المرصد السياسي 1914
عدم دعم المعارضة 'داخل سوريا' إنما هو دعم للأسد
أندرو جيه. تابلر و ديفيد بولوك
متاح أيضاً في English
26 مارس 2012
عدم دعم المعارضة "داخل سوريا" - سواء المسلحة أو غير المسلحة - من شأنه أن يسمح للأسد بالبقاء في السلطة لفترة أطول بكثير.
خلال اجتماعهما في 25 آذار/ مارس وافق الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على أن جزء من جدول أعمال قمة "أصدقاء سوريا" في 1 نيسان/ أبريل في اسطنبول سوف يُعنى بتقديم "المساعدات غير الفتاكة" للمعارضة "داخل سوريا." ويشير ذلك إلى أن الإدارة الأمريكية قد بدأت تتقبل "الحقيقة المفجعة" التي مفادها أنه: بدون تقديم دعم أمريكي للمعارضة على الأرض تكون أكبر بكثير مما هي عليه الآن، فبالتأكيد سيقوم نظام بشار الأسد بذبح المزيد والمزيد من المدنيين في جميع أنحاء سوريا ومن شبه المؤكد أن الأسد نفسه سيبقى في السلطة في المستقبل المنظور.
الاحتجاج المدني والمعارضة المسلحة
لم تؤدي حملة القمع العسكرية الدموية التي يقوم بها نظام الأسد في محافظتي حمص وإدلب إلى طرد الناس من الشوارع وهي الحقيقة التي ما تزال تفصح عنها خريطة الاحتجاجات اليومية. لكن لكي تبقى حركة الاحتجاج المدني في سوريا على المدى الطويل وتعزز مكاسبها السياسية فإنها سوف تحتاج إلى الانتظام من جديد من الناحية التكتيكية. وبدلاً من الاعتماد فقط على مظاهرات الشوارع التي تجعل المحتجين عرضة لأسوأ العنف من جانب النظام فربما يرغب هؤلاء المتظاهرين في تكثيف ما يصفها خبراء المقاومة المدنية بأنها "طرق التشتت" - المقاطعات والإضرابات العامة وتباطؤ الأعمال وأنواع أخرى من عدم التعاون - للابتعاد عن خط النار ومواصلة الضغط السياسي والاقتصادي على النظام. وباستطاعتهم التركيز على بناء تضامن سري والعمل عبر المجتمعات المحلية لضمان وصول الإمدادات الإنسانية الحيوية إلى الأكثر احتياجاً لها. وفي النهاية فإن توسيع عدم التعاون على مستوى جماعي ليشمل أركاناً اقتصادية رئيسية، لا سيما في دمشق وحلب، يمكن أن يعطي إشارة إلى المتنفذين في النظام مفادها أن التغيير أمر حتمي.
ومن ناحية المعارضة المسلحة فإن معضلات النظام في المرحلة اللاحقة تتعلق بشكل كبير بالطرق المستخدمة لمقاومة الخصوم واستعادة المناطق "المحررة" من «الجيش السوري الحر». وقد توقع كثيرون أن عمليات النظام القمعية المتمثلة بـ "الإخلاء والاستحواذ" باستخدام أسلحة ثقيلة سوف تخيف المعارضة وتجعلها تلجأ إلى الاستسلام. وعلى الرغم من انتقال القوات إلى محافظة حمص وإدلب إلا أن نظرة سريعة على أشرطة الفيديو والتقارير الآتية من كلتا المنطقتين تظهر أن المعارضة لم تخضع بعد، سيَّما والنظام عاجز عن إخلاء المناطق بأكملها، ناهيك عن الاستحواذ عليها.
وعلى المدى الطويل فإن مثل هذه العمليات سوف تحفز على الأرجح تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة وتزيد من الاستياء والغضب ضد النظام. وربما يؤدي هذا التطور الأخير إلى حدوث المزيد من الانشقاقات عن الجيش وخاصة إذا جمعت المعارضة المسلحة بين القوة والتنظيم. ويواجه الجنود السوريون المشاركون في القمع معضلة إطلاق النار من عدمه على مواطنيهم (وفي أكثر الأحيان على مواطنيهم السنة) أو الانشقاق والانضمام إلى المعارضة. وبدون ظهور أية علامة على التدخل الدولي تتحول أنظار حركة الاحتجاج بشكل متزايد نحو المعارضين المسلحين المحليين للدفاع عنهم ضد القناصة وهجمات النظام، مع تفكير عدد متزايد من المحتجين - حتى أولئك الأكثر التزاماً بالمقاومة المدنية - في حمل السلاح. ولذا فإن المعارضة المسلحة ستلعب على الأرجح دوراً متزايداً في محاولات الإطاحة بالنظام وتشكيل سوريا ما بعد الأسد.
