أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2276

استفتاء فلسطيني جديد يكشف عن آراء متعنّتة، ولكن بعض الواقعية أيضاً

ديفيد بولوك

متاح أيضاً في English

24 حزيران/يونيو 2014


أظهر استطلاعٌ جديد وموثوق للرأي أجري في الضفة الغربية/قطاع غزة بين 15 و17 حزيران/يونيو أن المواقف الشعبية الفلسطينية إزاء مسائل السلام البعيدة المدى مع إسرائيل اشتدت تصلّباً بشكل كبير. وهذا الاستطلاع هو الأول من نوعه منذ بداية أزمة الاختطاف الراهنة، وقامت  بإجرائه شركة فلسطينية رائدة في مجال استطلاعات الرأي بتكليف من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وقد تضمّن إجراء مقابلات شخصية وجهاً لوجه مع عينة عشوائية قياسية ذات احتمالية جغرافية مختارة مكونة من 1200 فلسطيني في سن الرشد، مع الإشارة إلى أن هامش الخطأ الإحصائي لم يتعدَّ الثلاثة في المائة في النتائج التي توصل إليها الاستطلاع. وقد أشارت الإجابات إلى أن نسبةً تقل عن 30% من الفلسطينيين باتت تدعم اليوم "حلّ الدولتين": أي دولة فلسطينية في الضفة الغربية/قطاع غزة تعيش في سلامٍ دائم مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، ظهرت إشارات مفاجئة عن وجود نزعة واقعية قصيرة المدى - خاصة، وبصورة أكثر مفاجأة، في غزة.

تحميل عرض الشرائح لاستطلاع الرئي (بي. دي. إف)

 

الحل القائم على دولتين يصبح فجأة موقف الأقلية

فيما يتعلق بالمسألة الجوهرية ذات المدى الأبعد حول تحقيق حل الدولتين، يبدو جلياً أن الرأي العام الفلسطيني يتجه نحو منعطف متطرف. فالاستطلاعات الأخرى التي أجريت مؤخراً، حتى بعد انهيار محادثات السلام الأخيرة، أظهرت أن الأغلبية أو الأكثرية لا تزال تفضّل هدف التوصل إلى دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، [تعيش] إلى جانب إسرائيل (مع أن الأرقام كانت تتراجع تدريجياً). أما اليوم فتقول الأغلبية الكبرى (60% من إجمالي عدد المشاركين، بما في ذلك 55% في الضفة الغربية و 68% في قطاع غزة) أن الهدف على مدى السنوات الخمس المقبلة "يجب أن يكون العمل من أجل استعادة كافة الأراضي الفلسطينية التاريخية من النهر إلى البحر".

وتعليقاً على هذه المسألة الجوهرية، آثرت نسبةٌ بلغت 31% فقط من أهالي الضفة الغربية و 22% من سكان غزة "إنهاء احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة لتحقيق حل الدولتين". وعلى خلاف النتائج الأخرى التي صدرت مؤخراً، اختارت نسبة أقل من ذلك "حل الدولة الواحدة"، التي "تكون فيها حقوق متساوية للعرب واليهود في بلاد واحدة، [تمتد] من النهر إلى البحر". وكان هذا الأخير هو الخيار المفضّل لمجرد 11% في الضفة الغربية و8 % في قطاع غزة.

وتؤكد أسئلة الاستطلاع الأخرى هذا النمط. على سبيل المثال، قال ثلث فقط من المستطلعين أن حل الدولتين "يجب أن يكون نهاية الصراع." وقال ما يقرب من ثلثي المشاركين أن "المقاومة يجب أن تستمر إلى حين تحرير كافة أراضي فلسطين التاريخية". واعتبر ثلث فقط أنه "قد يكون من الضروري التخلي عن بعض مطالبنا ليتمكن شعبنا وأطفالنا من التمتع بحياةٍ أفضل."

وعلى النحو ذاته، رأى ثلثٌ فقط أن حل الدولتين قد يكون الهدف النهائي لقياداتهم. وبدلاً من ذلك قال نحو الثلثين أن هذا الحل سيكون "جزءاً من 'برنامج على مراحل' لتحرير كل فلسطين التاريخية في وقت لاحق". وتوضح هذه النتيجة الملفتة كيف يمكن لأكثرية الفلسطينيين أو ربما أكثر من ذلك أن يدعموا الرئيس محمود عباس ويرفضوا حل الدولتين في الوقت نفسه.

