المرصد السياسي 1955
الأمن الإسرائيلي في ظل بيئة إقليمية متغيرة
اللواء المتقاعد يوآف غالانت (جيش الدفاع الإسرائيلي)
متاح أيضاً في English
18 حزيران/يونيو 2012
"في 14 حزيران/يونيو 2012 ألقى اللواء المتقاعد يوآف غالانت (جيش الدفاع الإسرائيلي) محاضرة في معهد واشنطن هي المحاضرة السنوية الخامسة على اسم زيئيف شيف حول الأمن في الشرق الأوسط. وقد خدم اللواء غالانت فترة دامت ثلاثة عقود في البحرية الإسرائيلية والقوات البرية وشغل منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء أريئيل شارون وكان قائد المنطقة الجنوبية خلال عملية "الرصاص المصبوب". وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاته."
تواجه إسرائيل في الوقت الراهن بيئة أمنية بالغة الصعوبة في الشرق الأوسط. فالظروف سريعة التغير في جميع أنحاء المنطقة قد أرغمتها على التكيف حتى وإن كان انكشاف الأحداث لم يكتمل بعد. وفي حين أن العديد من المشاكل التي تواجهها إسرائيل ترتبط بالأمن إلا أن هناك عوامل أخرى تلعب دوراً بارزاً، من بينها التباينات الإقتصادية وتضخم أعداد الشباب وندرة الموارد والإسلام المتطرف، التي تشكل إطار عملية صنع القرارات الاستراتيجية.
مصادر القوة المتغيرة
لقد كان الجيش والدين يمثلان مصدرا القوة الرئيسيين في الشرق الأوسط من الناحية التاريخية. وقد انتصرت المؤسسات العسكرية بصورة عامة في هذا الصراع، وكان الاستثناء الأبرز هو الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ومع ذلك فهذا الاتجاه قد تغير مؤخراً، حيث بدأ في غزة بانتصار «حماس» على «فتح» وأصبح العرف السائد في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فالأحزاب السياسية الدينية - التي كانت مهمشة لفترات طويلة - أصبحت مصدراً جديداً للقوة في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مروعة لإسرائيل والمجتمع الدولي ككل.
الوقائع المتغيرة في مصر وسوريا
إن هذا الاتجاه هو الأكثر وضوحاً في مصر، حيث حل محل "الربيع العربي" شتاء بارد وطويل. وتنطوي المستجدات هناك على مشاكل عويصة بالنسبة لإسرائيل، لا سيما وأن مصر كانت فاعلاً رئيسياً في الحروب الإقليمية؛ وحتى الوقت الراهن لا تزال مصر تملك جيشاً ضخماً جيد التسليح في ظل السلام القائم. ورغم أن الحرب أمر غير مرجح على المدى القصير، إلا أنه من المهم أن ندرك احتمالية نشوب صراع في المستقبل القريب. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي الجمع بين انخفاض الاستثمارات الغربية وقلة السياحة وفقدان إيرادات قناة السويس وغياب النمو الاقتصادي إلى اندلاع موجة جديدة من "انتفاضة الخبز". بيد، لن يحكم الشعب المصري هذه المرة حاكم مستبد مثل حسني مبارك بحيث يستطيع هذا الشعب أن يصب على الرئيس جام غضبه. ولكن يرجح هذه المرة أن يلقي باللائمة على أعداء خارجيين: وهما بالتحديد "الشيطان الأكبر" (الولايات المتحدة البعيدة) والشيطان الأصغر - والأقرب - إسرائيل. وكجزء من تراكم الأحداث المؤدية إلى الصراع، لن يكون مفاجئاً لو سعت القاهرة إلى نقل كتيبة من القوات إلى سيناء تحت ذريعة الدفاع عن نفسها ضد نوع من التهديد الإسرائيلي.
إن التحول بعيداً عن مصادر القوة التقليدية في المنطقة واضح كذلك في سوريا، حيث لقي الكثير من المدنيين العرب حتفهم على يد نظام الأسد أكثر مما قتلت إسرائيل خلال أكثر من ستين عاماً. إن سقوط بشار الأسد ليس سوى مسألة وقت، وعلى الرغم أنه من شبه المؤكد أن بشار سيكون آخر حاكم علوي للبلاد، إلا أن سوريا ما بعد الأسد سوف تواجه مخاطر خاصة بها.
ويبدو أن هناك ثلاثة خيارات ممكنة في الوقت الراهن. أقلها احتمالاً هو ظهور نظام علماني ليبرالي؛ حيث إن غياب الوحدة بين المعارضة قد سمح بتدخل الإسلاميين المتطرفين وتنظيم «القاعدة» في الصراع. والسيناريو الأكثر احتمالاً هو ظهور تحالف يضم جماعات سنية مختلفة - من المتطرفين والمعتدلين/العلمانيين على حد سواء. والخيار الثالث - وهو أسوؤها جميعاً - اندلاع حرب استنزاف داخل سوريا يهيمن فيها المتطرفون السنة وتصبح مرتفعات الجولان بيئة محتملة للصراع. لذلك يجب على المجتمع الدولي أن يتصرف بسرعة لمنع المتطرفين من ملء الفراغ السياسي.
إن ما سيحدث في سوريا من المرجح أن يؤثر أيضاً على الدول الأخرى المجاورة لإسرائيل. ففي الأردن، تواجه العائلة المالكة انتقاداً على الساحة الداخلية حول العدالة الاقتصادية والفساد. إن الأحداث في سوريا قد تفاقم من هذه التوترات، وهو ما قد يؤثر بدوره بصورة سلبية على إسرائيل. كما أن تأثير الأزمة السورية قد وصل أيضاً بالفعل إلى لبنان. فـ «حزب الله» يراقب الأوضاع عن كثب ويستعد لاحتمال فقدان راعيه السوري؛ وإذا شعرت الجماعة بالخوف أو التهديد، فلن تخضع ولن تتردد في استخدام أسلحتها ضد إسرائيل أو غيرها.
