أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2103

إضفاء طابع الإعتدال على الإسلاميين: الدروس المستفادة من تركيا لتطبيقها على الحالة المصرية

جيمس جيفري و سونر چاغاپتاي

متاح أيضاً في English

22 تموز/يوليو 2013


يستدعي عزل حكومة «الإخوان المسلمين» في مصر المقارنة مع الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا عام 1980، و"نموذج الديمقراطية التركي" الذي انكشفت فصوله على إثر ذلك الانقلاب. فعقب ذلك التدخل لعب الجيش التركي دور الحافظ على استقرار البلاد أثناء العملية الانتقالية، بينما تبنت الأحزاب الإسلامية في تركيا في نهاية المطاف وجهات نظر معتدلة من خلال المشاركة السياسية. فهل يمكن للانقلاب الذي وقع في تركيا عام 1980 أن يوفر خارطة طريق لمصر خلال الأشهر المقبلة؟ وعلى نطاق أوسع، هل يمكن تكرار تجربة تركيا الديمقراطية الشاملة في مصر؟

الجيش كحكم

ربما يبرز الانقلاب التركي باعتباره أكثر التدخلات العسكرية نجاحاً في المنطقة خلال الجيلين الماضيين. وفي حين قد يكون هناك اختلافاً في التفاصيل، إلا أن القوى الأساسية التي دفعت الانقلابين في مصر وتركيا متماثلة، ألا وهي: استقطاب اجتماعي مفرط، واعتقاد متزايد بأن الحكومة كانت مختلة تماماً، وشبح اندلاع عنف مدني. وفي حين أن بعض جوانب تصرفات الجيش التركي كانت مثيرة للجدل منذ فترة طويلة، إلا أن السكان دعموا التدخل آنذاك بشكل واسع. وكان أحد أسباب ذلك هو أنه من الواضح أن الجيش قد وضع البلاد على طريق العودة إلى الحكم الديمقراطي المدني، الأمر الذي أسفر عن إجراء انتخابات حرة في عام 1983 وانتخاب رئيس وزراء جديد هو تورغوت أوزال، الذي خاض الانتخابات كمرشح عن حزب المحافظين الإسلامي االذي كان الرائد في الانتخابات التي جرت عام 1977.

ويقيناً، أن ملاحقة الجيش للمنشقين كانت قاسية، كما أن تعامله مع السكان الأكراد ساعد على تحوّل "حزب العمال الكردستاني" إلى مصدر تهديد خطير بدءاً من عام 1984. ورغم ذلك، فرض الجيش قيوداً على حكمه السلطوي. فبعد استيلائه على السلطة بفترة وجيزة، أصدر خارطة طريق للعودة إلى الأوضاع الطبيعية، شملت صياغة دستور، واجراء استفتاء وطني على الوثيقة في عام 1982 (الأمر الذي أدى إلى موافقة أكثر من 90 في المائة من الذين شاركوا في الاستفتاء)، واجراء انتخابات برلمانية في العام التالي. ورغم اعتقال أعضاء من الحكومة والبرلمان السابقين، واحتجازهم لعدة سنوات، ومنعهم من تولي مناصب [حكومية]، إلا أنهم لم يخضعوا للمحاكمة أو يواجهوا تهماً جنائية أخرى. وعلاوة على ذلك، كانت الأغلبية الشاسعة من الموالين للحزب الحاكم قادرة على العودة مرة أخرى إلى الحياة السياسية (بما في ذلك أوزال، الذي نجا من الحظر بعد خسارته في الانتخابات التي خاضها عام 1977 للفوز بمقعد في البرلمان). وبالمثل، سرعان ما عادت الأحزاب المحظورة إلى هذه الدرجة أو تلك من الاختلاف، بل إن البرلمان ألغى الحظر بعدها ببضع سنوات.

ولم يحاول الجيش إحكام سيطرته على مقاليد السلطة، باختياره ولسبب غير مفهوم ضابطاً غير كفؤ هو الجنرال تورغوت سنلاپ، للترشح لمنصب رئيس الوزراء في عام 1983. ولكن عندما فاز "حزب الوطن الأم" الذي يرأسه أوزال بأغلبية ساحقة، احترم الجيش النتيجة وقام بتحويل السلطة لمرشحه الأقل كفاءة.

ومع ذلك، كان التحول إلى ديمقراطية كاملة متعددة الأطراف تدريجياً، وبقي الجيش حَكَماً قوياً في السياسات التركية. وبمساعدة المحاكم العليا، حظر سلسلة من الأحزاب الإسلامية بسبب رفضها الديمقراطية العلمانية وانتهاكها للدستور الجديد. ومن المفارقة أن هذه المساعي أثمرت عن قيام حركة إسلامية معتدلة هي "حزب العدالة والتنمية" الذي حظي بدعم شعبي واسع بانتقاله إلى الوسط، ثم استخدم هذه الصلاحية لتكبيل الجيش وإنهاء دوره في الحياة السياسية.

وبعيداً عن قمعه المثير للجدل للمنشقين والأكراد، فإن معالجة الجيش التركي للمرحلة الانتقالية بعد الانقلاب لن تكون نموذجاً سيئاً للجيش المصري. وبطبيعة الحال كانت لدى تركيا خبرة تمتد لثلاثين عاماً في الحكم الديمقراطي قبل الانقلاب، وكانت تربط البلاد علاقات وثيقة منذ أمد طويل بشبكة من المؤسسات الغربية (بما في ذلك منظمة "حلف شمال الأطلسي"). لكن للغرب ترتيبات مؤسسية وأمنية رئيسية مع مصر أيضاً، ويمكن توسيع نطاق العديد منها.

ديناميات الاعتدال

الآن وعقب الإطاحة بـ جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر بالقوة، فهل ستعتدل «الجماعة» بتبنيها الديمقراطية وتحركها إلى الوسط؟ إن تجربة تركيا مع "حزب العدالة والتنمية" تثبت أن هذا الأمر ممكن. بيد أنها تظهر أيضاً أن الكثير من الاعتدال لا يتحقق نتيجة تقبله طواعية من قبل الإسلاميين، بل لأن الضوابط والتوازنات القوية - الداخلية والخارجية - تفرض ذلك الاعتدال.

في خلال السنوات التي أعقبت انقلاب عام 1980، فإن الحظر القضائي على الأحزاب الدينية غير الديمقراطية لم يمنح الإسلاميين أية فرصة غير الاعتدال، لا سيما وأن الحظر كان مدعوماً من قبل الجيش، وجماعات الشركات التجارية الليبرالية القوية، والأحزاب العلمانية، ووسائل الإعلام القوية الموالية للغرب. وعند إغلاق جماعات مثل "حزب الإنقاذ الوطني" بعد الانقلاب، شكّل الإسلاميون فصيلاً أكثر اعتدالاً وهو "حزب الرفاه". وبعد تحقيق انتصارات انتخابية كبيرة على مدار السنوات، تم حظر "حزب الرفاه" في نهاية المطاف عام 1998 بسبب اتباعه لأجندة دينية. وقد دفع هذا إلى تكوين "حزب الفضيلة"، الذي قدم نسخة أقل حدة من خطاب "حزب الرفاه". ومع ذلك، فقد حُظر "حزب الفضيلة" في عام 2001، مما دفع زعيم "حزب الرفاه"/"حزب الفضيلة" ورئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان إلى إضفاء طابع أكثر اعتدالاً على خطابه وإعادة تجسيد الحركة في شكل "حزب السعادة" في عام 2001.

وقد لعبت أوروبا دوراً كذلك في هذا الاعتدال التدريجي. فقد كانت تركيا قد قبلت منذ فترة طويلة بـ "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" باعتبارها أعلى محكمة لها، لذلك عندما تم حظر حزبي "الفضيلة" و"الرفاه"، فإنهم رفعوا قضاياهم أمام تلك المحكمة للاستئناف. بيد أيدت "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" ذلك الحظر بقرار صدر في عام 2001، حيث كتبت، "نحن نقبل عن طيب خاطر ما تقوله الحكومة بشأن الأهمية الحيوية للعلمانية في المجتمع التركي"، مشيرة إلى أن تركيا هي "الدولة الوحيدة التي تتميز بعدد كبير من السكان المسلمين وتتمسك بمبادئ ديمقراطية ليبرالية".

وهذه الديناميكيات الداخلية والخارجية هي التي أثمرت عن قيام "حزب العدالة والتنمية"، الحزب الحاكم حالياً في تركيا. وعندما سعى أربكان إلى ترسيخ استمرارية حركته الإسلامية من خلال "حزب السعادة" في تموز/يوليو 2001، قرر كثيرون من كوادره السابقين بأن هناك حاجة إلى اتباع نهج جديد. وبعد أن انفصلوا عنه وأخذهم معهم الكثير من آليات "حزب الرفاه"/"حزب الفضيلة"، قاموا بتأسيس "حزب العدالة والتنمية" في آب/أغسطس 2001. ورغم أن "حزب العدالة والتنمية" يستمد جذوره بصفة أساسية من أسلافه الإسلاميين بشكل أكثر وضوحاً، إلا أنه وضع برنامجاً سياسياً معتدلاً في انتخابات عام 2002 من أجل كسب ناخبي الوسط وإقناع السكان أنه ليس حزباً دينياً. كما شهد "حزب العدالة والتنمية" انفراجة في الأزمة الاقتصادية عام 2001 - وهي أسوأ أزمة من هذا النوع في التاريخ التركي الحديث، وعاملاً رئيسياً في نزع الثقة عن الأحزاب العلمانية الموجودة في السلطة في ذلك الحين.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية: فبينما حصل "حزب الرفاه" على 21 في المائة من الأصوات على أقصى تقدير في انتخابات عام 1995، فإن "حزب العدالة والتنمية" حصل على 34 في المائة من الأصوات في عام 2002. إن التطور في خطاب "حزب العدالة والتنمية" كسب الناخبين الذين يُرجح عدم دعمهم بتاتاً حزباً إسلامياً في الماضي. على سبيل المثال، لم يحصل "حزب الرفاه" أكثر من 5 في المائة من الأصوات في مدينة أزمير ذات الميول اليسارية، بينما حصل "حزب العدالة والتنمية" على 17 في المائة من الأصوات في تلك المدينة.

وقد كان نجاح "حزب العدالة والتنمية" ينبع أيضاً من قراره تكوين قيادة تضم وجوهاً جديدة، مثل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الجمهورية عبد الله غول، ونائب رئيس الوزراء بولنت أرينج. وعلى عكس أربكان، الذي طوّر "نسخة" من الدعوة للشريعة منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن هذه الأسماء الجديدة كانت في وضعية أفضل لإقناع الأتراك بأنهم لا يتبعون أجندة إسلامية أو متطرفة. ويشير ذلك إلى أن احتمالات مستقبل جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر سوف تعتمد على قدرتها على دفع قيادة جديدة غير ملوثة بالخطاب والسياسات السابقة للحركة.

هل يمكن دفع «الإخوان» نحو الاعتدال؟

يوفر النموذج التركي دروساً عديدة بشأن الاعتدال المحتمل لـ «الجماعة» في مصر:

·     الأحزاب الإسلامية تتبنى نهجاً معتدلاً عند السماح لها بالبقاء في اللعبة السياسية. رغم أن المحاكم في تركيا أغلقت الأحزاب الإسلامية في تركيا عدة مرات، إلا أنها منحت أيضاً هذه الأحزاب خيار الترشح في الانتخابات المستقبلية ببرنامج أكثر اعتدالاً.

·     الأحزاب الإسلامية لا تقبل الاعتدال ما لم يُفرض عليها. حتى لو تم دمج «الإخوان» في العملية الديمقراطية في مصر في المرحلة القادمة، فلن تتبنى الجماعة نهجاً معتدلاً بالفعل ما لم تكن هناك ضوابط وتوازنات قوية بما في ذلك دستور يفرض احترام المبادئ الديمقراطية، وقيام سائل إعلام حرة وحازمة، ومحاكم مستقلة. إن الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها تركيا عقب حملة القمع التي قام بها أردوغان ضد الاحتجاجات التي وقعت في "جيزي بارك" تظهر ما يحدث عندما تعمل سنوات من النجاحات الانتخابية والاقتصادية اللامعة على تآكل العلاجات الطبيعية لطغيان السلطة.

·     الأحزاب الإسلامية تتبنى نهجاً معتدلاً عند فشل برنامجها، وهو ما يقاس عن طريق حصولهم على الأصوات اللازمة للوصول إلى سدة الحكم أو عدم حصولهم إياها.

·     العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً في اعتدال الأحزاب الإسلامية. كانت تلك هي الحال مع تركيا، على الرغم من أن وجود حافز رئيسي واحد للتعاون مع الغرب - وهو الوضع الأمني الخطير الذي تواجهه أنقرة عادة (الحرب في سوريا المجاورة، على سبيل المثال) - كان غائباً إلى حد كبير في مصر منذ عام 1979.

الخلاصة

إن تركيا ومصر دولتان مختلفتان، بطبيعة الحال، لذا فإن تجربة أنقرة مع الأحزاب الإسلامية قد لا تسري على القاهرة. ورغم ذلك، يمكن لجماعة «الإخوان» أن تحذو حذو "حزب العدالة والتنمية" نحو الاعتدال إن توافرت الظروف المناسبة: ونقصد بهذا تحديداً، إذا يمنح النظام السياسي (وعلى وجه الخصوص، الحكام العسكريون الجدد) «الجماعة» مساحة للتنافس في الانتخابات القادمة؛ وإذا كان الدستور القادم يضمن الحريات الديمقراطية في الوقت الذي يسمح فيه للمحكمة العليا في البلاد بمراقبة وتوبيخ الأحزاب التي لا تلتزم بهذه المبادئ؛ وإذا تمكنت «الجماعة» نفسها من إيجاد قيادة جديدة تعتنق تلك الأجندة.

ومع ذلك، فكما ذكر أعلاه، يشير النموذج التركي إلى أنه في حين أن الأحزاب الإسلامية قد تتبنى نهجاً معتدلاً للوصول إلى السلطة، إلا أنها غالباً ما تغريها العودة إلى أقصى اليمين بمجرد أن تتعزز شعبيتها، معتنقة ثانية النهج المعادي لليبرالية ووجهة نظر الأغلبية حول الديمقراطية. فمنذ وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم كقوة معتدلة، فإن الحكم الفعّال ساعده على بناء دعم إضافي، وصل ذروته في حصوله على 49.5 في المائة من الأصوات في انتخابات عام 2011. إلا أن هذا الدعم أدى أحياناً إلى حياد الحزب بعيداً عن برنامجه المعتدل السابق، وهو ما دللت عليه مساعي الحكومة لكبح المعارضة وسن تشريعات تعزز النهج الاجتماعي المحافظ. وبعبارة أخرى، فإن اعتدال الأحزاب الإسلامية في البلدان الديمقراطية قد تكون تكتيكية أكثر من كونها استراتيجية. إن الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة ضد أسلوب "حزب العدالة والتنمية" في الحكم تشير إلى أن النموذج التركي لا يزال غير مكتمل - لكنه يشير كذلك إلى أن الأجسام المضادة القوية لحدوث انتكاسة إسلامية لحكم الأغلبية يمكن غرسها داخل نظام ديمقراطي حقيقي.

ورغم تمرد "حزب العمال الكردستاني" الذي استمر لفترات طويلة، والمشاكل السياسية الراهنة، وغيرها من المخاوف، إلا أن تركيا كانت ديمقراطية ناجحة بشكل عام منذ انقلاب عام 1980، وكذلك حليف مستقر وقوي ومفيد للولايات المتحدة. ينبغي لواشنطن أن تتوقع من مصر أن تفي بنفس المعيار.

 

جيمس إيف. جيفري هو زميل زائر متميز في زمالة "فيليب سولونتز" في معهد واشنطن وسفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا. سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في المعهد.