لكن السكان يريدون "مقاومة شعبية"، وليس عنفاً

على الرغم من استمرار الأجواء المتوترة بسبب خطف المراهقين الإسرائيليين الثلاثة في الضفة الغربية في 12 حزيران/يونيو وما ترتب عنه من عمليات تفتيش واعتقالات مكثفة من الجانب الإسرائيلي، لا يميل الشعب الفلسطيني إلى خيار العنف الواسع النطاق، بل أيّد المشاركون عموماً نهج اللاعنف فيما يخص المسائل التكتيكية حول العلاقات مع إسرائيل. ولم يسأل الاستطلاع بالتحديد عن حادثة الخطف الأخيرة، التي تبدو شائعة ومعتمدة نوعاً ما بين الفلسطينيين وفق ما يظهر من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي فضلاً عن الأدلة المتناقلة على الألسن.

وفي هذا الاستطلاع، عندما طُرح السؤال عمّا إذا كان يجب على «حماس» أن "تحافظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في كل من غزة والضفة الغربية"، ردّت أغلبية (56%) في الضفة الغربية ونسبة ملفتة في قطاع غزة (70%) بالإيجاب. وبالمثل، عندما سئل المستتطلعين إذا يتوجب على «حماس» قبول موقف عباس بأن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة يجب أن تنبذ العنف ضد إسرائيل، كان سكان الضفة الغربية منقسمون بصورة متساوية، ولكن أغلبية (57٪) من سكان غزة ردّوا بالإيجاب.

ومع ذلك، فإنّ "المقاومة الشعبية ضد الاحتلال" - كالمظاهرات والإضرابات والمسيرات والرفض الشامل للتعاون مع إسرائيل، وما شابه ذلك - تترك وقعاً إيجابياً من قبل معظم المشاركين في كلا المنطقتين: 62٪ في الضفة الغربية و 73٪ في قطاع غزة. وفي الأسبوع الذي أعقب إتمام الاستطلاع، يُحتمل أن يكون الرصاص الإسرائيلي الذي استهدف العديد من الفلسطينيين وعمليات الاعتقال التي شملت مئات غيرهم - في نطاق البحث عن ضحايا الاختطاف - قد يحوّل الرأي العام الفلسطيني في اتجاهٍ أكثر عدائية.

إن حادثة الاختطاف وحملة الإضراب عن الطعام التي مارسها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية قد عززت أيضاً الاهتمام الشعبي بقضية الأسرى. وحين سئل المشاركون عمّا يمكن لإسرائيل أن تفعله "لإقناع الفلسطينيين بأنها ترغب فعلاً في السلام"، اختارت الأكثرية الكبرى "تحرير المزيد من الأسرى الفلسطينيين"، وهذا خيارٌ تخطّى بأشواط خيارات أخرى، كان كل واحد منها في نطاق 15-20٪ وهي: "تقاسم القدس كعاصمة مشتركة"، "وقف بناء المستوطنات في ما وراء الجدار الأمني"، أو "منح الفلسطينيين حرية أكبر في التنقل وتضييق الخناق على هجمات المستوطنين".

«حماس» لا تحقق مكاسب سياسية من الأزمة

إن النتائج الأكثر لفتاً للانتباه، وخلافاً للتصور الخاطئ الشائع، هي أن «حماس» لا تحقق أي مكاسب سياسية من حادثة الخطف. وحين سُئل المشاركون من الذي يجب أن يكون الرئيس الفلسطيني خلال العامين المقبلين، سمّت أكثرية راسخة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الرئيس الحالي محمود عبّاس (30٪) أو غيره من زعماء «فتح»: مروان البرغوثي (12٪)، محمد دحلان (10٪) رامي حمد الله (6٪)، مصطفى البرغوثي (4٪)، سلام فياض (2٪)، محمود العالول (1٪). وتوحي هذه النتائج بقوة إلى أن الشعب الفلسطيني ككل يميل بشكل يكاد يكون معدوماً أو - لا يميل إطلاقاً - إلى تنفيذ أي تهديد بـ "حلّ" السلطة الفلسطينية.

