أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

مذكرة لترامب: العراق بعيداً كل البعد عن الفشل

مايكل نايتس

متاح أيضاً في English

"فورين بوليسي"

13 شباط/فبراير 2017


شهد العراق تقلباً سياسياً كبيراً في الأسبوعين الأولين من الفترة الرئاسية لدونالد ترامب. ففي 21 كانون الثاني/يناير، كرر القائد الجديد المقولة التي لطالما ردّدها، بأنّ الولايات المتحدة ربما كانت لتعوّض تكاليف حرب العراق لو استولت على النفط العراقي بطريقة أو بأخرى. وبعد ستة أيام، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً يمنع المواطنين العراقيين من دخول الولايات المتحدة لمدة 90 يوماً. وفي البداية تضمن المنع عدم دخول آلاف المترجمين وغيرهم من العراقيين الذين خاطروا بحياتهم في المحاربة إلى جانب الجنود الأمريكيين في العراق.

وعلى الرغم من إصدار البرلمان العراقي دعوة غير ملزمة بالردّ على هذا المنع من خلال منع الزوار الأمريكيين من دخول العراق، إلا أن رئيس الوزراء حيدر العبادي اختار اتباع نهجاً أخلاقياً. ففي خطابٍ ألقاه في 31 كانون الثاني/يناير، رفض الخضوع للضغوط السياسية المحلية وألغى حظر السفر المقابل.

وقبل رفض العبادي منع دخول الأمريكيين إلى العراق بيومٍ واحد، أقرّ البرلمان العراقي تعيين قاسم الأعرجي وزيراً جديداً للداخلية. والأعرجي مقاتلٌ شيعي متطرف مناهض بشدة للولايات المتحدة أمضى 26 شهراً معتقلاً لدى التحالف بتهمة دعم المتمرّدين المدعومين من إيران. وأصبح اليوم مسؤولاً عن أكبر وزارة في العراق، التي لها قواتها الخاصة، ومخابراتها، وجيشها المصغر (الشرطة الاتحادية)، ومئات من مراكز الشرطة في جميع أنحاء البلاد.

وقد احتفظت «منظمة بدر» - الحزب الذي ينتمي إليه الأعرجي - بوزارة الداخلية منذ عام 2014. إلّا أنّ الحكومة قاومت تعيينه لوزارة الداخلية على مدى ستة أشهر، لصالح مسؤولٍ تابع لـ «منظمة بدر» يكون أقلّ عدائية تجاه الولايات المتحدة والأكراد والسنّة. إلّا أنّ تلك المقاومة انهارت عندما حظرت الولايات المتحدة دخول العراقيين إليها. وشكل ذلك دراسة حالةٍ حول النتائج الوخيمة التي قد تحملها التصريحات غير المتّزنة أو الأفعال الطائشة في واشنطن على دول مثل العراق، حيث مكانة الولايات المتحدة أكثر ضعفاً من السابق.

المصالح القومية الأمريكية والعراق

يشكّل ضبط النفس الذي مارسه العبادي كرجل دولة - والذي قد يضرّ بمستقبله السياسي في انتخابات عام 2018 - تذكيراً أيضاً بالمصالح الكبيرة المشتركة بين الولايات المتحدة والعراق، لا سيما في الوقت الذي يحارب فيه البلدان جنباً إلى جنب في الموصل. وسواء كان المرء يهتم بمصير العراق أم لا - وأنا أهتم به إلى حد لافت للنظر - فإنّ أهمية البلاد للمصالح الأمريكية هي ببساطة أعظم من أن تتم المخاطرة بفشلها.

فالعراق يحوي اليوم رابع أكبر كثافة سكانية في الشرق الأوسط. فإذا سئمتَ من معاناة 23 مليون مواطن في سوريا، أو إذا كنت تقلق حيال تدفق النازحين ومن الملاذ الآمن للإرهابيين داخل البلاد، فحاول أن تتخيل كم سيكون الوضع أسوأ بكثير لو أضيف 36 مليون عراقي إلى المعادلة.

وكاد هذا يحصل عندما سيطر تنظيم «الدولة الإسلامية» على ثلث العراق في عام 2014، إلّا أنّه تم تفاديه بشكلٍ أساسي بفضل الهجوم العراقي المعاكس بمساعدةٍ من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وسف ينقسم العراق من جديد، وسوف يظهر خطرٌ آخر مماثلٌ لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، ما لم تبقى الولايات المتحدة منخرطة في تلك البلاد.

ويضم العراق أيضاً خامس أكبر مخزونٍ نفطي في العالم. فتخيل لو وقعت هذه الثروة في أيدي نظامٍ مناهض للغرب ومدعوم من إيران، التي تملك بدورها رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وقد عمدت الإدارة الأمريكية الجديدة إلى توجيه "إنذارٍ" لإيران لدعمها للقوات الوكيلة لها وتوسيع نفوذها اللذين يزعزعان الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وليس هناك أي بلد يكون فيه هذا الصراع أكثر إلحاحاً مما هو عليه في العراق. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من العراق في كانون الأول/ديسمبر 2011، تفاقم النفوذ الإيراني في تلك البلاد بشكلٍ ملحوظ. فالميليشيات العراقية الشيعية المدعومة من إيران تنفّذ السياسة الخارجية الخاصة بها، وتعمل كجحافل أجنبية إيرانية في سوريا. وقام بعض هؤلاء الوكلاء، على غرار «كتائب حزب الله» و «عصائب أهل الحق»، بإعادة تسمية أنفسهم كـ «وحدات الحشد الشعبي»، وهي عبارة عن متطوعين في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أنّ هدفهم الحقيقي هو استمرار القتال إلى ما بعد تحرير الموصل وتشكيل فرع عراقي دائم لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني. وأصبحت عناصر أخرى مدعومة من إيران، مثل وزير الداخلية الأعرجي، تدير اليوم أجهزة أمنية رئيسية.

وإذا تم إضعاف المعتدلين مثل رئيس الوزراء العبادي من قبل هؤلاء الوكلاء الإيرانيين، فسيعود العراق وينزلق ببطء في حربٍ أهلية كتلك التي تشهدها سوريا. وسوف يملأ تنظيم «الدولة الإسلامية» أو خلفٌ له هذا الفراغ. وسيخسر العراق جميع مكاسبه من العامين المنصرمين، وسيدفع الوكلاء الإيرانيون الولايات المتحدة إلى خارج العراق - وبالتالي سيتم فقدان القدرة على المنع بصورة مباشرة إعادة ظهور ملاذ آمن جديد للإرهابيين في قلب الشرق الأوسط.

الدور المستقبلي للولايات المتحدة في العراق

الأنباء السارة هي أنّ الولايات المتحدة لا تسبح ضد تيار السياسة العراقية. بل على العكس من ذلك، أيّدت الوجهة السياسية والدينية السائدة. ولا يرغب معظم العراقيين أن تسيطر أطراف أجنبية على بلادهم، بل يريدون السيادة والخيارات والنفوذ.

إلّا أنّ إيران لا تقدّم ذلك. فجميع الوطنيون العراقيون يعلمون - سواء كانوا من الشيعة المعتدلين مثل العبادي، أو من جنود القوات الخاصة المدربة على يد الولايات المتحدة، أو من العرب السنّة، أو حتى من المحليين الشيعة المتشددين مثل مقتدى الصدر - أنّ سيطرة الفصائل المدعومة من إيران على بغداد ستعلن نهايتهم جميعاً. وفي الوقت نفسه، تنظر القيادة الدينية الشيعية في النجف إلى فوهة المسدس الإيراني. فعندما يرحل المرجع الشيعي الأكبر في البلاد آية الله العظمى السيد علي السيستاني، سوف ينشب صراعٌ عنيف على القيادة الروحية للعراقيين الشيعة، و سوف تلعب إيران بقسوة للحصول على هذه الجائزة النهائية.