على أن بعض أعضاء «الجيش السوري الحر» المنشقين عن النظام مرتكزون إما في سوريا أو دول مجاورة. وينبغي لهم أن يُظهروا الهوية العسكرية للانضمام إلى المنظمة مما يضفي عليها شعوراً من الانضباط والتنظيم. والكثيرون من الآخرين الذين يعملون تحت راية «الجيش السوري الحر» هم محليون مدنيون شاهدوا جيرانهم وهم يقتلون بالرصاص - ولم يفعل المجتمع الدولي شيئاً يذكر بارتفاع عدد القتلى - فقرروا حمل الأسلحة والذود عنهم. وبالتأكيد فإن واحدة على الأقل من المجموعات المسلحة في إدلب يقودها شيخ سلفي لكن هذا هو الاستثناء الذي يعضد القاعدة. فالمجتمع السني في سوريا متنوع بشكل هائل ولن يكون من المستغرب أن نجد رجالاً أتقياء بلحى طويلة يحاربون في محافظة إدلب المحافِظة في الشمال الغربي أو رجالاً بزي أكثر قبلية يحاربون في شرق سوريا أو درعا أو رجالاً من كل هؤلاء يحاربون حول حمص حيث تتجمع معاً فسيفساء البلاد الثقافية. لكن هذا لا يعني أنهم سلفيون ناهيك عن أن يكونوا جهاديين أو من تنظيم «القاعدة».
والنقطة الحاسمة هي أن المعارضة السورية تؤمن بالفعل أن الدعم الأجنبي والدفاع عن النفس بالسلاح من جانب (ولصالح) المحتجين، والمقاومة المدنية السلمية جميعها أهداف مُتممة - وليست منافسة - لبعضها البعض. والذي يدعم هذا التصور هو نموذج الأحداث على الأرض. ففي محافظات إدلب ودرعا والحسكة النائية، وفي حمص قبل هجوم النظام الكاسح، ومؤخراً جداً في أجزاء من العاصمة دمشق مالت الاحتجاجات الحاشدة والمعارضة المسلحة من جانب «الجيش السوري الحر» أو الميليشيات المحلية إلى التزامن. إن الشعارات والإعلانات والمظاهرات المنظمة الأكثر وضوحاً إنما تعزز هذه الرؤية. فعلى سبيل المثال إن واحدة من مظاهرات يوم الجمعة الأكثر انتشاراً والأنجح في سلسلة طويلة من مظاهرات كهذه كانت قد خُصصت علناً لـ «الجيش السوري الحر»، بما في ذلك في دمشق. وكانت الرايات واللافتات المنتشرة في جميع أنحاء البلاد تستغيث بالمساعدة الدولية لمقاتليها وتشجب تلك الدول الأجنبية التي تعترض سبيل الموقف الدولي.
وما يزال البعض يحتج بأن دعم المعارضة سوف "يُعسكر" الأزمة السورية مما يحرف الثورة عن المسار الأكثر سلمية والذي يُفترض أنه أيضاً الأكثر فاعلية. لكن الحقيقة بالطبع هي أن هذه الأزمة بالفعل "معسكرة." كما أن الدعم الخارجي الملموس للمعارضة أصبح الآن شرطاً ضرورياً لاستمرار أية قدرة على المقاومة في سوريا ضد الهجوم الضاري من قبل النظام. وبدون هذا الدعم تكاد تنعدم أية فرصة حقيقية لدى الشعب السوري للحفاظ على موقفه الباسل - سواء كان سلمياً أم مسلحاً في دفاعه عن نفسه - ضد قوة النظام. ولهذا السبب فإن الدعم الفوري للمعارضة هو ليس انحرافاً عن الاحتجاج السلمي وإنما السبيل الوحيد للحفاظ على خيار المقاومة المدنية.
مساعدة المعارضة "داخل سوريا" تخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل أفضل
مما لا شك فيه أنه ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذ احتياطات معينة لزيادة الاحتمالات بأن مساعداتها ستكمّل - لا تعارض - مسار الاحتجاج السلمي. وينبغي للمعونة الأمريكية أن تشمل تقديم المساعدة لجماعات المقاومة المدنية التي تعمل على الأرض وذلك لجعلها تعي بالطرق البديلة غير العنيفة التي ستوفر فرصة أفضل من المظاهرات الحاشدة في ظل الظروف الراهنة في سوريا. وسيكون من المفيد زيادة المساعدة الإنسانية للمجتمعات المحاصرة وتبادل أفكار خلاقة في شؤون المقاومة من قصص النضال السابقة ضد الديكتاتورية.
