أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

قانون الانتخابات الأردني: إصلاح أم إفساد؟

محمد ياغي

متاح أيضاً في English

منتدى فكرة

4 تشرين الأول/أكتوبر 2012


شهدت المملكة الأردنية الهاشمية في مطلع كانون الثاني/يناير 2011 ظهور حركة إصلاحية طالبت بالتغيير السياسي والاجتماعي. وعلى الرغم من عدم مطالبتها بتغيير النظام، إلا أنها تسعى لعمل إصلاحات دستورية عميقة من شأنها تجريد العاهل الأردني من صلاحياته التنفيذية والتشريعية. والأهم من ذلك أنها تسعى لتحصين البرلمان (مجلس الأمة) ضد حله على يد الملك وإقامة رقابة برلمانية على تشكيل الحكومة (بدلاً من أن يعينها الملك) وأن يكون مجلس الأعيان بالانتخاب المباشر (الذي يعين حالياً من قبل الملك). ويمثل النقاش الدائر في الأردن حول الإصلاح الانتخابي لُب الصراع على السلطة بين الحكومة والمعارضة، مما يعمل على إفساد البيئة السياسية في الوقت الذي تقترب فيه الأردن من الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في نهاية هذا العام.

من جانبها، تصر الحكومة على إبقاء قانون انتخابات الدائرة الفردية - الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1993. وفي أواخر حزيران/يونيو من هذا العام أقر البرلمان تعديلين على قانون الانتخابات القديم، هما: الأول، اعتماد النظام الانتخابي المختلط الذي يسمح للأردنيين للمرة الأولى بالتصويت على قائمة وطنية مغلقة مكونة من 27 مقعداً (18٪ من إجمالي المقاعد)، بالإضافة إلى 108 مقعداً مخصصة لمحافظات الأردن الاثنتي عشرة. الثاني زيادة حصة المرأة من 12 مقعداً إلى 15 مقعداً. وقد تم تخصيص المقاعد الإضافية الثلاثة للنساء القاطنات في المناطق البدوية. فزاد بذلك مجموع مقاعد البرلمان من 120 مقعداً في آخر انتخابات جرت إلى 150 مقعداً.

وفي المقابل، رفضت المعارضة - التي تتمثل بشكل أساسي في جبهة العمل الإسلامي (IAF) والعديد من الجماعات اليسارية والقومية العربية والحركات الشبابية الناشئة حديثاً - قانون الانتخابات الحالي. وبدلاً من ذلك فإن المعارضة تدعم القانون الانتخابي المختلط الذي يخصص 50٪ من المقاعد للقائمة الوطنية و50٪ الباقين للدوائر الانتخابية. بالإضافة إلى رغبتهم في وجود قانون انتخابات يسمح للناخبين في كل دائرة التصويت لجميع المرشحين في الدائرة. وهم يرون أن قانون انتخابات الدوائر الفردية الحالي يعطي مزايا للقبلية على حساب الأحزاب السياسية.

لقد أعاق الصراع الدائر على قانون الانتخابات الانتهاء من تسجيل الناخبين، الذي بدأ في أوائل آب/أغسطس. فاضطرت الحكومة إلى تمديد فترة التسجيل شهراً آخراً للتغلب على دعوات المعارضة بمقاطعة الانتخابات. وذكر عبد الإله الخطيب - رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات - أن الهيئة تخطط لتمديد تلك المهلة خمسة عشر يوماً أخرى. وفي سبيل تحدي جبهة العمل الإسلامي لشرعية الحكومة فإنها تخطط للقيام بمظاهرة حاشدة في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر.

يكمن السبب وراء إصرار الحكومة الأردنية على الإبقاء على قانون انتخابات الدوائر الفردية في أنه نظرياً يتيح التمثيل الحقيقي للقوى السياسية والاجتماعية المتنافسة في الانتخابات. ففي عام 1989 - على سبيل المثال - فاز الإسلاميون بثلث مقاعد البرلمان على الرغم من أنهم لم يحصلوا إلا على 20٪ من مجموع الأصوات. ومن هنا لا يعد موقف الحكومة صحيحاً إلا إذا كان عدد ممثلي كل محافظة يعكس الثقل النسبي الديموغرافي لسكانها وإذا كان تقسيم كل محافظة إلى دوائر يمثل بشكل عادل عدد المقاعد الخاصة بها في البرلمان.