وفي نقيضٍ حادٍّ لذلك، نال قياديّا «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل نسبةً دعم إجمالية بلغ مجموعها 9٪ فقط في الضفة الغربية و 15% في غزة. والنتيجة الأخرى المثيرة للدهشة هي أن النائب محمد دحلان يتمتع بدعمٍ شعبي ملحوظ بين سكان غزة بحصوله على نسبة 20%. والجدير بالملاحظة أيضاً أن أي شخص من قدامى حركة «فتح» الآخرين، مثل أبو علاء، أو نبيل شعث، أو جبريل الرجوب لم يحصل حتى على نسبة دعم تصل إلى 1% من المستطلعين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

الغالبية تريد من إسرائيل توفير فرص العمل

ظهرت بوادرإضافية وغير متوقعة من البراغماتية القصيرة المدى في ما يتعلق بالمعيشة وكسب الرزق. فقد قال ما يزيد عن 80% من المشاركين  في الاستطلاع إنهم يريدون "حتماً" أو "ربما" يريدون من إسرائيل أن تسمح للمزيد من الفلسطينيين بالعمل هناك. وقال نصفهم تقريباً إنهم سيقبلون شخصياً "بوظيفة لائقة ذات راتبٍ عالي" داخل إسرائيل.

علاوة على ذلك، على الرغم من وجود تأييد أغلبية محدود لمقاطعة إسرائيل، أعربت أغلبية أكبر عن رغبتها في أن توفر الشركات الإسرائيلية المزيد من الوظائف داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال النصف تقريباً أنهم سيعملون في مثل هذه الوظائف إذا توفرت. والجدير بالذكر أن هذا النوع من البراغماتية برز بوضوح خاص بين جيل الشباب من الفلسطينيين البالغين، أي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة. وهو الأمر بالنسبة لسكان الضفة الغربية من الفئة العمرية نفسها، حيث قال أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين إنهم يرغبون في قيام طريق سريع جديد يمتد من الشمال إلى الجنوب متخطياً حواجز التفتيش الإسرائيلية حول القدس. أما بالنسبة للمشاركين الأكبر سنّاً في الضفة الغربية، فكانت هذه النسبة أقل نوعاً ما إذ بلغت نحو الثلثين.

إدانة الضغوط الإسرائيلية، إنما الجرائم والفساد المحلي أيضاً

بينما تواصل إسرائيل بحثها عن المخطوفين، أعرب المشاركون الفلسطينيون عن قلقهم الواسع من السلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية - ولكن أيضاً من السلوك الفلسطيني في سياقٍ آخر. ففي الضفة الغربية يجد ثلاثة أرباع المستطلَعين "مشكلةً كبيرة" في "التهديدات وأعمال التخويف التي يمارسها الجنود الإسرائيليون وحرس الحدود" وكذلك في "التأخيرات والقيود المفروضة عند حواجز التفتيش". لكن نسبةً أقل من سكان الضفة الغربية - مع أنها لا تزال أغلبية (63%) - تجد في "التهديدات وأعمال التخويف من قبل المستوطنين اليهود" مشكلة لا يستهان بها. غير أن هذه النسب كانت أدنى بعض الشيء في غزة، حيث أن الوجود الإسرائيلي على الأرض هو أقل تدخلاً بشكل كبير.

وتأتي النظرة السلبية الشائعة حول بعض السلوك الفلسطيني لتضع هذه الأرقام في سياقها. ذلك أن نسبة 72% من أبناء الضفة الغربية يعتبرون "فساد المسؤولين في الحكومة الفلسطينية" مشكلة رئيسية؛ وكانت هذه النسبة بين سكان غزة 66٪. وبالمثل، فإن 77٪ من سكان الضفة الغربية و 71٪ من قطاع غزة يعتبرون أن الجريمة المحلية تشكل مشكلة كبيرة.

التداعيات السياسية

لا بد لهذه النتائج المخالفة للمنطق - التي تثبت أن العنف ليس خياراً شائعاً في صفوف الفلسطينيين وأن «حماس» لا تستفيد من المشاكل الحالية - أن تفسح المجال أمام صانعي السياسات الأمريكيين لأخذ الاستراحة التي يحتاجون إليها من أجل ترك الأمور تهدأ في هذا المجال والتركيز بدلاً من ذلك على الأزمة الأكثر إلحاحاً التي تجتاح العراق وسوريا. وبالفعل، فما كشفه هذا الاستطلاع من مزيجٍ غير متوقع بين الواقعية القصيرة المدى لدى الشعب الفلسطيني والنزعة البعيدة المدى للتحرك الجذري، يشير إلى أنه يجدر بالسياسة الأمريكية أن تنظر جدياً في فكرة التخلي عن كل آمالها بعقد سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين على المدى القريب. ويجدر بواشنطن عوضاً عن ذلك أن تركّز على الخطوات المباشرة لخفض حدة التوتر، وتحسين الظروف العملية، وربما تمهيد الطريق لمواقف أكثر اعتدالاً ومناقشات دبلوماسية أكثر إثماراً في المستقبل.

ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة.