المرصد السياسي 1972
نبرة أمريكية جديدة تجاه إيران
متاح أيضاً في English
16 آب/أغسطس 2012
أصبحت التصريحات الأمريكية حول إيران أكثر اتساقاً وتشدداً منذ أوائل آذار/مارس لكن تأثير هذا التحول ما يزال غير واضح.
في أوائل هذا الأسبوع واصل وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي نموذجاً طال عدة أشهر وشمل تصريحات أمريكية أكثر تشدداً تجاه إيران. وخلال حديثهما مع المراسلين في 14 آب/أغسطس من المؤكد إن كليهما كانا لا يزالان غير مطمئنين من احتمال توجيه ضربة إسرائيلية - حيث أشار ديمبسي إلى أن من شأن هذه الخطوة "أن تؤخر فقط، ولا تدمر قدرات إيران النووية"، في حين قال بانيتا: "هناك مجالاً لمواصلة التفاوض." غير أنه لم يحدث أن كرر أحد منهما تحذيرات ما قبل آذار/مارس عن العواقب السلبية المحتملة لمثل هجوم كهذا. وفي الحقيقة فإن بانيتا قد شدد على أن الأمر متروك لإسرائيل لكي تقرر ما إذا كانت ستوجه ضربة أم لا.
التحول منذ آذار/مارس
مال المسؤولون الأمريكيون المتحدثون عن إيران حتى أوائل آذار/مارس بأن تشمل أحاديثهم تحذيرات من مخاطر اللجوء إلى القوة. وفي 5 شباط/فبراير قال الرئيس أوباما بأن "أي نوع من النشاط العسكري الإضافي داخل الخليج سيسبب فوضى وسيكون له تأثير كبير علينا. فقد تكون له آثار كبيرة على أسعار النفط. وما تزال لدينا قوات في أفغانستان التي تربطها حدود مع إيران." وقبل ذلك بثلاثة أيام كان ديمبسي قد أكد أن "الصراع مع إيران سيكون بالفعل مزعزعاً للاستقرار. وأنا لا أتحدث فقط من منظور أمني بل إنني أعني أنه سيكون مسبباً لاضطراب اقتصادي..... وأنا شخصياً أؤمن أننا ينبغي أن نهتم بمسألة الردع باعتبارها أولوية أولى." والمدهش أكثر هو تحذير بانيتا من 2 كانون الأول/ديسمبر حينما قال: "في أحسن الأحوال إن شن [هجوم عسكري على إيران] قد يعيقها [عن الحصول على قنبلة] لمدة عام أو ربما لعامين...لكن أكثر ما يثير قلقي هو التداعيات غير المقصودة [التي ستحدث بعدئذ]." ووفقاً لرؤيته تشمل هذه العواقب زيادة خطورة "الانتقام من جانب إيران" بما يسمح لهذا النظام المعزول "بإعادة ترسيخ نفسه على نحو مفاجئ" وبما يكشف عن "عواقب اقتصادية خطيرة" ويثير "تصعيداً قد يلتهم الشرق الأوسط في معمعة من المصادمات."
وثمة فكرة أخرى معروفة منذ فترة طويلة وهي أن الدبلوماسية هي الخيار الوحيد في اللحظة الراهنة بلا إشارة إلى ما قد جعل ذلك يتغير. على سبيل المثال عندما سُئلَتْ وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في 1 آذار/مارس عما إذا كانت هناك أي خطوط حمراء يتوجب على إيران عدم تخطيها أجابت "سيكون من الأذكى لنا على الأرجح أن نركز أكثر على العقوبات والمفاوضات."
غير أن هذه الرسالة قد تغيرت في أعقاب خطاب أوباما في المؤتمر السنوي أمام "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية" ["إيباك"] في 4 آذار/مارس، وهي الكلمة التي ألقاها بعد بضعة أيام من مقابلته الكاشفة مع مجلة "أتلانتيك". ومنذ ذلك الحين ترددت ثلاثة أفكار من خطابه مراراً في تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين وهي:
1- السياسة الأمريكية هي الوقاية لا الاحتواء.
2- لإسرائيل الحق في أن تفعل ما تراه ضرورياً.
3- وقت الدبلوماسية محدود.