ينبغي على الولايات المتحدة أيضاً أن تجعل المساعدات مشروطة بتبني سلوك ملائم للمعارضة، بما في ذلك الحماية والمعاملة العادلة لجميع الأقليات والامتناع عن سوء معاملة السجناء وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان وتجنب الإرهاب أو الهجمات العشوائية الأخرى ضد المدنيين. ولا يقل أهمية هو التطبيق الفوري والحازم لهذه المشروطية في أية حالة انتهاك والتي هي للأسف ربما لا مفر منها. وبالإضافة إلى ذلك ينبغي على واشنطن مساعدة المعارضة على تشكيل وتنفيذ استراتيجية إعلامية تعكس بدقة طبيعتها الثنائية: المسلحة وغير المسلحة على حد سواء، وكذلك الشعبية والمؤسسية.
ويمكن توجيه المساعدة للجماعات المسلحة إلى مناطق معينة من البلاد ولا سيما في المحافظات الحدودية في الشمال والجنوب والشرق، وترك المناطق الحضرية الرئيسية لتكون الساحات الأكثر تفضيلاً لأنواع مختلفة من المقاومة المدنية والاحتجاج السلمي. وبالنظر إلى الطبيعة المتشظية للمعارضة فإن مثل هذا النهج سيكون عملياً وحكيماً مما يحوّل ذلك التشظي نفسه من مسؤولية إلى ميزة. وسوف يقلل ذلك من الإصابات المدنية، في حين يقدم ملاذات آمنة محتملة للمدنيين الذين هم على حافة الموت. ويمكن أيضاً توجيه المساعدات - سواء كانت فتاكة أو غير فتاكة - عن طريق المدنيين وإنشاء تبعيات لـ «الجيش السوري الحر» على المجموعات المدنية التي حققت معظم المكاسب حتى الآن ضد النظام. وسوف تختلف هذه المساعدة على الأرجح وفقاً لأيّ الجماعات الأكثر نفوذاً في ساحات مختلفة من الصراع، حيث تظهر بشكل ملحوظ "مجالس ثورية" محلية (تنظم المقاومة المدنية والأنشطة الأخرى المناهضة للنظام) في حمص وإلى حد ما في درعا (حيث العائلات البارزة ذات نفوذ أيضاً). وفي محافظة إدلب المحافِظة حيث يوجد حضور للسلفيين وغيرهم من الاسلاميين، ستحتاج واشنطن إلى العثور على محاورين تتقاسم معهم المصالح طويلة المدى بحيث يكونون داعمين لأنشطة «الجيش السوري الحر» في تلك المنطقة.
ولعدة أشهر سعى صناع السياسة نحو ضغط دبلوماسي واسع المدى لتشظية النظام من القمة حيث تكون روسيا وعلاقاتها الراسخة مع النخبة العسكرية السورية مفتاحاً لطرد الأسد وعائلته من اللعبة. وعلى الرغم من أن هذا سيكون حلاً أوفر بكثير من الحرب المدنية إلا أن العقبة الكؤود هي أن موسكو تعتقد وبحق أن الأسد يستطيع أن "يصمد" إلى أجل غير مسمى ما لم تتحول السياسة الأمريكية بقوة ضده. ولو شاءت واشنطن أن يرحل نظام الأسد (كما صرح الرئيس الأمريكي أوباما مراراً) وإذا كانت تأمل أن تستميل روسيا وتساعد على بناء سوريا جديدة قادرة على إنهاء العنف وتعزيز المصالح الأمريكية فإنها يجب أن تعمل من موقع قوة وأن تعمل ضد النظام كليةً مثلما تفعل المعارضة السورية. وللقيام بذلك سيكون لزاماً عليها دعم المعارضة على الأرض سواء كانت العنيفة منها أم غير العنيفة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وتركيا يساعدون المعارضين المنفيين سراً إلا أن التنظيم الذي هو الهدف الرئيسي من مساعدة كهذه - «المجلس الوطني السوري» - حافل بالانقسامات. ولصد هجوم النظام الوحشي فإن الجماعات الموجودة على الأرض مثل «المجالس الثورية» والعناصر التابعة لـ «الجيش السوري الحر» قد بدأت العمل معاً بصورة أكثر فاعلية. ويمكن لواشنطن أن تستخدم معونتها للمساعدة على تعميق وتسريع عملية زيادة الوحدة بين عناصر المعارضة.
الخلاصة
في العالم المثالي يستطيع الاحتجاج السلمي وحده أن يُجبر الأسد على التخلي عن السلطة. لكن في عالم الواقع كلما طال بقاء النظام زادت دموية التمرد وطائفيته وزادت احتمالية انزلاق الدولة كلية إلى حرب طائفية وأهلية على غرار ما وقع في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي. إن الاختيار الآن هو شديد الوضوح: إما دعم المعارضة السورية سواء المسلحة منها أم غير المسلحة أو دعم نظام الأسد.
أندرو جيه. تابلر هو زميل الجيل التالي في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في المعهد حيث يركز على الديناميات السياسية لبلدان الشرق الأوسط.