهران بمتابعة مستويات تخصيب متواضعة لأغراض الطاقة المدنية والمفاعلات البحثية، إلا أن الحقيقة هي أن إيران ليست لديها احتياجات واضحة لمثل تلك القدرات. فروسيا تزودها بالفعل باليورانيوم منخفض التخصيب المطلوب لمحطة الطاقة النووية الوحيدة لدى النظام (في "بوشهر" على ساحل الخليج الفارسي)؛ وقد تم توقيع عقود تضمن هذه الإمدادات لمدة عشر سنوات، كما اتفقت الحكومتان على عقد مسبق لعشر سنوات إضافية. كما تدعي طهران بأنها تحتاج إلى اليورانيوم المخصب إلى مستوى 20 في المائة من أجل تصنيع ألواح الوقود لمفاعل أبحاث مصمم لإنتاج النظائر الطبية المشعة، رغم أنها تفتقر إلى الخبرة الفنية لإنتاج ألواح صالحة للاستخدام باستخدام اليورانيوم الخاص بها. وعلى الرغم من هذه الحقائق دأبت طهران على رفض التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ لإزالة المواد الاحتياطية المخصبة من البلاد.
الخلاصة
بحكم طبيعتها تستغرق المفاوضات الكثير من الوقت. ورغم ذلك فلا زالت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية مستمرة في الدوران فضلاً عن تشغيل أجهزة إضافية، مما يعزز المخاوف بأن الوقت يصب في صالح النظام. كما أن هناك افتراضات متزايدة بشأن الطريقة التي قد تستخدم بها طهران مخزونها المتزايد من اليورانيوم المخصب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مهمة تسوية المخاوف بشأن نوايا إيران تعقدها معايير مختلفة لتحديد متى ستصبح البلاد دولة تمتلك أسلحة نووية، وفي الواقع أن زيادة قدرات التخصيب يمكن أن يكون أحد الإجابات. وإلى أن توقف طهران برنامجها لتخصيب اليورانيوم أو تظهر أن مواقفها تتغير في ظل ضغط العقوبات، يضعف التفاؤل في أن تعمل المفاوضات - سواء كانت ثنائية مع الولايات المتحدة أو مع المجموعة الأكبر المكونة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا - على إنهاء طموحاتها النووية المتصورة.
سايمون هندرسون هو زميل بيكر ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن. أولي هاينونن، وهو زميل بارز في مركز بيلفر في جامعة هارفارد كندي، وقد شغل سابقاً منصب نائب المدير العام لشؤون الضمانات في "الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وقد ألّفا مؤخراً الدراسة "إيران النووية: قائمة مصطلحات"، نشرت سوياً من قبل المعهد ومركز بيلفر.