غير أنه لا شيء من هذه الأفكار قد ظهر في تصريحات رسمية قبل آذار/مارس. بل اللافت للنظر بصورة أكثر هو أن ثمة فكرة أخرى قد اختفت وهي: لا يبدو أن هناك مسؤول كبير، ولا حتى بصورة غير علنية، قد كرر التحذيرات المبكرة بخصوص المخاطر المتعلقة بضرب إيران.
وفي 25 آذار/مارس قال أوباما للصحفيين "أعتقد أن ثمة مساحة من الوقت لحل المشكلة دبلوماسياً لكن هذه المساحة تتضاءل." وقد كرر تلك الفكرة في خطاب تم إعداده مسبقاً وألقاه في "جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية" في سيول في اليوم التالي حيث قال "ثمة وقت لحل الأزمة دبلوماسياً - إن خياري الدائم أن يتم حل هذه الأمور على نحو دبلوماسي لكن الوقت قصير." وفي 8 أيار/مايو استخدم نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن صيغة أكثر صرامة حيث قال "لم ينفد الوقت من حيث قدرة الإسرائيليين فيما إذا اختاروا أن يحسموا الأمر عسكرياً ... ولكن فيما يتعلق بالدبلوماسية المدعومة بعقوبات جادة وخطيرة وضغوطات أخرى - فإن نافذة الوقت ستغلق على المدى القريب."
وقد استخدم بانيتا أيضاً نبرة مختلفة منذ آذار/مارس. فرغم أنه استمر في التأكيد على الحذر من استخدام القوة لكنه لم يعد يُعيد التأكيد على العديد من المخاطر التي ترتبط باستخدام القوة. بل إنه الآن يذكر الأسباب التي تدعوه إلى اعتبار استخدام القوة أمراً ضرورياً حيث قال "إن هذا يتعلق بجعل الأمور أكثر وضوحاً وذلك أنه لن يكون باستطاعتهم قط الحصول على قنبلة ذرية...لدينا خيارات نحن على استعداد لتنفيذها لضمان عدم حدوث ذلك." بل إنه لم يعد ينتقد أيضاً التصريحات القتالية الإسرائيلية كما جاء في رده على أسئلة في 30 تموز/يوليو حول الكلمات المتشددة جداً التي جاءت من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إيران حيث أجاب "نحن نحترم سيادة [إسرائيل] وقدرتها على اتخاذ قرارات تتعلق بأمنها." وعلاوة على ذلك، أصبحت تصريحاته متسقة على نحو لافت حيث استخدم نفس الألفاظ تقريباً في كل من الثلاثين من تموز/يوليو، والأول والرابع عشر من آب/أغسطس.
وفي الوقت نفسه، فإن كبرى وسائل الإعلام لم تعد تركز على معارضة القيادة العسكرية الأمريكية للضربة الاستباقية بل إنها بدأت تنشر الكثير عن التحضيرات لصراع محتمل. فقد زادت البحرية الأمريكية مؤخراً من نشاطاتها في الخليج الفارسي محتفظة بوجود شبه دائم مع مجموعتين قتاليتين من حاملات الطائرات ومتخذة استعدادات إضافية لحرب عصابات بحرية إيرانية. ومن الطبيعي بالنسبة لضباط الجيش الذين يتحدثون عن مثل هذا النشاط أن يضيفوا تحذيرات عن سبب كون الحرب غير مرغوب فيها لكن كلامهم ركز بدلاً من ذلك على الكيفية التي يتعين بموجبها على البحرية الأمريكية أن تكون جاهزة للصراع في أي وقت. ومما يضيف إلى النبرة الأكثر تشدداً هو ما تردد بشكل واسع في صحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" عن الرعاية الأمريكية (بانخراط رئاسي مباشر وكبير) لهجمات سيبرانية بفيروسي "ستكسنت" و"فليم" المدمرين ضد إيران.
