أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2343

الجهادية تزداد في أوروبا: المنظور الهولندي

روب بيرثولي

متاح أيضاً في English

4 كانون الأول/ديسمبر 2014


"في 4 كانون الأول/ديسمبر، خاطب مدير «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» الهولندية روب بيرثولي منتدى سياسي في معهد واشنطن لمناقشة "التجديد المفاجئ والهائل" للجهادية في هولندا. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاته."

 

منذ أوائل الألفية الثانية تدرس «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» الهولندية الأشكال المتعددة للحركة الجهادية في هولندا، ولاسيما الجهاد القائم على العنف. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كانت حركة الجهاد الناشئ في هولندا هادئة حيث اقتصرت على شبكات صغيرة ومعزولة تروّج لأفكار جهادية بشكل نظري من دون أن تحقق أهدافاً تُذكر من الناحية العملية. وقد كان دور الأجهزة الأمنية بسيطاً نسبياً وهو: العثور على الأشخاص الذين يرغبون بأن يكونوا مقاتلين وإقناعهم بالعدول عن مخططهم، وهو أسلوب غالباً ما كان يكلل بالنجاح.

إلا أن هذا الوضع تغير جذرياً في بداية عام 2013. ففي غضون أشهر قليلة، غادر مئات الجهاديين إلى سوريا، وهي موجة فاجأت الجميع. وتشير التقديرات الحالية إلى أن عدد المشاركين الهولنديين المحتملين في الصراع السوري يبلغ بضع مئات، فيما يبلغ عدد المتعاطفين مع القضية عدة آلاف. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تسعة عشر مقاتلاً من بين المشاركين في الصراع لقوا حتفهم - من بينهم ثلاثة قتلوا في هجمات انتحارية - بينما عاد ثلاثون آخرون. ومن المثير للاهتمام في هذا السياق هو عدد النساء والفتيات المتزايد، حتى ممن لم تتجاوز أعمارهن الثالثة عشرة، اللواتي يرغبن في السفر إلى سوريا.

وللوهلة الأولى، قد يبدو أن الحرب السورية هي التي أثارت هذه الموجة. فمن السهل الوصول إلى البلاد، كما أن الصراع يتمتع بجاذبية أيديولوجية للجهاديين المحتملين. إلا أن سوريا ليست سوى جزءاً من الصورة الكاملة فقد حددت «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» أربعة تطورات رئيسية أخرى لها دور على هذا الصعيد.

أولاً، وقعت هذه الطفرة المفاجئة في العدد وراء الكواليس. فقد تعلمت الحركة الجهادية من أخطائها السابقة وأصبحت أكثر احترافاً في عملياتها وباتت تعمل على تجنب لفت الانتباه غير المرغوب به. وتعلم المسافرون أيضاً أن يكذبوا، بإخبارهم الأجهزة الأمنية بأنهم ذاهبون للمشاركة في حفل زفاف أو لرؤية أقاربهم، وبالتالي لا تملك الحكومة أي أدوات قانونية لمنعهم من السفر. بالإضافة إلى ذلك، ساعدت الشبكات عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في تسهيل النشاطات مثل السفر أو كيفية صنع المتفجرات.

ثانياً، تعلم الجهاديون الهولنديون من نظرائهم في بريطانيا وبلجيكا. فهم يعبّرون عن آرائهم بطرق جديدة استفزازية بل قانونية في الوقت نفسه. إن حرية التعبير تعطي الجهاديين فسحة كبيرة، وهم أذكياء بما فيه الكفاية لتجنب الخطاب الذي من المحتمل أن يجرّ عقابٍ جزائي.

ثالثاً، مدى تبني الحركة الجهادية الهولندية لوسائل الإعلام الاجتماعية كوسيلة لنشر رسالتها. إن الفعالية والسرعة المحسنة لاستخدام هذه الوسائل قد غيّرتا بشكل قاطع من عمليات التفاعل. وفي حين كانت الرسائل السابقة عمودية، من قائد إلى أتباعه، أمست الآن أفقية أكثر بكثير. فتعدد المراكز يعني أن الرسائل تصدر بشكل دائم عن الكثيرين وتصل إلى الكثيرين، بدلاً من أن تصدر عن شخص واحد وتصل إلى الكثيرين. وبالتالي فإن عملية التطرف بحد ذاتها أمست أسرع بكثير.