ويمكن للعراقيين الأكراد شبه المستقلين، وهم الحلفاء الأقدم للولايات المتحدة في العراق، أن يتطلّعوا أيضاً لمواجهةٍ جديدة مع الحكومة العراقية إذا سيطر وكلاء طهران على بغداد. وكما تعرب الحكومة الدينية في طهران وباستمرار عن كرهها الخاص للأكراد الإيرانيين ، سوف يحاول «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني أيضاً أن يضع العراقيين الأكراد تحت مطرقة دولةٍ قمعية.

وللولايات المتحدة رؤية أقل تقييداً بكثير التي هي أكثر جاذبيةً للعراقيين. فقد دعا المبعوث الأمريكي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» بريت ماكغورك إلى "فدرالية فاعلة"، ومشاركة السلطة بين الكتل العرقية والطائفية، والتوصل إلى تسوية تفاوضية بين بغداد والأكراد حول الوضع المستقبلي لـ «إقليم كردستان العراق». وتريد واشنطن ضمنياً أن يصبح العراق قوياً وذو سيادة لكي تتمكن الولايات المتحدة من تقليص وجودها دون التنازل عن البلاد لإيران.

الحصول على عائد على الاستثمار في العراق

لا يوجد شيء يعوّض عن الأرواح الأمريكية الشابة التي خسرتها الولايات المتحدة في العراق، أو يعيد مليارات الدولارات التي أنفقتها هناك. إلّا أنّ بإمكان واشنطن تفادي خسائر بشرية ومادية مستقبلية من خلال المحافظة على برنامجٍ متواضع لمساعدة العراقيين المعتدلين مثل العبادي وحلفاء الولايات المتحدة في الجيش العراقي والقوات الخاصة.

يجب على الرئيس ترامب أن يفهم أنّ الشراكة الأمريكية -العراقية هي ببساطة صفقةٌ رائعة. فإذا كان يبحث عن شريكٍ يدعم الأهداف الأمريكية ولكن يتحمّل معظم التكاليف بنفسه، فلن يحتاج أن يبحث عن غير العراق على مدى العامين المنصرمين.

فلننظر في المساعدات الاقتصادية الأمريكية للعراق، على سبيل المثال. لقد لعبت واشنطن دوراً قيادياً في جمع مساعداتٍ اقتصادية بقيمة 16 مليار دولار أمريكي للمساهمة في تمويل حرب العراق على تنظيم «الدولة الإسلامية». لكن ما هو المبلغ الذي أنفقته الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر؟ لقد كانت قيمة المساهمة الأمريكية الأساسية 2.7 مليار دولار من ائتمان التمويل العسكري الأجنبي - وهو في الواقع قرضٌ لشراء المعدات العسكرية الأمريكية، الأمر الذي يساعد الصناعة الأمريكية والجيش العراقي على حدٍ سواء.

وسيصبح العراق الغني بقيادة المعتدلين اقتصاداً قوياً حيث يمكن للشركات الأمريكية أن تتنافس على فرص متكافئة. وقد أعلنت شركة الهندسة الأمريكية العملاقة "جنرال إلكتريك" [عن توقيع] صفقةً بقيمة 1.4 مليار دولار أمريكي لتطوير قطاع الكهرباء في العراق، وهي واحدة من بين عددٍ من الصفقات الضخمة التي تخدم الولايات المتحدة في مختلف القطاعات كالدفاع والطاقة.