تأثير النبرة الجديدة
لسوء الحظ ثمة أدلة قليلة على أن التصريحات الأمريكية الأكثر تشدداً كان لها تأثير كبير على استعداد إيران للتوصل الى حل وسط بشأن برنامجها النووي. وربما كان جزء من المشكلة هو التصور بأن التصريحات الأمريكية لا تؤدي بالضرورة إلى عمل ملموس. فالرؤساء الأمريكيون السابقون كانوا يصفون بسرعة سيناريوهات معينة بأنها "غير مقبولة"، فقط ليفعلوا القليل [لمنعها] عندما حدثت تلك السيناريوهات. وبالنظر إلى ردود أفعال واشنطن من اختبارات كوريا الشمالية النووية وباكستان والهند ربما يعتقد القادة الإيرانيون أن الخطاب الأمريكي المتشدد عن المنع وغلق النوافذ الدبلوماسية لا يعكس ما ستفعله الولايات المتحدة في واقع الأمر.
وليس واضحاً أيضاً المدى الذي أثرت فيه التصريحات الأمريكية على الجدل الإسرائيلي بخصوص القيام بعمل استباقي أحادي الجانب. فالاعتبار الرئيسي في هذا الجدل هو إلى أي مدى ينبغي أن تضع إسرائيل وزناً للضمانات الأمنية من جانب واشنطن. فغالباً ما يفشل صناع السياسة الأمريكيون في تقدير عمق عدم الثقة الإسرائيلي من فكرة الاعتماد على ضمانات أمنية خارجية. وقد جاءت التجربة الجوهرية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية في وقت الاحتياج الكبير في حزيران/يونيو 1967 عندما رفض الرئيس ليندون جونسون الوفاء بتصريح سلفه الخطّي والصريح بضمان أمن الملاحة في "مضائق تيران"، وهو التعهد القاطع الذي كان محورياً في موافقة إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء عام 1957. فقد عززت تلك الحادثة المبدأ المؤسس للدولة وهو أن الشعب اليهودي لا يمكن أبداً أن يعتمد على غيره في حمايته. ويُعتبر هذا المبدأ بالنسبة للكثير من الإسرائيليين أهم عنصر في توجيه السياسة الخارجية.
ومع ذلك يبدو أن تغيّر النبرة في واشنطن قد أثر بالفعل على السياسة الداخلية الأمريكية بشكل عام حيث لم يعد الديمقراطيون ولا الجمهوريون يُظهرون الكثير من المبالاة عندما يتعلق الأمر بالسياسة نحو إيران. كما أن خطاب المرشح الرئاسي ميت رومني في القدس في 29 تموز/يوليو قد كرر بشكل جوهري أفكار أوباما الأكثر تشدداً عن هذا الموضوع. بل في 9 آب/أغسطس منح مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكيين موافقة شبه إجماعية على "قانون التقليل من التهديد الإيراني" و [منتهكي] حقوق الإنسان في سوريا"، وهو أحدث قانون يهدف إلى تشديد العقوبات على طهران (وجاء العدد القليل جداً من الأصوات المعارضة في مجلس النواب من نقيضين سياسيين، من بينهم التحرري اليميني رون بول والنائب من أقصى اليسار دنيس كوسينيتش).
وعلى الرغم من هذا الإجماع الداخلي إلا أنه من الصعب توجيه رسالة قوية في الخارج أثناء الحملة الانتخابية الأمريكية لا سيما عندما يكون هناك تشكك واضح حول ما إذا كان الهدف من التصريحات الرئاسية هو الجمهور الداخلي أم أنها تعكس بالفعل ما ستكون عليه السياسة الأمريكية في أعقاب الانتخابات. وإحدى سبل معالجة هذه المشكلة هي أن تسأل الإدارة الأمريكية حلفاءها القلقين (إسرائيل ودول الخليج) ما هي أفضل الخطوات الأمريكية لتهدئة مخاوفهم مستقبلاً. وينبغي أن يظل صناع السياسة الأمريكيين أيضاً ثابتين على رسالتهم - تسع تصريحات شديدة اللهجة زائد تعبير ارتجالي ملتبس يساوي سياسة غامضة وليس سياسة "متشددة بنسبة 90 بالمائة". وهذا يعني أنه ربما كان أفضل منهج مثمر حتى [موعد الانتخابات الأمريكية في] تشرين الثاني/نوفمبر هو تركيز واشنطن على خطوات يمكن أن تُبطئ التقدم النووي الإيراني سواء أكانت تلك التحركات عبر إجراءات غير معترف بها أو من خلال تنفيذ عقوبات صارمة.
پاتريك كلاوسون هو مدير الأبحاث في معهد واشنطن.