أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2842

"الذئب الوحيد": أهو مجرد بدعة عابرة أو تهديد إرهابي للمستقبل؟

بوعز غانور, بروس هوفمان, مارلين ميزل, و ماثيو ليفيت

متاح أيضاً في English

7 آب/أغسطس 2017


"في 31 تموز/يوليو، خاطب بوعز غانور، بروس هوفمان، مارلين ميزل وماثيو ليفيت منتدى سياسي في معهد واشنطن. وغانور هو الرئيس المساعد لـ "مدرسة لاودر للدراسات الحكومية" والمدير التنفيذي لـ "المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب" في "مركز هرتسليا متعدد التخصصات". كما هو مؤسس ورئيس "الجمعية الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب. وهوفمان هو أستاذ في "كلية إدموند أ. والش للشؤون الخارجية" في "جامعة جورج تاون"، ويدير فيها "مركز الدراسات الأمنية" و "برنامج الدراسات الأمنية". وميزل، هي باحثة مساعدة في معهد واشنطن، في إجازة من منصبها كمديرة "شعبة دعاوى مكافحة الإرهاب" بـ "وزارة العدل الإسرائيلية". وليفيت هو زميل "فرومر- ويكسلر" ومدير برنامج "ستاين" للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في المعهد. وفيما يلي موجز المقررة لملاحظتهم".

بوعز غانور

الذئب الوحيد هو فرد تحوّل إلى إنسان متطرف، ونتيجة لذلك، قرر القيام بعمل إرهابي. وقد عارض عدد كبير من العلماء صحة هذا المصطلح، متسائلين عما إذا كانت "الذئاب الوحيدة"، أو "المهاجمون بمبادرة فردية"، يعملون حقاً من تلقاء أنفسهم. ومع ذلك، ففي حين قد يستوحي "الذئب الوحيد" إيديولوجيته من منظمة إرهابية، إلّا أنّه/أنّها لا يتلقى/تتلقى دعماً عملياً أو أي دعم آخر من منظمة من هذا القبيل، وبالتالي يعمل/تعمل فعلياً من تلقاء نفسه/ها.   

وعلى الرغم من أن هجمات "الذئاب الوحيدة "- التي تُرتكب عادة بأسلحة خفيفة مثل السكاكين أو الفؤوس، أو الجرافات - لا تشكل تهديداً يتعيّن أخذه على محمل الجد، إلا أنها لا تُسفر عموماً عن وقوع عدد كبير من الضحايا. ونظراً لأن هجمات "الذئب الوحيد" ظاهرة متنامية، وأن الإرهابيين يبحثون دائماً عن تقنيات جديدة، يجب ألا يقلّل المتخصصون في شؤون مكافحة الإرهاب من شأن الخطر الذي يشكلوه منفذو هذه الهجمات على الجمهور العام.

ومن أجل منع هجمات "الذئاب الوحيدة"، يتعين على المسؤولين أن يفهموا التفكير الكامن وراءها.  فأولاً وقبل كل شيء، إن الإرهابيين هم عناصر عقلانية تقيّم تكاليف الانخراط في المسار الإرهابي ومنافعه. وبالفعل، قد تكون هناك صعوبة في تحديد محفزات هؤلاء الأفراد، نظراً إلى أنها تختلف من شخص لآخر. غير أنه يبدو أن إحدى "المنافع" المشتركة عالمياً، تتمثل بمشاعر الشرف والارتياح.

وبغية اكتساب الشرف من تنفيذ هجوم "الذئب الوحيد" والحصول على الثناء، يقوم المنفذون في كثير من الأحيان بنشر نواياهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل التنفيذ. ويمنح هذا الانكشاف لمحللي المعلومات الاستخباراية فرصة للتعاون مع منافذ وسائل التواصل الاجتماعي وجمع معلومات مفتوحة المصدر قبل وقوع الهجمات. فضلاً عن ذلك، يتعيّن على الخبراء استحداث آليات لتحديد الرسائل الإلكترونية المتطرفة وتطوير قدرات البيانات الكبيرة من أجل رصد ومراقبة الخطابات. ولا شك أن بعض هذه الجهود قد بدأت بالفعل، ولكن يجب القيام بعمل إضافي لمعرفة كيفية استخدام هذه البيانات على أفضل وجه لوقف الهجمات.   

 

بروس هوفمان

لا يمثل نموذج "الذئب الوحيد" للإرهاب شيئاً جديداً. ففي عام 2001، دعا نائب زعيم تنظيم «القاعدة» آنذاك، أيمن الظواهري، إلى قيام الأفراد بمهاجمة اليهود والأمريكيين بالسكاكين أو قنابل المولوتوف أو غيرها من الأجهزة المنزلية الصنع. إلّا أن ظاهرة "الذئب الوحيد" لم تدخل التيار الرئيسي كنموذج للإرهاب سوى منذ ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية».