وحتى أن العراق شريكاً أشد قوة في المجال الأمني. فبين العامين 2014 و2016، خمّن القادة العسكريين الأمريكيين عدد ضحايا تنظيم «الدولة الإسلامية» بـ 45 ألف مقاتل في العراق وسوريا، ووقع القسم الأكبر منهم في العراق على الأرجح. وفي الفترة نفسها، قُتل أربعة جنود أمريكيين في العمليات العسكرية في العراق. ويعود هذا العدد المنخفض إلى واقع أنّ قوات الأمن العراقية تولّت معظم القتال بدعمٍ جوي من التحالف بقيادة الولايات المتحدة، ويجسّد هذا المشهد مشاركة الأعباء التي تتوقعها الإدارة الأمريكية الجديدة من حلفائها الرئيسيين.

يتعين على إدارة ترامب أن تتحرك الآن للحفاظ على هذه الصيغة. وأول ما يمكنها القيام به هو تمديد مهمة "قوة المهام المشتركة - »عملية العزم المتأصل«" لفترة لا تقل عن سنتين. وهذا التحالف المؤلف من أكثر من 60 دولة ليس قادراً على حصد مساهماتٍ جوهرية من دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا فحسب، بل يضمن أيضاً مواجهة المتشددين المدعومين من إيران صعوباتٍ أكبر في استهداف وانتقاد ائتلافٍ يضمّ العديد من الدول التي تعوّل عليها إيران للاستثمار ودعم تخفيف العقوبات المفروضة عليها.

يتعين على الولايات المتحدة أيضاً إنشاء صندوق جديد لـ "تدريب وتجهيز العراق" لدعم الجيش العراقي فيما يتخطى نهاية عام 2017. وكانت تكلفة صندوق "تدريب وتجهيز العراق" السابق 1.6 مليار دولار أمريكي وقد حطّم طموح تنظيم «الدولة الإسلامية» بإنشاء خلافةٍ دائمة عبر مساحات العراق الواسعة. ينبغي تكرار هذا النوع من الاستثمار من خلال خطةٍ أخرى تمتد على ثلاث سنواتٍ وتدعم كل من "جهاز مكافحة الإرهاب العراقي" الذي أنشأته الولايات المتحدة وكذلك الجيش العراقي، اللذين يمثلان آخر أفضل الآمال لمقاومة نمو الميليشيات المدعومة من إيران.

لقد كان الحظر الوشيك على دخول الزوار الأمريكيين إلى العراق إنذاراً لواشنطن بأنّ العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق ليست بعيدة كل البعد عن الفشل. فلو فرض ترامب حظر السفر بعد تحرير الموصل، عندما كان بإمكان العناصر المدعومة من إيران القول بأنه لم تعد هناك حاجة للجيش الأمريكي، فعندئذ قد لا يكون العبادي قادراً على مقاومة الضغوط. ومع تحديد موعد انتخابات مجالس المحافظات في أيلول/سبتمبر 2017 والانتخابات النيابية في ربيع عام 2018، سوف يتزايد الضغط على القادة العراقيين لاتخاذ تدابير شعبوية.

وعندما تقع الأزمة المقبلة، من الضروري أن تشكّل الولايات المتحدة جزءاً لا يتجزأ من البرامج العراقية لتدريب جيشها وتجهيزه وتعزيز اقتصادها. وإذا استمرت إدارة ترامب بإهانة العراقيين في جميع أنحاء البلاد بشكلٍ كبير، فلا يمكنها أن تتوقع من المعتدلين أمثال رئيس الوزراء العبادي أن يستمروا في مواجهة الضغط الإيراني. وفي تلك الحالة، سوف ينظر المؤرخون إلى الوراء يوماً ما ويسألون كيف خسرت إدارة ترامب [تحالفها] مع العراق.

 

مايكل نايتس هو زميل "ليفر" في معهد واشنطن ومؤلف التقرير الذي أصدره المعهد باللغة الانكليزية بعنوان "كيفية تأمين الموصل". وقد عمل في جميع محافظات العراق وأمضى بعض الوقت ملحقاً بقوات الأمن في البلاد.