أما التطور الرابع فيكمن في كيفية استخدام الجهاديين الهولنديين لوسائل الإعلام الاجتماعية. إن الديناميات الجديدة للحركة الجهادية تقوم على الاحتشاد، المثيل بتصرف الأسراب: فهي غير مركزية وسريعة ومرنة. ويعمل الأعضاء بشكل مستقل، ولكنهم يتمتعون جميعاً بفهم واضح للهدف الذي يريدون بلوغه. إن هذه الخصائص قد جعلت الحركة الجهادية أقوى وأكثر مرونة، وبالتالي يمكن لقوات الأمن أن تعرقل عمل الجهاديين الأفراد ولكن لا يمكنها أن تؤثر بشكلٍ دائم على الحركة ككل.

ولا بد من تسليط الضوء على أهمية السياق الأيديولوجي والديني. فالحركة السلفية الهولندية أصبحت تشكل مؤخراً أرضية أخرى حاضنة للجهادية. ففي السنوات السابقة كان السلفيون الذين يدعون إلى "الدعوة" بمثابة عامل عازل مع دعوتهم إلى الخطاب اللاعنفي، أما في الوقت الحالي فيتحدث العديد من الدعاة الأجانب خارج المساجد ويدعون إلى الجهاد القائم على العنف. ويجذب هؤلاء الأئمة الأجانب العديد من الشباب، مما يدفع بالأئمة المحليين إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً للحفاظ على جماهيرهم. ومع ذلك، فإن الخطاب الأجنبي أكثر تطرفاً بكثير، وقد تبين أنه جاذب جداً للشباب المسلم سريع التأثر. وفي حين دارت نقاشات حول إعطاء الرخص للأئمة، إلا أن هذا الأمر لا يندرج في سياق دور الحكومة. وحتى لو كان ذلك يشكل خياراً محتملاً، لن يغير منح هذه الرخص سوى القليل في حال رفض الشباب الاستجابة إلى الحل. ويختبر النشطاء حدود الحقوق المدنية مثل حرية التعبير، كما أن زيادة احترافهم ترفع من مستوى صعوبة مواجهة التطرف.

ولم تعد صورة الجهاديين النموذجية موحدة كما كانت من قبل. فغالبيتهم من الرجال في العشرينات من العمر، وهم غالباً من الجيل الثالث أو الرابع من المواطنين الهولنديين من أصل مغربي. إلا أن الأصل الهولندي لبعض الجهاديين يعود إلى قرون سابقة، وهم هولنديون مثل الأحذية الخشبية وطواحين الهواء التي تشكل رمزاً لهولندا، ومع ذلك فإنهم لا يزالون يتجهون إلى التطرف ويذهبون إلى سوريا. أضف إلى ذلك أنهم ليسوا جميعاً من غير المتعلمين أو المجرمين، لا بل إن بعضهم قد يكون حائزاً على شهادات جامعية. بالإضافة إلى ذلك لم يعد المقاتلون وحدهم هم من يتوجهون إلى سوريا، فالعائلات تسافر بهدف العيش هناك. ويعتقد الجهاديون أنه بإمكانهم بناء دولة مثالية في ظل الشريعة الإسلامية في سوريا، وبعض النساء ترافق أزواجهن أو يذهبن بمفردهن ليتزوجن من جهاديين هم في المنطقة بالفعل.

ومما يزيد من الخطر الذي يواجه هولندا هو أن معظم الهولنديين الذين توجهوا إلى سوريا انضموا إلى جماعات ذات صلة بتنظيم «القاعدة» أو مستوحاة منه. وبالنسبة إلى هذه الجماعات، إن المجتمع الغربي ككل هو العدو المطلق والمشترك. وربما  يكون المقاتلون العائدون من سوريا قد تعرضوا لصدمة، أو زادت الحرب من تشددهم، أو كُلفوا صراحة بالشروع بأعمال عنف من قبل قادتهم العسكريين، سواء أكانت هذه الأعمال ضد المجتمع الهولندي عامة أو ضد مجموعات معيّنة مثل اليهود أو الشيعة. إلى جانب ذلك فإن حرية السفر في "منطقة الشنغن في أوروبا" تسهل أكثر من عملية تحرك المقاتلين في داخل دولة ما وتنفيذ هجوم في أي دولة من الدول الخمسة والعشرين الأخرى الموقعة على "اتفاق الشنغن". ومثال على ذلك ما قام به المتشدد الفرنسي مهدي نموش الذي هاجم متحفاً يهودياً في بلجيكا. كما أنه أخفى عودته من سوريا من خلال السفر عبر كوالالمبور إلى أمستردام. وحتى مع اعتبار المقاتلين الهولنديين الثلاثين الذي عادوا إلى البلاد حتى الآن، لا تزال «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» الهولندية غير قادرة على متابعتهم جميعاً في كافة الأوقات. لذا لا بد من تقاسم بعض هذه المسؤوليات مع الشرطة والمؤسسات البلدية.