وكان تنظيم «داعش» قد استخدم مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى قاعدة كبيرة من الجمهور وتشجيع هجمات "الذئب الوحيد". وخلافاً للإرهابيين المتمرّسين الذين نفذوا هجمات 11 أيلول/سبتمبر، يوفّر نموذج "الذئب الوحيد" لدى تنظيم «الدولة الإسلامية» فرصةً لأي شخص للمشاركة في أعمال إرهابية. وعلى وجه الخصوص، جعل تنظيم «الدولة الإسلامية» المشاركة في الأعمال الإرهابية أكثر سهولة من خلال توفير توجيهات حول كيفية ومكان وزمان تنفيذ اعتداء ما، متلاعباً في أغلب الأحيان بأفراد ضعفاء للقيام بذلك.  

وتطرح اعتداءات "الذئب الوحيد" تحدياً جديداً أمام خبراء إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب. فخلافاً لضربات الجماعات الإرهابية المنظمة، من الأصعب بكثير التنبؤ باعتداءات "الذئب الوحيد" حيث لا يترك منفذو هذه العمليات عادةً أي آثار يمكن للسلطات تعقّبها. ورغم أن هجمات "الذئب الوحيد" [الهجمات الفردية] هي أقل عنفاً من أشكال الإرهاب الأخرى، فإن العدد الهائل من تهديدات "الذئب الوحيد" قد يرهق سلطات المخابرات وإنفاذ القانون ويصرف انتباهها.  

ففي عام 2015، كانت السلطات الفرنسية تتعقب عدداً هائلاً من الأفراد، وبالتالي فقدت القدرة على تمييز المؤامرات الإرهابية الأكبر والأكثر فتكاً التي نُفذت في وقت لاحق في باريس في تشرين الثاني/نوفمبر. ولهذا السبب من الأهمية بمكان أن يولي خبراء إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب اهتماماً كبيراً بمجموعة واسعة من التهديدات، ولا سيما المخططات الواسعة النطاق، وألا ينشغلوا كثيراً في تعقّب "الذئاب الوحيدة" المحتملة.

 

مارلين ميزيل

شهدت إسرائيل، مثلها مثل أوروبا، زيادة في الهجمات الفردية خلال السنوات القليلة الماضية. ويبدو أن هذه الهجمات ينفذها على وجه الخصوص شباب فلسطينيون لا ينتمون إلى أي منظمات إرهابية أو غير مدربين من قبلها.

ومن ثم تبرز أسئلة حول سبب انخراط المزيد من الشباب الفلسطيني في الأعمال الإرهابية؛ وما هي الظروف الأساسية التي تدفعهم إلى ارتكاب مثل هذا العنف؛ وما إذا كانت القيادة الفلسطينية، بما فيها السلطة الفلسطينية، قد شاركت في أعمال التحريض من خلال تمجيد أفعال محددة؛ وما الأثر الذي خلفه مثل هذا التحريض المحتمل، إن وجد، على منفذي الهجمات المستقبليين؛ وما هي الدروس المستفادة المقابلة التي يمكن استخلاصها حول التطرف و"الذئاب الوحيدة".

وقد خلُصت دراسة ركزّت بشكل خاص على الهجمات الفردية التي يشنها الفلسطينيون ونُفذت بين تشرين الأول/أكتوبر 2015 وأيلول/سبتمبر 2016، إلى أن 105 اعتداءات نفذها شباب باستخدامهم السكاكين (السلاح الأكثر شيوعاً) أو البنادق أو الأجهزة المتفجرة. وتراوحت أعمار ما يقرب من 60 في المائة من المهاجمين بين ستة عشر أو سبعة عشر عاماً، في حين كان الـ 40 في المائة الآخرين أصغر سناً.

وأظهرت هذه الدراسة، التي استندت على أسماء منفذي الهجمات كما وردت في قواعد البيانات العامة، وجود تحريض مؤسسي فعلي مارسته "السلطة الفلسطينية" والقيادة الفلسطينية، بما في ذلك من خلال تعليق النشرات الرسمية التي تُشيد بالشباب كشهداء، مع تصريحات وصور للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات؛ وإصدار البيانات التي تؤيد ضمناً الأعمال الإرهابية؛ والقيام بزيارات علنية لأسر الإرهابيين الذين قُتلوا، وتوفير تغطية إعلامية واسعة؛ وإقامة الجنازات العسكرية الرسمية التي تمدح تلك الهجمات.