ولكن قانون الانتخابات الحالي لا يعكس للأسف هذين الشرطين. فعلى سبيل المثال، تُمثل محافظة الكرك التي يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة بعشرة أعضاء في البرلمان، في الوقت الذي تُمثل فيه محافظة الزرقاء التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة بأحد عشر نائباً فقط. ويعمل هذا التوزيع غير العادل للمقاعد بين المحافظات على منع مئات الآلاف من الأردنيين من المشاركة في الانتخابات. ومن المعروف جيداً أن نسبة مئوية صغيرة فقط من المجتمع الفلسطيني في الأردن هي التي تشارك في الانتخابات.

وعلاوة على ذلك، تُقسَّم محافظة الكرك إلى ستة دوائر انتخابية في الوقت الذي تُقسَّم فيه محافظة الزرقاء إلى أربعة دوائر انتخابية فقط، مما يجعل من الصعب للغاية على أي حزب سياسي البت في عدد المقاعد التي يجب أن يتنافس عليها. وكما ذكرت كريستين كاو في مقالة بتاريخ 5 تموز/يوليو في مجلة صدى الإلكترونية التابعة لمؤسسة كارنيغي، فإنه إذا قرر أي حزب سياسي التنافس على جميع المقاعد في الدائرة الانتخابية، فسوف تعرضه الأصوات الفردية إلى خطر خسارة جميع المقاعد حيث أنه يستحيل حساب الأصوات التي يحتاجها كل مرشح لكي يفوز بالانتخابات. وإذا قرر حزب ما أن يتنافس على مقعد أو مقعدين في دائرة، فسوف يخاطر بخسارة مقاعد كان بإمكانه الفوز بها إذا نافس على عدد أكبر من المقاعد.

وبالإضافة إلى ذلك فإن تخصيص 27 مقعداً للمنافسة في القائمة الوطنية يعد عدداً صغيراً جداً. ففي دولة تُقسَّم على أسس الهوية ولديها أحزاب سياسية ضعيفة مثل الأردن - باستثناء "جبهة العمل الإسلامي" - فإن تخصيص عدد أكبر من المقاعد للقائمة الوطنية يساعد في التغلب على انقسامات الهوية وتمكين الأحزاب السياسية وتشجيع الأحزاب والمجموعات الاجتماعية لتشكيل ائتلافات. ولا تستطيع النسبة المئوية المنخفضة للقائمة الوطنية المقترحة أن تحقق هذه الأهداف.

هناك اقتناع واسع النطاق بأن الحكومة وضعت قانون الانتخابات لمنع التمثيل الزائد لـ "جبهة العمل الإسلامي" في البرلمان الجديد، لكن الحكومة بقيامها بذلك تمنع أيضاً التمثيل العادل للجماعات الشبابية الناشئة الجديدة. فالناشطون الشباب موزعون على جميع المحافظات ومن المتوقع أن يبلوا بلاء حسناً في الانتخابات في حالة زيادة نسبة القائمة الوطنية. بيد أن انخفاض نسبة القائمة الوطنية سوف يفضي إلى التمثيل الضعيف لهؤلاء النشطاء حيث إنهم لا يستطيعون المنافسة على المقاعد الفردية في الدوائر.

لقد ضغط العاهل الأردني من أجل التعجيل بإقرار الحكومة السابقة لقانون الانتخابات والتصديق عليه أمام البرلمان من أجل تعزيز عملية الإصلاح الاقتصادي. وعلى هذا النحو، فإن الاندفاع نحو الانتخابات لن يفيد الأردن في ظل غياب المشاركة المشروعة من جانب المعارضة. يجب على الحكومة وجماعات المعارضة إجراء حوار وطني من أجل الاتفاق على أفضل قانون انتخابي يضمن مشاركة جميع الأحزاب والحركات السياسية في الانتخابات ويوفر تمثيلاً عادلاً لجميع الأردنيين.

 

محمد ياغي مرشح لنيل درجة الدكتوراه في جامعة غويلب، كندا، وهو يركز على هيكل الحشد والتعبئة والتحول الديمقراطي في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يستند هذا المقال على بحث أجراه في الأردن خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى آذار/مارس 2012.