أما على الصعيد الداخلي، فيبرز أيضاً قلق من تأثير الوضع على الحركة الجهادية الهولندية المحلية إذ إن المتطرفين قاموا بتخويف المسلمين المعتدلين الذين يعارضون علناً الجهاد القائم على العنف. ومنذ بدء ضربات التحالف الجوية، نشر بعض الجهاديين الهولنديين في سوريا صوراً للضربات على الإنترنت وعلى وسائل الإعلام الاجتماعية ليكتسبوا منزلة في الحرب التي يخوضونها. وقد ظهرت زيادة مقلقة في عدد الأنصار المحليين الذين يطرحون أسئلة حول صحة هذه الهجمات على بعض الأهداف، أو حول مدى إمكانية قبول الأضرار الجانبية التي تقع. بيد أنه مع سفر الشباب للانضمام إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») بدلاً من مجرد محاربة الرئيس السوري بشار الأسد، فإن أهل هؤلاء الشباب يتورطون في هذه المشكلة. فقد توجه العديد منهم إلى الشرطة أو «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» للإبلاغ عن خوفهم من أن يكون أبناؤهم يتجهون نحو التطرف.

وكما هو مفصل في تقرير «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» بعنوان "تحول الجهادية في هولندا"، فإن الخطة الحالية لمعالجة الحركة الجهادية تتألف من خمسة فصول. الأول هو الحد من المخاطر، مثل إلغاء جوازات السفر ورصد سفر الأفراد الذين يشكلون خطراً محتملاً عبر الحدود. أما الثاني فهو التدخل في نشاطات السفر عندما تبرز أسباب جدية تدعو إلى القلق، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالأطفال. وتكمن الأولوية الثالثة في إيجاد أولئك الذين يعملون على تجنيد المقاتلين وإحباط عملهم ومحاكمتهم عندما يكون ذلك ممكناً، فيما يتجلى الفصل الرابع في منع التطرف، ومن المرجح أنه أصعب الفصول من حيث التنفيذ إذ لا بد للحكومة من أن تعمل مع المجتمع المسلم وأن تستخدم كل المعلومات والسلطة التي يتمتع بها هذا المجتمع. أما الفصل الخامس فيتعلق بنشاط وسائل الإعلام الاجتماعية، الذي يشكّل أمراً أساسياً. وتقوم سياسة الحكومة الهولندية على مراقبة المنتديات وإرسال إشعار لمقدمي خدمات الإنترنت بإغلاق المواقع حالما يتم استخدامها لنشر الفكر المتطرف.

والأهم من ذلك، يجب على «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» أن تنظم عمليات تعاون بين المؤسسات الحكومية، لا بل أن تجعل هذا التعاون إلزامياً. فعلى الرغم من أن هولندا بلد صغير نسبياً، إلا أن التعاون لا يأتي دائماً بشكل طبيعي. وتحتاج «وكالة الأمن والاستخبارات العامة» إلى العمل مع الشرطة والمحاكم والجيش. إلى جانب ذلك، إن التعاون الدولي أمر ضروري فقد سافر أكثر من ألف مواطن فرنسي، وما بين 500 و1000 مواطن بريطاني وأكثر من 500 مواطن ألماني إلى العراق وسوريا. بالتالي، لا يزال الطريق طويلاً في مواجهة الفكر المتطرف وفهم عوامل الجذب فيه. وللأسف، لم تُحل شيفرة هذا اللغز بعد، ولا يمكن الرد على الدوافع من خلال عمليات مواجهة معقولة وفعّالة إلا عندما يتم فهم هذه الدوافع.

 

كيلسي سيغاوا أعدت هذا الملخص.