وتشير البيانات حتى الآن أيضاً إلى ترابط محتمل بين التحريض المؤسسي وتواتر الهجمات الإرهابية. وخلال فترة ذروة الطعن الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2015 حتى آذار/مارس 2016، كان تمجيد المؤسسة الفلسطينية على أعلى مستوى له. ومن نيسان/أبريل 2016 حتى أيلول/سبتمبر 2016، تشير البيانات الأولية إلى حدوث انخفاض في مثل هذا التمجيد المؤسسي، بموازاة الانخفاض في الطعن. وبالتالي قد يكون تحريض "السلطة الفلسطينية" قد ساهم في البيئة الملتهبة العامة - ولكن السؤال يبقى متمحوراً حول السبل التي قد يَرسم من خلالها مثل هذا التحريض وجهات نظر الشباب وسلوكياتهم ومعالم أفعالهم. كما كان من الممكن أن تتأثر هذه الاتجاهات بعوامل بيئية أخرى، ويلزم إجراء مزيد من البحوث لفهم العلاقة بين أعمال إرهاب محددة وحالات محددة من التحريض المؤسسي الفلسطيني.

وعلى الرغم من أن نتائج الدراسة التي نوقشت هنا أولية - والدراسة نفسها لا تزال قيد البحث - يمكن بشكلٍ واضح استنتاج الحاجة الماسة إلى فهم كافة المحفزات التي تدعو الشباب إلى تنفيذ هجمات إرهابية والقضاء عليها. ومن الضروري الحد من التمجيد الرسمي لهذه الأفعال، إلى جانب دفع مبالغ لأسر المهاجمين. بالإضافة إلى ذلك، إذا تمّ إقناع الشباب الفلسطيني بالعدول عن الانخراط في أعمال إرهابية، كما تشير هذه الدراسة، يتعين على الحكومة الفلسطينية، والمعلّمين، ووسائل الإعلام وقف جميع أشكال التحريض المؤسسي، وعوضاً عن ذلك، بعث رسائل موحدة ومتسقة تدين بشكل قاطع جميع أعمال الإرهاب.

 

ماثيو ليفيت

في الماضي، كانت تسمية "الذئب الوحيد" خاطئة. فقد كانت عناصر إنفاذ القانون تَعرف "الذئاب الوحيدة" من الرجال والنساء جيداً، وحتى إن لم يقوموا بأعمالهم تحت إشراف منظمة إرهابية، كانوا يرتبطون مع ذلك بجماعة ما بصفة أو بأخرى، ولو بسبب الإيديولوجية فقط. ورغم ذلك، يسعى الآن تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى بسط سلطته ونفوذه خارج حدود أراضيه والتسلل إلى الغرب حتى مع تراجع "خلافته" الرسمية. وقد كان التنظيم، وسيبقى، مصدر إلهام لعدد كبير من الأفراد في الغرب ليشنوا هجمات باسمه. ولذلك، فإن ظاهرة "المجرم المنفرد" حقيقية للغاية.

وقد نجح تنظيم «الدولة الإسلامية» في تجنيد منفذي هجمات فردية، ويُعزى ذلك في الدرجة الأولى إلى تواجده الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الشهر الماضي، أصدرت الجماعة الجهادية كتاباً إلكترونياً باللغة التركية يضمّ تعليمات لشن هجمات منفردة. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي المجلد التاسع من النشرة الدورية الألكترونية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» بإسم "رومية"، والتي صدرت في أيار/مايو، على تفاصيل عن الأسلحة والأهداف المثالية لهجمات "الذئب الوحيد".

وبالنظر إلى التهديد المتزايد بحصول هجمات فردية من قبل تنظيمي «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» على حد سواء، يتعين على المسؤولين دراسة أكثر الوسائل فعاليةً لمقاومة دعاية تنظيم «الدولة الإسلامية» والتصدي للتطرف. فعلى سبيل المثال، بذلت شركة "غوغل" جهوداً لنشر رسائل مضادة لأساليب بحث معيّنة، وتواصل البحث بشكل مكثف عن كيفية إفساد وتخريب الرسائل المتطرفة بشكل فعال عبر الإنترنت. وفي حين يمكن أن تكون وسائل الإعلام الاجتماعية مصدراً لـ [سلطات] إنفاذ القانون للتنبؤ بوقوع هجمات في بعض الحالات، إلّا أنّ جميع "الذئاب الوحيدة" لا تنشر نواياها مقدماً على شبكة الانترنت. بالإضافة إلى ذلك، تواجه السلطات في بلد كبير مثل الولايات المتحدة تحديات في كشف هذه التحذيرات والتصدي لها في الوقت المناسب.

يجب مواجهة التطرف العنيف في المجتمعات المحلية على شبكة الإنترنت أيضاً. وعلى الرغم من أن كل حالة من التطرف لها فروقها الدقيقة الخاصة بها، إلّا أنّ استخدام نموذج الصحة العامة يُمكِّن أفراد المجتمع المحلي، مثل الزعماء الدينيين، المشاركة على أفضل وجه في جهود اجتثاث التطرف، وتحديد النماذج والرسائل التي تلبّي احتياجات مجتمعاتهم المحلية المعنية. ولا يُقصد من جهود مواجهة التطرف العنيف موضع البحث أن تحل محل مهنيي [سلطات] إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل العمل معها جنباً إلى جنب.

 

أعدت هذا الملخص أفيفا واينشتاين.