غزة وسيناء
يزداد الوضع سوءاً في غزة، مع الزيادة المطردة في الاستعدادات العسكرية واستمرار تدفق البضائع غير المشروعة عبر الحدود المصرية عن طريق شبكات الأنفاق التحت أرضية. ولإسرائيل ثلاث مصالح واضحة المعالم في غزة: منع تحول القطاع إلى مصدر للهجمات وعدم الاستقرار؛ ومنع استيراد الأسلحة المزعزعة للاستقرار؛ وتجنب مسؤولية الدعم الاجتماعي والاقتصادي لساكني القطاع. إن تحديد هذه المصالح هو أمر سهل وبسيط؛ لكن السعي إلى تحقيقها في وقت متزامن هو الجزء الأصعب.
كما أن الوضع في سيناء المجاورة أصبح ينطوي على مشاكل كبيرة بشكل متزايد. ويتركز السبب الرئيسي وراء هذه المشكلات في البدو الذين فقدوا ممتلكاتهم ومصادر عيشهم ومن ثم اتجهوا إلى التهريب والأنشطة غير القانونية الأخرى. وعلاوة على ذلك، ليس لدى البدو أي شعور بالحقوق أو الالتزامات تجاه الحكومة المصرية، كما أن القاهرة لم تفعل شيئاً سوى زيادة المشكلة تعقيداً. وتؤمن إسرائيل بأن الجيش المصري قادر على التعامل مع شبه الجزيرة بمفرده حال رغبته في تخصيص الأفراد والموارد اللازمة. ومن هذا المنظور فإن مشكلة سيناء هي قضية داخلية يتعيّن على القاهرة معالجتها - فإسرائيل ليس لديها رغبة في التدخل وتعريض معاهدة السلام مع مصر للخطر.
تحديات استراتيجية طويلة الأمد
إن هذه التحولات الجذرية التي تأخذ مجراها في جميع أنحاء الشرق الأوسط لا تؤثر على الوضع الاستراتيجي لإسرائيل فحسب، بل تؤثر أيضاً على الساحة المستقبلية التي ستعمل بها. وكانت بعض هذه التحولات واضحة قبل اندلاع فترة "الربيع العربي". فعلى سبيل المثال، إن ثلث سكان المنطقة - أكثر من 100 مليون شخص - هم من دون سن 25 عاماً. وسوف يكون للتعليم الذي يتلقاه هؤلاء الشباب - والذي يغرس في الوقت الراهن كراهية واسعة النطاق ضد اليهود وإسرائيل - تأثير كبير وهائل في النهاية على علاقات البلاد المستقبلية مع جيرانها. كما يجب على إسرائيل أن تتعامل مع التداعيات الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً الناجمة عن التغيرات الديموغرافية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وفي غضون العقد المقبل أو نحو ذلك سوف يعادل عدد السكان العرب عدد السكان اليهود في الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
اغتنام الفرص
على الرغم من هذه التحديات الجديدة إلا أنه يتحتم على إسرائيل أن تواصل سعيها بحثاً عن سبل لتغيير تلك البيئة نحو الأفضل. ومن بين طرق القيام بذلك تحسين الوضع السياسي والاقتصادي للفلسطينيين في الضفة الغربية. ورغم أن التوصل إلى حل سياسي نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين يمثل أهمية جوهرية، إلا أن النمو الاقتصادي في الضفة الغربية سوف يجعل التقدم الدبلوماسي ممكناً بشكل أكبر في الوقت الذي سيفيد إسرائيل أيضاً.
لقد قال رئيس وزراء إسرائيل الأول دافيد بن غوريون ذات مرة أن مستقبل إسرائيل يعتمد على قوتها وعدالتها. ويظهر استعراض الأوضاع خلال العقود الستة الماضية أن إسرائيل أبلت بلاءاً حسناً على الجانب الأول. لكن الجانب الأخير هو الأكثر صعوبة: فلا يجب على إسرائيل أن تتمسك بالعدالة فحسب، بل عليها أيضاً أن تعكس رسالة العدالة بفعالية أكبر. وعلى الرغم من أنها بلاد صغيرة يشكل عدد سكانها جزء ضئيل فقط من عدد سكان العالم، إلا أن عليها أن تفخر بسجلها في مجال تعزيز القيم الليبرالية وبناء مجتمع عادل ومنصف تتاح فيه للأفراد فرصة عيش حياة مجزية ومرضية مليئة بالإنجازات. وفي الوقت ذاته يجب على كل من القادة والمواطنين الإسرائيليين أن يتذكروا بالتحلي بالتواضع والسعي الدائم للتوصل إلى سلام في الوقت الذي عليهم أن يتفهموا أن تحقيق ذلك قد يستغرق وقتاً طويلاً.
وحتى ذلك الحين، يجب على إسرائيل أن تواصل البحث عن سبل للمساهمة بشكل إيجابي في المجتمع الدولي. وعلى الرغم من المشاكل الأمنية بالغة الصعوبة التي تواجهها، إلا أنه يجب عليها أن تستغل الفرص الناجمة عن الاضطرابات الإقليمية. لقد كان التشرذم الداخلي ضاراً بالشعب اليهودي على مدى التاريخ: ولذا يجب عليه المحافظة على وحدته من أجل مواصلة الازدهار.
أعد هذا الملخص المقرر كوري فيلدر.